تصميم أحمد بلال، المنصة، 2026
مصر التي في قاع الهامور.

قاع الهامور.. غرقنا في المجاز يا عمو سامي

منشور الثلاثاء 25 آب/أغسطس 2026

لترند السوشيال ميديا دورةُ حياة شبه ثابتة؛ يبدأ غريبًا، ثم تتسع دوائره حتى تسيطر على الساحة، قبل أن يخفت إما على يدِ ترندٍ جديدٍ يدخل فترة اتِّساعه، أو بتدخل وزارة الداخلية.

حدث ذلك في قاع الهامور الذي هيمن خلال اليومين الماضيين على فيسبوك، حيث تفاعل مئات الآلاف من رواد منصة السوشيال ميديا الأقدم "بتاعت العواجيز"، على جروب شكاوى قاع الهامور، الذي تنتمي واحدةٌ من القائمين عليه لجيل ألفا.

ميمز ساخرة بالآلاف وأخرى تسأل عن السر ورائها، وصل أمرها إلى "الجهات المعنية" التي أخبرتنا تقارير إعلامية بأنها بدأت البحث في أسراره، لينتهي الأمر بالأدمن إلى تعليق نشاط الجروب شهرين. بالتوازي؛ طفقت التحليلات والنظريات تفسّر أسباب انتشار جروب هزلي يحمل الاسم العربي لمدينة Bikini Bottom التي يسكنها سبونج بوب؛ الشخصية الكارتونية بطل مسلسل SpongeBob SquarePants الذي ترك منذ موسمه الأول عام 1999 أثرًا في الأجيال التي تزامنت طفولتها مع مطلع الألفية الجديدة.

بالنسبة لكثيرين، شكَّل الحماس المليوني للمشاركة الجماعية في اللعبة الافتراضية الساخرة، ثم سرعة استجابة تلك "الجهات المعنية" التي لا نعرفها على وجه اليقين، سؤالًا يستحق استدعاء أحاديث المؤامرات، لدرجة اتهام المشاركين في الجروب بالإرهاب والانتماء للإخوان.

لكن هل يُعزز النظر إلى السياق العام هذه المخاوف؟


أهمية السياق

تعكس طبيعة المشاركات في الجروب بشكل أساسي رغبةَ مقاومة الواقع المأزوم والمنعكس بشكل أساسي على صفحات فيسبوك. فعلى مدار الأسبوعين الماضيين، تراكمت جرائم العنف والقتل، واختلط فيها الرأي بالحقيقة، وارتفعت الأصوات المعادية للنساء لدرجة قبول قتلهن خارج إطار القانون بدعاوى "الشرف" و"إبراء الضمير"، وتقاطعت مع حوادث الطرق التي استنزفت العشرات من حيوات عمَّال وعاملات اليومية. 

وجد الجميع متنفسًا في قاع الهامور، فكثيرًا ما تظهر السخرية حين يشعر فيها المصري بمحدودية قدرته على التأثير في محيطه. وفي اللحظات التي لا يستطيع الإنسان تغيير الأحداث يلجأ لتغيير طريقة رؤيته لها، أو ما تُطلق عليه الأدبيات النفسية إعادة التقييم أو التأطير المعرفي/cognitive reappraisal، وتربط استخدام الفكاهة بالقدرة على إعادة تأطير الأحداث السلبية والنظر إليها من زاوية أقل تهديدًا.

ما فعله أعضاء الجروب هو الغطس في قاع الهامور ليعيدوا تمثيل حياتهم بطريقة كوميدية تجعلهم قادرين على تقبلها والتعامل معها، أو ما يمكن وصفه بتغيير موقعهم منها. المشكلة لم تختفِ، لكن أصبح ممكنًا النظر إليها من بعيدٍ والضحك عليها.

