علبة دهان بلا خصم.. كيف ذابت حصة المهندسين في جوتن للبويات؟
قصة 40 عامًا من شراكة نقابة المهندسين مع جوتن
بينما كنت أجري تجديدات في المنزل، دخلت منفذًا لبيع دهانات جوتن الشهيرة، تذكّرتُ أن كارنيه نقابة المهندسين يمنح صاحبه خصمًا، فأخرجتُه واثقًا، لكن البائع اعتذر في أدب، فالشركة أبلغتهم مؤخرًا بوقف الخصم المخصص لأعضاء النقابة، وهو الخصم الذي ظل ساريًا لسنوات.
سألني ابني، وهو في الرابعة عشرة من عمره: بابا هو ليه كان ليك خصم، وليه اتوقف؟ أجبتُه بما أعرفه على عجل؛ أن النقابة تملك حصةً من أسهم الشركة، وأن هناك خلافًا مع الشركة عطّل تلك الميزة.
لم أكد أُكمل حديثي حتى أمسك هاتفه لثوان، ثم عاد ليسرد عليّ تفاصيل كسلت عن سردها له؛ أن هناك خلافًا كبيرًا بين نقابة المهندسين وشركة جوتن للبويات، وأن حصّة النقابة تآكلت من 30% إلى ما يقارب 4%، وأن الموضوع وصل للقضاء بالفعل.
ولأن الحكاية تبدو من بعيد شبكةً من الجمعيات والطعون والتواريخ، فإن جوهرها بند واحد اسمه تذويب الحصة/Dilution: حين يرفع الشريك الأكبر رأس مال الشركة، يُطلب من الشريك الأصغر أن يدفع حصته من الزيادة نقدًا. فإن دفع بقيت نسبته، وإن عجز أو امتنع تقلّصت تلقائيًّا دون أن يبيع سهمًا واحدًا.
أصل الحكاية
القصة لم تبدأ اليوم، إنما تعود لأكثر من أربعين عامًا وتحمل العديد من الآراء والروايات المتضاربة حول شراكة كان يُفترض أن تصبّ أرباحها في صندوق المعاشات الخاص بأكثر من مليون مهندس.
وُلدت الفكرة في زمن المهندس الراحل عثمان أحمد عثمان وجيله الذي شيّد للنقابة كياناتها الاقتصادية، يومها بدت الصفقة واعدةً ونظيفة؛ النقابة تقدّم الأرض والشريك المحلي، والنرويجيون يقدّمون التكنولوجيا والاسم، لتُولد شركة "المهندس جوتن للدهانات" لتغذّي صندوق المعاشات، غير أن ما لم يعلمه الكثيرون أن النقابة لم تحصل من تلك الأرباح على ما يوازي حصة بهذا الحجم طوال العقود الأربعة.
يرى طرف آخر داخل النقابة أن خطاب النقيبين الحالي والسابق يفتقر إلى الواقعية
حين تستمع إلى خطاب النقيب الحالي محمد عبد الغني، أو إلى سلفه طارق النبراوي، تجد نبرةً قويةً تتحدث عن نقابة قوية وعريقة، تمثّل أكثر من مليون مهندس، وقادرة على إدارة الأزمة وحلّها بقوة هذا العدد، وبما لديها من خبرات إدارية ومالية وقانونية. خطابٌ يبعث الطمأنينة، ويُكرّر أن حصة النقابة 30% لن تُمس، وأنها لن تبيع سهمًا واحدًا.
في المقابل، يرى طرف آخر داخل النقابة أن خطاب النقيبين الحالي والسابق يفتقر إلى الواقعية؛ فالحديث عن القوة وتأثير المليون مهندس يأتي بعد تراجع الحصة اسميًّا إلى أقل من 4%، وانتهاء فترة الاكتتاب دون مشاركة النقابة. كما أن طمأنة النقيب بـ"عدم المساس بالحصة" جاءت بالتزامن مع بدء الشريك الأجنبي إجراءات شراء الحصة كاملةً مقابل 65 مليون دولار.
