تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2025
تزايد معدلات الفقر في مصر

توابع "الانفتاح" العشوائي.. حصاد مرٌّ للاقتصاد المصري في نصف قرن

منشور السبت 11 نيسان/أبريل 2026

لم تتوقف محاولات تشخيص أحوال الاقتصاد المصري، لا سيما منذ قيام الحكم الجمهوري بعد 1952 حتى الآن، وهي موزعة على تحليلات لأرقام بحتة ترسم خطوطًا بيانية وتصنع مؤشرات، راصدةً الصعود والهبوط، وبينهما الثبات أو الركود، وخطاب بات يحمل تعبيرًا دالًا هو "الخروج من عنق الزجاجة"، تردده ألسنة عموم الناس على سبيل التهكم.

 على هذا الدرب الطويل في التشخيص سار كتاب الأستاذ عادل حسين "الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية 1974- 1979"، الذي زاوج بين التغير السياسي والأيديولوجي للنظام وبين الإجراءات والتطبيقات الاقتصادية، ثم كتاب سامية سعيد إمام "من يملك مصر؟.. دراسة تحليلية للأصول الاجتماعية لنخبة الانفتاح الاقتصادي في المجتمع المصري 1974- 1980"، وتناول أثر الانفتاح على بنية المجتمع في شرائحه وفئاته وطبقاته.

معهما كتاب سامر سليمان "النظام القوي والدولة الضعيفة: إدارة الأزمة المالية والتغيير السياسي في عهد مبارك"، وفيه تحليل عميق لتراجع القوة الاقتصادية للدولة في وقت كان نظام الحكم يزداد قوة عبر الآليات الأمنية والسياسية وتدوير المال والعلاقة بالخارج، وكتاب محمود عبد الفضيل "رأسمالية المحاسيب.. دراسة في الاقتصاد الاجتماعي"، وفيه يحلل تبادل المنافع بين رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين في ظل فساد ومحاباة تتعلق بتوزيع التراخيص والمنح والإعفاءات الضريبية، مما أثر سلبيًا على المنافسة الحرة، وشوه آليات اقتصاد السوق.

الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق

هناك أيضًا كتب الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق التي حلل فيها الاقتصاد الجزئي؛ الإسكان والصحة والتعليم والضرائب والسياحة، وفصّل الحالة التي وصل إليها وكيف أثرت سلبًا على قدرة النظام على أداء الخدمات المنوط بالدولة تقديمها للمواطنين، وشرح أيضًا آليات الفساد المالي والإداري وأبوابه ونتائجه.

لكن هذه الكتب جميعًا وقفت عند تأثير الانفتاح في مراحله الأولى والوسيطة، وتعاملت معه على أنه كتلة واحدة، ليأتي كتاب محمد حسن خليل عضو الحزب الاشتراكي المصري "تطور الاقتصاد المصري في نصف قرن.. حلم التنمية المستقلة ومأزق التبعية"، الذي صدر مؤخرًا ضمن كراسات التحالف الصادرة عن حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، ليوزع الانفتاح على مراحل خمس في تطبيقه، ويبين انعكاساته على السياسة والمجتمع.

طبقات من الانفتاح

يبدأ خليل برصد ما ورد في ورقة أكتوبر التي ظهرت في يناير/كانون الثاني 1974، وارتكزت على ثلاثة محاور؛ الأول علاقات خارجية متوازنة، لكنها انتقلت من تقارب مع الاتحاد السوفيتي إلى تبعية للولايات المتحدة. والثاني، انفتاح اقتصادي يقوم على حرية انتقال رؤوس الأموال والسلع في الداخل والخارج، وانتهت إلى نوع من الفوضى أطلق عليها الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين سياسة السداح مداح. والثالث، إطلاق الديموقراطية السياسية التي بدأت بسياسة المنابر، ثم التعددية المقيدة، لتنتهي احتكارًا سياسيًا تامًا، مع صعود الاستبداد والسيطرة على الإعلام وتهميش المعارضة ورفع عصا الأمن الغليظة وغلق المجال العام.

