تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الفيلسوف كارل بوبر والديكتاتورية

ديكتاتورية الأغلبية المرعبة

منشور الأربعاء 24 حزيران/يونيو 2026

من بين مفكري القرن العشرين، يُذكر كارل بوبر (1902 - 1994) في سيرة الدكتور مجدي يعقوب. جرَّاح القلب اتَّبع منهج بوبر المتخصص في فلسفة العلوم، وتبنى روحه النقدية، وتعلَّم "أن الجراحة في حقيقتها حالة ذهنية"؛ فأخضع كل حالة في عملياته لدراسة خاصة. مرونة قد تُثبت له خطأً سابقًا، فيبحث عن حلول جراحية في ضوء الحالة الجديدة.

بوبر ويعقوب كلاهما آمن بأن النظرية العلمية قابلة للتكذيب. ما يبلغه العلم معرفة راهنة، فالعلم "هو البحث عن الحقيقة، ولا وصول إلى الحقيقة المطلقة". والنظرية التي لا تصمد للتحدي ولا تُختبر "لا تكون لها قيمة كبيرة"، كما يقول يعقوب الذي لم يشغله تحوّل بوبر عن الماركسية، مخاصمًا أي فكرة تنتهي بالشمولية، بما في ذلك ديكتاتورية الأغلبية ولو عبْر انتخابات حرة.

الرعب الديكتاتوري، عسكريًّا كان أم دينيًّا أم شعبويًّا، سيطر على بوبر في كتابه درس القرن العشرين الذي ترجمه الزواوي بغورة ولخضر مذبوح. وصدرت منه طبعتان بثمن زهيد، من المجلس الأعلى للثقافة 2002 ومكتبة الأسرة عن الهيئة العامة للكتاب 2010.

الفخ الديمقراطي

الرئيس عبد الفتاح السيسي

ما بعد 25 يناير 2011، كان لأفكار الكتاب أن تعصمنا من إعادة إنتاج الاستبداد. ذهبت السكرة، وهبط السقف. وبعد الأحلام الطليقة، ضاق المجال إلا عن ثقافة الزفَّة، منها ندوة "تيران وصنافير في القانون الدولي"، في 10 أغسطس/آب 2016، بالمجلس الأعلى للثقافة.

تلك الزفَّة حضرها مسؤولون، منهم: وزير الثقافة آنذاك حلمي النمنم، وسفير، وقاض، وأساتذة للقانون الدولي والجغرافيا. ويتوالى التغييب؛ فتنشر صحيفة المصري اليوم، في 18 فبراير/شباط 2024، مقالًا عنوانه "إبداع الرئيس" لأستاذة الفلسفة منى أبو سنة. هكذا!

في هذا الغبار، يتبدد تحذير كارل بوبر من خطورة صعود ديكتاتور شعبوي ديماجوجي. في التمكين الشرعي، يتسلَّح بالأغلبية، ويجادل بها، ويصاب بجنون العظمة، ولو كان به مسٌّ ديني لقال إن الله يكلمه، ويختصه بما لم يختص به أحدًا، منذ سليمان الملك الملهم بمعرفة منطق الطير، ويدَّعي الحكمة والقدرة على حلّ ألغاز الكون، محتجًّا ومستشهدًا بآية "فَفَهَّمناها سليمان".

يذكّر بوبر بأن أدولف هتلر "وصل إلى الحكم بطريقة شرعية وأن القانون الخاص بتخويله جميع السلطات قد تمت المصادقة عليه من طرف الأغلبية البرلمانية". هذا الفخَّ الديمقراطي، بالإجراءات الشكلية، شرعيٌّ تمامًا. ينبّه ويحذّر. حين يقع انحراف استبدادي، فإن "مبدأ الشرعية لا يكفي". ويرفض الاستناد إلى سيادة شعبية؛ فقد تؤدي إلى تهميش الشعب أو قطاع منه، "لأن ديكتاتورية الأغلبية يمكن أن تكون مرعبة بالنسبة للأقلية".

يعترض بوبر على نظرية السيادة الشعبية، ويراها "شعوذة متسلطة"

في جوهر الديمقراطية لا وجود "لمبدأ يجعل للأغلبية الحق؛ لأن الأغلبية قد ترتكب أخطاءً فادحة كأن تنصّب طاغية". وليست الديمقراطية حكم الشعب؛ فكل مواطن "من أفراد الشعب يعرف تمامًا أنه لا يحكم، ومن هنا لديه انطباع بأن الديمقراطية تعتبر نوعًا من الاختلاس والنصب والاحتيال، وهنا يكمن الخطر". فما العمل؟

يعترض بوبر على نظرية السيادة الشعبية، ويراها "شعوذة متسلطة". ومنذ البدايات، اتخذت الديمقراطية الأثينية "قرارات إجرامية"، بالهجوم على جزيرة ميلوس، وقتل الرجال، وبيع النساء والأطفال رقيقًا في الأسواق. أما برلمان جمهورية فايمار، المنتخب انتخابًا حرًّا، فوضع تشريعات جعلت هتلر ديكتاتورًا.