لهذا انقسم المهندسون على السوشيال ميديا بين مُشيدٍ بقرارات النقيب تقديم بلاغ للنائب العام، وطلب التفتيش على مستندات الشركة، ودعوى وقف تنفيذ قرارات الجمعية، بجانب دعوات متفرقة تداولها
مهندسون على صفحاتهم لمقاطعة منتجات الشركة، على الجانب الآخر كان هناك رأي يرى أن إجراءات النقيب متأخرة كان ينبغي أن تسبق الكارثة لا أن تأتي بعد فوات الأوان؛ وهو ما عبّر عنه المهندس جمال المهدي، أكبر أعضاء المجلس، حين أعلن استقالته قائلًا إن المجلس فوجئ بخسارة الطعن وبانتهاء مهلة الاكتتاب دون تحرّك، وردّده كذلك المهندس حسين منصور في نقده العلني لغياب الشفافية عن ملف جوتن وغيره من ملفات النقابة من وجهة نظره.
أزمة تتجدد
لم تغب أزمة جوتن عن الصراع داخل نقابة المهندسين خلال السنوات الأخيرة، على الأخص الأزمة التي سبقت الجمعية العمومية غير العادية في 30 مايو/أيار 2023، والمعروفة بين المهندسين بـ غزوة الصناديق. كان ملف الشركة أحد الملفات الخلافية المطروحة إلى جانب ملفات أخرى تتعلق بإدارة النقابة. وانتهت الجمعية باقتحام مجهولين قاعة التصويت وتحطيم صناديق الاقتراع، بعد ظهور مؤشرات أولية على رفض غالبية الحاضرين سحب الثقة من النقيب طارق النبراوي.
لذلك يجد البعض أن من الطبيعي ملاحظة أن نسبةً كبيرة من الأصوات التي تُحمّل النبراوي وخليفته محمد عبد الغني وحدهما المسؤولية هي ذاتها المحسوبة على النقيب الأسبق الوزير هاني ضاحي، وبعضهم كان له دور موثق في أحداث العنف التي رافقت التصويت في 30 مايو 2023.
وهنا تكمن مأساة الملف، فقد تحوّلت القضية إلى ساحة تصفية حسابات، وغابت الرؤية الموحدة وتضاربت الإجراءات، واتسعت الهوة أمام الشريك الأجنبي الذي استطاع استغلال الثغرات الزمنية والقانونية ليمرّر مخطط الاستحواذ.
كانت الدولة تحتفي بنجاحٍ استثماري باهر للشركة، بينما عاشت أروقة النقابة، الشريك المحلي بنسبة 30%،غليانًا مكتومًا
مشهد مثير للاهتمام حدث قبل أشهر من انفجار أزمة جوتن لم يأخذ القدر الكافي من النقاش، ففي مارس/آذار 2024، زار رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مصنع الشركة الجديد في مدينة العاشر من رمضان، الذي كان قد افتُتح قبلها بأشهر على مساحة 94 ألف متر مربع. تصدّرت الصحف الاقتصادية مانشيتات مثل: مصنع بـ100 مليون دولار، ودعم حكومي للتوسعات، ودليل على أن السوق المصرية ما زالت جاذبة بعد تحرير سعر الصرف.
كانت الدولة تحتفي بنجاحٍ استثماري باهر للشركة، بينما عاشت أروقة النقابة، الشريك المحلي بنسبة 30%، غليانًا مكتومًا، فالطفرة الإنتاجية نفسها التي احتفت بها المانشيتات كانت اللحظة التي جعلت الشريك الأجنبي أكثر تمسكًا بالاستحواذ الكامل، إذ صار يملك مصنعًا قادرًا على تغطية المنطقة لـ15 سنة مقبلة، فأي شراكةٍ يحتاج بعد اليوم؟ هكذا خرج المشهد في الإعلام نجاحًا للدولة، وفتيلًا أشعل معركة تحجيم حصة النقابة.
ليس في الأمر خصومة بين النقابة والحكومة، إنما تعارض أولويات، فالحكومة حريصة على جذب الاستثمار الأجنبي وضخّ الدولار وتصدير صورةٍ جاذبة، أما أولوية النقابة فهي حماية أصول صندوق المعاشات للمهندسين، لذا عندما سعت شركة جوتن النرويجية لاعتماد زيادات رأس المال من الهيئة العامة للاستثمار، لجأت النقابة إلى لجنة التظلمات بالهيئة ذاتها، بتاريخ 22/2/2024 استجابت لجنة التظلمات (وهي لجنة إدارية ذات اختصاص قضائي) للطلب المقدم إليها، وعليه قررت إلغاء أحد قرارات الجمعية والخاص بزيادة رأس مال الشركة، تأسيسًا على الدفوع المقدمة للجنة، وأبقت على باقي بنود المحضر كما هي دون إبطال أو إلغاء.