وفي تحليل يجمع بين الاقتصادي والسياسي والقانوني قسَّم خليل مراحل الانفتاح إلى خمس؛ الأولى من 1974- 1991، واتكأ على ما يسمى "الحريات الأربع" وهي حرية التجارة الداخلية والخارجية، وحرية الاستثمار وحركة رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية، وحرية تبادل وتحويل العملة المصرية والأجنبية، وحرية التعامل مع قوة العمل البشرية بتوسيع حقوق أصحاب الأعمال في تعيين الموظفين والعمال والاستغناء عنهم، في ظل تقليل تدخل الدولة في الاقتصاد لحساب القطاع الخاص.

ظهر في ركاب هذه المرحلة خلل في تقييم أداء الاقتصاد، إذ رُبط النمو والإنجاز بمدى اندماج السوق المحلية في الاقتصاد العالمي وبمستوى قيمة الصادرات والواردات في الناتج المحلي الإجمالي. وأدى هذا إلى تراجع دور الإنتاج الموجه لإشباع احتياجات المواطنين وإقامة هيكل اقتصادي مستقل، لتبدأ رحلة الاستدانة والتنازلات للجهات المانحة التي تدخلت في إدارة الاقتصاد ومن ثم السياسات العامة.

يمثل ارتفاع أسعار الطعام والشراب تحديًا كبيرًا أمام المصريين.

والمرحلة الثانية 1991-2002، بدأت بإسقاط نصف ديون مصر بعد مشاركتها في حرب تحرير الكويت، ومع هذا تمت الاستجابة الملموسة لشروط صندوق النقد والبنك الدولي بخصخصة الهيكل الإنتاجي وتعويم محكوم للعملة المحلية، وسن منظومة من القوانين لتلبية هذه الشروط أولها قانون قطاع الأعمال رقم 203 لسنة 1991، الذي حوّل القطاع العام المملوك للشعب إلى قطاع أعمال مملوك للدولة يمكنها التصرف فيه بالخصخصة والبيع، وحوّل الهيئات العامة إلى شركات قابضة، مما أعطى مديريها اليد الطولى فيما تحوزه من إمكانات وأضعف قدرتها على المنافسة في السوق، مع بيع الرابح منها وطرحها في البورصة.

وجاء قانون البورصة المصرية رقم 95 لسنة 1992، الذي أثر سلبًا على قدرة الشركات الناشئة على الاستمرار والمنافسة، والقانون رقم 96 لسنة 1992 الخاص بتعديل بعض نصوص قانون الإصلاح الزراعي لعام 1952، الذي زاد القيمة الإيجارية للأرض من سبعة أمثال الضريبة إلى 22 مثلًا، لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات تُحرر بعدها العلاقة الإيجارية تمامًا، ما أدى إلى تأثير جارح على أحوال الفلاحين الذين كبتت أصواتهم عصا الأمن الغليظة.

واكب هذا كله زيادة أسعار الخدمات والسلع، مع تقلص السلع المشمولة بالحماية الجمركية، وإلغاء الحواجز غير النقدية على الواردات، وتراجع القدرة الشرائية للجنيه.

قطارٌ لم توقفه الثورة

شهدت المرحلة الثالثة 2002- 2010 مزيدًا من اندماج الاقتصاد المصري في السوق العالمية في ظل سياسات "نيوليبرالية" استجابت فيها الحكومة نسبيًا لمطالب صندوق النقد بمزيد من تحرير العملة والخصخصة.