تصديق البرلمان الألماني، في مارس/آذار 1933 على قانون السلطات المطلقة، "فخٌّ أخلاقي فظيع"، فالشعب قد يخطئ. ويؤيد بوبر قول الداهية البريطاني ونستون تشرشل "الديمقراطية هي أسوأ أشكال الحكم باستثناء جميع الأشكال الأخرى التي هي أسوأ منها". فما البديل ما دام للديمقراطية وجه ديكتاتوري متوقَّع؟

إجراء وقائي

تبدأ الإجابة بتفكيك مفهوم الديمقراطية باعتبارها سيادة الشعب أو حكم الشعب. هذا تعريف غير دقيق، مضلل بالإجراءات الانتخابية غير العادلة وبالمآلات الاستبدادية. هنا يُسعفنا بوبر بأن الديمقراطيات الحقيقية تعتمد على "مؤسسات مزودة بوسائل ضد الديكتاتورية". الديمقراطية، بهذا المعنى، تمنع صعود الديكتاتورية، وتصير "وسيلة لتجنب الطغيان، لا أكثر ولا أقل". هذا إجراء وقائي، فماذا لو تخلَّت السلطة عن واجباتها، واستبدَّت؟

من جلسة مساء الاثنين 12 يونيو للجنة الشؤون الدستورية والتشريعية - تصوير صفاء عصام - المنصة

تتيح الديمقراطية القدرة على الإنهاء السلمي للحكم. لا تهم صيغة هذا الإنهاء، بانتخابات أو بقرار برلماني أو بقضاة المحكمة الدستورية. الأهم أن الديمقراطية "تمنح إمكانية التخلص من الحكومة دون إراقة للدماء".

ويدلل بوبر باستقالة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، عام 1974 بسبب تورطه في عملية التجسس الشهيرة بفضيحة ووترجيت "كانت في الواقع عزلًا".

أترك كارل بوبر قليلًا، وأتأمل سلوك الأغلبية في البرلمان المصري، الذي صار اسمه مجلس الأمة، في التصويت على التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين في 14 يونيو/حزيران 2017. لا أجد تفسيرًا نفسيًّا يناسب أداء برلمان عَجولٍ (بفتح العين من فضلك منعًا لأي الْتباس)، كأنه يريد الفرار من تهمة. وبأداء هستيري، طلب رئيسه أستاذ القانون الدستوري علي عبد العال وقوف الموافقين "على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العصبية".

رفع أغلبية الأعضاء أيديهم ووقفوا؛ استجابة لطلب الرئيس الذي فرح بالوقوف وبرفع الأيدي. لم يرتجل عبد العال. كان يقرأ ورقةً أستبعدُ أن يُكتب فيها "العصبية" مكان "العربية السعودية". كانت الأعصاب عارية، وسخونة التوتر صهرت الكوابح، فاتصل اللسان بالعقل الباطن.

الدولة الراعية

لا تسمح دولة القانون بإنتاج الاستبداد، وتتمكن من إنهائه إذا نما في غفلة. يوجد القانون فيختفي العنف، عنف الأفراد وعنف السلطة غير القانوني. بتبسيط غير مخلّ، فإن دولة القانون تتأسس على أن حرية كفّ المواطن "تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين في الدفاع عن أنوفهم". أنوف الآخرين خارج حدود قبضة اليد. والقضاء في دولة القانون مهمته تحقيق العدالة. وفي النظم المستبدة، كما في الاتحاد السوفيتي، كان القضاة "وبشكل أساسي وسائل للديكتاتورية، فليس هناك قانون يحدد الإجراءات العادية التي تحفظ حقوق الجميع".

للدولة الأبوية وصاية استبدادية تتجلى في فرض نمط تظنُّه أفضل لمواطنيها

يقدم بوبر في "درس القرن العشرين" جردة للقرن، ويرسم مستقبلًا ترتفع فيه قيم العقلانية والعدل والحرية. في مجال الاقتصاد "لا وجود لاقتصاد حرّ من دون تدخل للدولة". من دون وجود دولة عادلة قوية، كما يقول توماس هوبز، يكون الإنسان "ذئبًا لأخيه الإنسان". قوة الدولة لا تعني أن تكون السلطة أبوية تنطلق من مبدأ الرفق بالشعب، فالحكومة الأبوية "ستكون أسوأ حكم استبدادي يمكن تخيله". مهمة الدولة القوية ضمان حقوق المواطنين، والاعتراف بحق الشعب في الحرية.