تجويع بأدوات القانون
ما جرى هو ما يُعرف بـ تذويب الحصة/Dilution، ففي يوليو/تموز 2023 رفع الشريك الحاكم رأس المال من 160 مليون جنيه إلى نحو مليارٍ وأربعمائة وأربعين مليونًا، لتكون النقابة أمام معادلة بسيطة وقاسية في آن، إما أن تدفع مئات الملايين فجأةً لتحافظ على نسبتها، أو تمتنع فتتقلّص حصتها تلقائيّا، لذا طعنت النقابة وانتصرت في معظم البنود، وأُبطل القرض النرويجي، وأُبطل عقد "الإتاوة" الذي يقتطع 4% سنويًّا للشركة الأم، لكن بندًا واحدًا أفلت، وهو زيادة رأس المال نفسه، بسبب ما سمّاه النقيب لاحقاً اجتهادًا غير موفق من محامي النقابة في تحديد الطلبات أمام المحكمة الاقتصادية.
المكتب المعني، وهو مكتب "عمرو وشركاه"، ردّ ببيان مضاد رفض فيه الوصف من أساسه، قائلًا إن المسألة كانت محكومة بالقانون على نحو وحيد فلا محل فيها للحديث عن اجتهاد موفق أو غير موفق، ومذكّرًا بأن الأحكام التي حصلت عليها النقابة في باقي البنود جاءت بدعمه الفني. ثم صعّد مجلس النقابة الأمر إلى بلاغٍ للنيابة العامة ضد المكتب بشبهة التواطؤ، بسبب تعديل طلبات النقابة أمام المحكمة الاقتصادية بما أدى إلى عدم نظر البند المتنازل عنه.
المقصود لم يكن التوسّع المالي، بل إقصاء النقابة من الشراكة تمامًا
وراء تصرفات الشركة الأجنبية بتجميد الأرباح منطقٌ رأسمالي بحت، فالشركة تبحث عن مصلحتها بكل الطرق، تربح من ثلاثة أبواب لا تشارك النقابة في أغلبها، مثل بيع الخامات والمركّزات من المصنع الأم، واقتطاع الإتاوة من المبيعات لا الأرباح، وتقديم قروضٍ بفوائد للفرع المصري، وهي حيلة تسعير التحويل التي تُهرّب الأموال في صورة تكاليف وفوائد، فتظهر ميزانية المصنع في مصر بأرباحٍ ضئيلة أو معدومة، فلا تنال النقابة شيئًا، فيما يعرف بسياسة تجويعٍ متعمدة تهدف إلى الضغط على الشريك المحلي حتى يقبل البيع.
يُفسَّر بذلك هبوط تقييم الحصة من نحو 150 مليون دولار في 2022 إلى 65 مليونًا في 2025، وهو خليطٌ من أثر التعويم على الترجمة المالية، ومن التذويب الفعلي للنسبة، ومن تعنّتٍ مقصود يستغل حاجة صندوق المعاشات إلى السيولة.
وللشركة روايتها المضادة هنا، إذ أكدت في بيانها أن إجراءاتها تمت بشكل قانوني وعلني، وأن عرض الشراء جاء بعلاوة سعرية تفوق تقييمات اثنتين من كبرى شركات المراجعة الدولية.
جدير بالذكر أن المادة 27 في عقد تأسيس شركة المهندس جوتن اشترطت موافقة 75% من أعضاء مجلس الإدارة بالكامل، وليس فقط الحاضرين، لتمرير القرارات المصيرية مثل زيادة رأس المال، لكن الطرف الأجنبي استغل ثغرة (غياب بعض ممثلي النقابة في بعض الاجتماعات)، فمرر الزيادة عبر الجمعية العمومية، متجاوزًا شرط مجلس الإدارة، وهنا تكمن المخالفة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تدخّل الفريق المهندس كامل الوزير ، وزير الصناعة آنذاك ونائب رئيس مجلس الوزراء، عاقدًا اجتماعًا موسّعًا ضمّ النقيب السابق طارق النبراوي والأمين العام والمستشار القانوني الجديد، في محاولة للوساطة، وفي الرابع والعشرين من نوفمبر، أخطرت شركة جوتن النقابةَ بتراجعها عن عقد الجمعية العمومية المقرّرة في اليوم التالي، وهو تراجعٌ فسّرته النقابة انتصارًا مؤقتًا.