وهي مسألة أخذتها "أمانة سياسات الحزب الوطني" على عاتقها، فتقلصت رؤى الحرس القديم لهذا الحزب الحاكم وقتها، التي كانت تراعي الأوضاع الاجتماعية، وفي المقابل صعد رجال الأعمال في الحياة السياسية فتضاربت المصالح وأديرت الدولة بمنطق الشركة، وصعد الفساد والاقتصاد الأسود، وتراجعت قدرة المواطنين على الإنفاق على الضروريات مع زيادة معدلات التضخم وارتفاع الأسعار.

استمر هذا الوضع رغم قيام ثورة يناير 2011 التي أطاحت برأس النظام، الذي ظل يصارع من أجل العودة، حتى تمكن من الحكم فعلًا سنة 2015.

أما المرحلة الرابعة 2015- 2020، ففيها توسعت الاستدانة والاستجابة لشروط الجهات المُقرضة، فصدرت ثلاثة قوانين، أولها القانون رقم 17 لسنة 2015 الذي منح مزيدًا من المزايا للمستثمرين الأجانب في صيغة تسهيلات إدارية وإعفاءات مالية، وثانيها قانون رقم 16 للسنة نفسها، وقضى بتعديل قانون الإجراءات الجنائية لتحصين عقود الخصخصة بمنع الطعن عليها أمام القضاء. أما الثالث فهو قانون الوظيفة المدنية رقم 81 لسنة 2016، الذي وسَّع صلاحيات أصحاب العمل في فصل العمال وقلَّص العلاوات الدورية.

ومع مطالبة صندوق النقد بما أسماه "حزمة السياسات الاقتصادية الضرورية لاستعادة ثقة المستثمرين وتخفيض التضخم، وتشجيع النمو القائم على قيادة القطاع الخاص"، جرى اللجوء إلى مزيد من تحرير سعر صرف الجنيه، فيما رُفعت أسعار الفائدة في البنوك، واتبعت سياسة تقشفية لاحتواء فاتورة المرتبات والأجور في القطاع الحكومي، وتقليل الدعم، وزيادة إيرادات الضرائب، وهو ما أدى إلى تدهور أحوال الشعب.

تأتي المرحلة الخامسة 2020- 2025 ويصفها خليل بأنها "أخطر وأعمق مراحل التبعية"، منطلقة من نقص النقد الأجنبي، ما دفع إلى مزيد من الاستدانة في ظل توسع إنشاء الطرق والكباري والمدن الجديدة على حساب إقامة مشروعات إنتاجية. قاد هذا إلى تأزم اقتصادي تتراجع قدرة السلطة على تجاوزه، فلا يكون أمامها سوى الاستجابة من جديد لشروط صندوق النقد تحت لافتة "التثبيت والتكيف الهيكلي".

الحصاد المر

دخل اقتصادنا دائرة جهنمية بعد تراكم الإخفاق في إدارته مع التبعية لصندوق النقد الدولي. وصارت العناوين البارزة للأزمة الاقتصادية هي انفجار أزمة الدين الخارجي والداخلي، وما يترتب من آثار حين يتم الاعتماد على الأموال الساخنة، وتعدد الميزانيات داخل الدولة لتبلغ خمسًا، وتصاعد النزعة الاحتكارية لأطراف أو هيئات داخل الدولة، في وقت تُباع أصول الدولة أو تصفى شركات قطاع الأعمال وتزداد معدلات الفقر وانهيار الطبقة الوسطى، ويصعد الأثرياء الجدد.

هكذا يجري تبادل المنافع بين السياسة والاقتصاد خلال الخمسين سنة الأخيرة ليتحول الاقتصاد إلى الساحة التي يختبر فيها الشعب نتائج أداء السياسيين، ويصبح أداةً بيد السياسة لتشكيل المجتمع وهندسة العلاقة بالخارج.

أما القانون فأتى خادمًا للاثنين، إذ يُسن ليضفي مشروعية على قرارات سياسية ترمي إلى صناعة مسار اقتصادي معين تفرضه مؤسسات الدولة، فيتحول المجتمع إلى مفعول به، حتى وإن أراد التمرد.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.