المصريُّ خبيرٌ في ذلك. ينجح في استخدام الكوميديا والنكتة في مثل هذه الأوقات. والسوشيال ميديا مليئة بالميمز التي تعبر عن الغضب من الدولة في أكثر الأوقات عصيبة، مثال ذلك الميمز التي صاحبت فترة الإغلاق في 2020 بسبب كورونا، أو التي تزامنت مع تخفيف الأحمال عام 2023. ولا ننسى أغنية "عمو سامي" التي انتشرت قبل سنوات في إطار ترفيهي بحت. 

عالم ما بعد الكارثة

اختار الشباب بوعي أو بدونه مدينةً خياليةً تقع في قاع المحيط الهادئ، أسفل الموقع الحقيقي لجزيرة أتول بيكيني المرجانية ضمن أرخبيل مارشال، حيث أجرت الولايات المتحدة 67 تجربة نووية بين عامي 1946 و1958.

عندما ندقق في هذا الاختيار نجد أننا في القاع، ما بعد الكارثة النووية. هنا تتعدد الدلالات فالقاع موقع اجتماعي واقتصادي ونفسي وصل إليه الجميع واستقروا فيه. كما أنه معزول عن العالم في أعماق المحيط، بما تحمله تلك العُزلة من رفض وتمرد. بينما يأتي ربط المكان بكارثة حقيقية ليحمل معنى قد يتضمن محاولة نجاة فيما بعد الكارثة، التي تبدو غير منطقية.

في قاع الهامور كما في الواقع يظل مسموحًا للمواطن فقط بأن يشكو من المشكلة لا أن يسأل عن سبب وجودها

مثل هذه المدينة الخيالية لا تخضع لأي منطق. تشتعل النيران في قلب المحيط، حيث تظهر شكاوى السكان التي بدأت بغلاء الأسعار. هم لا يخضعون لقوانين المدينة ولا ينجرفون مع خيالها وإنما يستنسخون مشاكلهم من الواقع إلى هذا العالم الكرتوني. 

تتواتر الشكاوى في الجروب الذي اجتذب مليونًا و800 ألف شخص بعد عشرة أيام من إنشائه؛ أصبحوا مواطنين في المدينة الخيالية التي تعاني -كما القاهرة- من مشكلات انقطاع الكهرباء وغلاء الأسعار. وفيها أيضًا، تنعكس مشكلات مجتمعية يناقشها الفيسبوكيون الحقيقيون على حساباتهم الحقيقية يوميًا حول الزواج والطلاق والعلاقات العاطفية. 

غواية الشكوى 

باتت السوشيال ميديا مؤخرًا مساحةً مفتوحةً على مصراعيها لاستقبال الشكاوى؛ بدايةً من العلاقات الأسرية ونهاية بالجرائم الجنائية، مرورًا بالمشكلات اليومية للمواطنين في علاقتهم مع الدولة، في تعويضٍ لغياب باب الشكاوى في الصحف والمواقع المصرية. وخلال أكثر من واقعة، أثبتت السوشيال ميديا قوتها الفتاكة في حل الكثير من المشكلات.

تشجع الحكومة الشكاوى الفردية، وأتاحت آلية فعالة بدرجة ما؛ وهي منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة، التي تتلقى نحو 229 ألف شكوى شهريًا، فيما يبدو وكأنه بديلٌ آمنٌ منزوعُ السياسة للنشاط المعارض. باب الشكوى مفتوح من ارتفاع الأسعار، لكنه مغلق بالضبة والمفتاح أمام مساءلة القرارات الاقتصادية التي تؤدي لهذا الارتفاع.

يُحوّل مسارُ الشكوى الاعتراضَ من فعلٍ سياسيٍّ محتملٍ إلى مطلب مصلحي أو إداري يمكن التعامل معه. فشَرْطَا المعارضة في الجمهورية الجديدة واضحان؛ الأول "أن تكون بهدف تحسين أوضاع الناس وثانيهما أن يكون المتكلم مُلمًا بما يقول". 