لكن في مايو 2026 عُقدت الجمعية العامة لشركة جوتن، في ظروف وصفتها النقابة بأنها تخالف القانون، ولكن حضر ممثلو النقابة إلى الجمعية وقدّموا شيكًا بـ425 مليون جنيه مساهمتهم في الاكتتاب، إثباتًا لحسن النية وجدّية موقفهم. لكن الشركة رفضت استلام الشيك وأُثبت ذلك في محضر الجمعية الرسمي. ورأت النقابة في هذا الرفض دليلًا دامغًا على أن المقصود لم يكن التوسّع المالي، بل إقصاء النقابة من الشراكة تمامًا.
تبقى أزمة جوتن في النهاية قصة لها أكثر من رواية، فالنقابة ترى أن ما حدث استحواذ مدبّر على أصول النقابة وصندوق معاشات المهندسين، والشركة تقول إن إجراءاتها قانونية ومعتمدة من الجهات الرقابية، وبينهما وقع المهندسون في مواجهة غير متكافئة أمام شريك أجنبي يملك خبرة وموارد أكبر.
وبينما كانت هذه السطور تُكتب، انقلب المشهد مرة أخرى. ففي العشرين من يوليو 2026، أعلن النقيب محمد عبد الغني ما وصفه بانتصار كبير: حصة النقابة باقية عند 30% دون انتقاص، لا بحكم قضائي ولا بتسوية، بل لأن الوقت نفسه تدخّل. فقرار الترخيص بزيادة رأس المال صدر في 17 يوليو 2023، والقانون يوجب تنفيذ الزيادة خلال ثلاث سنوات، وإلا سقط القرار، وقد انقضت المدة دون استكمال الإجراءات.
هكذا يقول النقيب. ولكن لم تصدر عن شركة جوتن، حتى اللحظة، رواية تؤكد هذا التفسير أو تنفيه، كما أن الدعاوى المتبادلة أمام المحكمة الاقتصادية والقضاء الإداري لم تُحسم بعد. أي أن ما بين أيدينا هو رواية طرفٍ واحد عن نهايةٍ لم تُختبر قضائيًا، لا وثيقة تُغلق الملف.
لكن الصورة ليست سوداء بالكامل، فالنقابة لا تزال تملك أوراقًا قوية، منها قرار لجنة التظلمات بالهيئة العامة للاستثمار الذي ألغى الزيادة في فبراير/شباط 2024 وإن كان قد طُعن عليه لاحقًا أمام القضاء الإداري وما زال الطعن منظورًا - وأحكام تلزم الشركة برد مئات الملايين من الإتاوة، كما أن هناك احتمالية لتحول موقف الحكومة المصرية إلى رعاية تفاوض أكثر عدلًا، يُلزم الشريك الأجنبي إما بالعودة للشراكة مع توزيع عادل للأرباح، أو الخروج بتعويض يوازي القيمة الحقيقية للحصة لا قيمتها بعد التذويب.
هكذا لم تُحسم المعركة بحكمٍ قاطع ولا بتسوية، بل بمرور الوقت وحده؛ ثلاث سنوات مضت فسقط القرار. مكسبٌ حقيقي، ولكن السؤال القديم يبقى معلّقًا: أين أرباح أربعين عامًا؟ وما الذي يمنع أن تبدأ الحكاية من أولها في جمعية عمومية قادمة؟
ويبقى الخطر الأكبر أن تطول المعركة وتظل الجبهات والانقسامات الداخلية منشغلة بخلافاتها، والثمن يدفعه في النهاية صندوق معاشات المهندسين، فإنقاذ ما تبقى يمكن تحقيقه، لكنه يحتاج صفًا واحدًا داخل النقابة وتنسيقًا صادقًا مع كل الجهات بعيدًا عن تصفية الحسابات.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