أما نظرية الدولة الراعية، التي تتبنى نهجًا أخلاقيًّا، "فإنها تتعدى في الواقع على أهم الحقوق الإنسانية، الحق في تقرير المصير، الحق في السعادة والشقاء حسب رغبتنا". للدولة الأبوية وصاية استبدادية تتجلى في فرض نمط تظنُّه أفضل لمواطنيها. لا يتضمن القانون إرغام مواطن على سلوك لأنه أفضل له.

يستعير بوبر مبدأ كانط الذي يعطي الفرد الحق في اختيار السعادة أو الشقاء، "كما يحلو له، ويدين كل تدخّل أبوي باعتباره غير شرعي". لا تستطيع مؤسسة مثل البرلمان، ولا أي مسؤول، "أن يدَّعي الحق في أن يكون وليًّا على راشد، وحرمانه من حريته"، إلا إذا هددت هذه الحرية شخصًا آخر.

سُكّان بلا مواطنة 

أراحني بوبر. أجاب، من غير قصد، عن سؤال يشغلني طوال أكثر من ربع قرن، عن حزام الأمان الإلزامي. في نوفمبر/تشرين الثاني 2000، اقتحم مسلحون البنك الأهلي المصري في محافظة سوهاج، واستولوا على نحو 340 ألف دولار. ردَّت السلطة بالإلهاء؛ فألزمت قائدي السيارات بالحزام، وانشغلت البرامج التليفزيونية بلقاءات ميدانية عن فضيلة الحزام.

لا أظن أن بوبر زار مصر، ليرى تحايل سائقي الميكروباص والتاكسي. كما تمتد أيديهم آليًّا إلى ناقل الحركة (الفتيس)، تَسحب تلقائيًّا -كلما اقتربوا من رادار يعرفون مكانه- شريطًا جلديًّا مترهلًا، يتوشَّحون به لحظات، ويطوونه بقرف ولا مبالاة، حتى يقترب مكان الرادار التالي.

حين تغيب حقوق المواطنة، فإن من يُفترض أنهم مواطنون يصيرون سكانًا

هل تهتم الحكومة بحياة السائقين، وتستهدف بالحزام تقليل آثار الصدمات؟ السبب غير المعلن، الصريح المتفق عليه حكومةً وأهالي، أنه قناع للجباية. ليس في العالم المتحضر، حتى الدول العربية الحديثة، ضابط شرطة ولا جندي ينظم المرور، يلوّحون للسيارات لتسرع، في حركة مروحية تُتلف مفصل الكتف. لا يهتمون؛ فالجباية تغطي العلاج والنظارات الشمسية. ألا تكفي الإشارات الضوئية؟ تكفي وتغني، لكنها لا تملك دفاتر مخالفات يجب إنهاؤها في تحصيل الفلوس.

يُفرض حزام الأمان، في أوروبا والدول المتقدمة، لأنه وسيلة أمان. يُلزمون به السائق والجالس بجواره، لأن الدول تتحمَّل علاج المصاب، وتدفع التعويضات. كما يُلزمون المواطنين بالكشف الدوري الوقائي، تجنبًا للأمراض ونفقات علاجها، تحت مظلة التأمين الصحي.

في عالمنا السعيد، تهمل الحكومة مسؤوليات دستورية عن التعليم والعلاج. حين تغيب حقوق المواطنة، فإن من يُفترض أنهم مواطنون يصيرون سكانًا. في 1993 ابتدعت مصر "وزارة الدولة لشؤون السكان والأسرة"؛ استباقًا لاستضافة المؤتمر الدولي للسكان والتنمية عام 1994. وزارة مبتسرة، عمرها 446 يومًا. ألغيت بعد أن منحت الدكتور ماهر مهران لقب وزير.

لم يسمع كارل بوبر بهذه التفاصيل، لأنه رحمه الله، توفي بعد اختتام المؤتمر بأربعة أيام. وقد أجاب، في "درس القرن العشرين"، عن سؤال حزام الأمان، بتساؤله "هل للدولة الحق في إلزام مواطنيها بشدّ أحزمتهم عندما يقودون سيارة؟ طبعًا لا".

تساءل عن إلزام "المواطنين"، لا السكان الذين ليسوا بالضرورة مواطنين، لذا لزم التنويه.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.