فالشكوى إذًا هي كلمة السر التي جذبت مئات الآلاف إلى جروب فيسبوك. الشكوى داخل الجروب التي لا يبحث صاحبها عن حل بقدر ما يبحث عن شبيه أو جماعة، وتعكس الرغبة في إثبات الوجود والمشاركة في الشعور بأننا جميعًا نواجه المشكلات نفسها التي بدون حلول.

كما أنها تعكس حالةً من اليأس في ظل الشكاوى التي يتداولونها ولا تجد آذانًا صاغية. شكاوى تبدو وكأنها في عالم خيالي لا يراه ولا يسمع عنه أحد فهو مدفون هناك في أعماق المحيط، حيث لا سلطة إلا لـ سلطعون؛ الشخصية التي تمتلك المطعم في المدينة ويمثل الرأسمالية بجشعها الفج، الذي لا يفكر سوى في المال.

ها نحن جميعًا هنا في القاع لا أحد قادر على الفرار، إذًا فلنستمتع به كما يفعل سبونج بوب، الشخصية التي تبدو وكأنها المصري في طوره الحالي؛ إسفنجة قادرة على امتصاص الصدمات المتتالية، مع تدهور كل أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية. 

تحت نظر الأجهزة المعنية

ميمز ساخر يكشف عن وعي المشاركين بالرقابة المفروضة من وزارة الداخلية على السوشيال ميديا

مع وضع الأجهزة المعنية الجروب تحت الفحص؛ اضطر الأدمن إلى الخروج للتأكيد على أن هدفه السخرية الخالية من أي سياسة، مشيرًا إلى إعلانهم عدة مرات الامتناع عن نشر أي بوستات تتعلق بالرئيس أو أجهزة الدولة. 

أحد أعضاء الجروب -في إطار تمثيل الواقع- أنشأ صفحة باسم وزارة داخلية قاع الهامور، لمنشنتها في المشكلات التي تستدعي تدخل الشرطة، مثلما بات يحدث باستمرار في حياتنا الحقيقية مع ازدياد حضور الوزارة على السوشيال ميديا، حتى أصبحت تتعامل مع أي ترند يخرج إلى النور خلال ساعات من انتشاره، لتلقي القبض على أبطال الحدث وتنشر صورهم بعد تغبيش وجوههم، مقترنًا بتفسيرها للواقعة والتأكيد على ضبط مرتكبيها. مع الوقت، تحول طلب منشن وزارة الداخلية إلى سخرية مبطنة من إحكام السيطرة والترهيب. 

هذه الصفحة أغلقت حسب ما نشرت القاهرة 24، فيما تظهر صفحة بنفس الاسم وإن لم تأخذ نفس الانتشار. 

يحاول القائمون على الجروب نفي اتهامات ارتباطهم بالإخوان أو أي جماعة إرهابية، وهي التهم الجاهزة التي يواجهها من يقع تحت يد الأجهزة الأمنية وغيرها من الأجهزة المعنية، التي تحركها دوافع خوف حقيقي مزروع في عقلية الدولة منذ يناير 2011. ومع هذه المخاوف، لا يبدو أن الدولة ستقف مكتوفة الأيدي تتابع تجمعًا شعبيًا في قاع الهامور، لتستيقظ على انفجار كبير يطفو بالقاع على السطح، وحينها قد تحتاج إلى انفجار نووي جديد لإغراقه مرة أخرى.

لا تدرك الدولة القلقة وأجهزتها "المفتحة" أنها في مواجهة شعب استطاع التأقلم مع أوضاعه ورسم الابتسامة على وجهه الإسفنجي كما سبونج بوب، وأنّ بالَه ليس مشغولًا إلا بمحاولة تحسين أحواله في القاع، وأن يعطف عليه سلطعون ويمنحه بعض المال من أجل أن يقضي أيامه في سلام. 

لأنه في قاع الهامور، كما في الواقع، يظل مسموحًا للمواطن فقط أن يشكو من المشكلة، لا أن يسأل عن سبب وجودها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.