تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
مسلسلات الجاسوسية في مصر مجدت بطولة أنور السادات

دموع في عيون وقحة.. الوطنية كما يراها صالح مرسي ويحيى العلمي

منشور الأربعاء 9 أيلول/سبتمبر 2026

في الحلقة العاشرة من مسلسل دموع في عيون وقحة، يرتاب مصطفى الشوان/محمود الجندي في أخيه جمعة الشوان/عادل إمام ويشك أنه يعمل جاسوسًا لإسرائيل. فيذهب لمقر المخابرات العامة للإبلاغ عنه رغم نقمته على النظام وظنه أنه لن يحارب أو يحرر الأرض. والأهم، إدراكه أن فعلته قد تقود أخاه لحبل المشنقة. لكن مصر أهم من كل شيء وأي شخص، حتى وإن كان أخوه الأكبر الذي رباه وأصبح أباه.

تداولنا خلال النصف الثاني من عام 2013 خبرًا عن أمٍّ أبلغت الأمن الوطني عن انتماء ابنها لجماعة الإخوان المسلمين، ولم نعلم مدى صحته من زيفه، مثل الكثير من الأخبار والشائعات الأخرى التي راجت وقتها. كانت فترة استقطاب قصوى، وضجيج مستمر عن تعرض الوطن لأكبر مؤامرة في تاريخه، تعرضه لمخاطر أكبر من أيام الحروب مع إسرائيل، التي شكلت خلفية فعل مصطفى الشوان. ولذلك وقتها صفق كثيرون لهذه الأم التي لم نعرف اسمها، اعتبروها بطلة، امرأة وطنية، تضحي بابنها من أجل مصر.

مصر المجردة

لقطة من مسلسل دموع في عيون وقحة إخراج يحيى العلمي إنتاج 1980

يقابل مصطفى في مقر المخابرات العامة الريس زكريا/صلاح قابيل، الضابط المسؤول عن مهمة جمعة الشوان، الذي يتمكّن بمهارته من طمأنة مصطفى بأن أخاه ليس جاسوسًا، دون الكشف عن الدور الوطني العظيم الذي يلعبه جمعة لصالح المخابرات المصرية. وبعد أن يغادر مصطفى المكان مطمئنًا، يتباهى الريس زكريا أمام زميله بما فعله الأخ، ويذكره بجوهر مصر، بغموض: ما هي دي مصر.. هي دي مصر.

مصر شيء كبير في كتابات صالح مرسي التي تتناول الجاسوسية. لها هيبة، تحتاجنا، تحمينا، تدفع مصاريفنا، وربما تعاقبنا. فيُستدعى اسم مصر دائمًا على ألسنة ضباط المخابرات، ويصبح أحد مفرداتهم المتكررة. تتمثل في أشياء ملموسة في فيلمه الصعود إلى الهاوية (1978)، إخراج كمال الشيخ، ما نراه من نافذة الطائرة في المشهد الأخير ويشرحه ضابط المخابرات للبطلة الخائنة المرعوبة: ده الهرم.. وده النيل.. هي دي مصر يا عبلة.

لكنها في دموع في عيون وقحة، ولاحقًا في مسلسل رأفت الهجان، وكلاهما كتبه صالح مرسي وأخرجه يحيى العلمي، تتجرد وإن حضرت في العلاقة التي تربط بين البطل والضابط. تصبح هذا الشيء الذي يحتاج الجاسوس "بشكل مخيف" في المسلسل الأول. وتصبح أمانة في يد أحدهما، الضابط أو الجاسوس في المسلسل الثاني. ليتداولوها بينهم، فينقل الضابط الأمانة لرأفت الهجان أحيانًا؛ "مصر أمانة بين إيديك يا رأفت". وبعد "وأنا رقبتي سدَّادة"؛ يعيد رأفت الأمانة أحيانًا إلى السيد محسن ممتاز وزملائه وخلفائه في المخابرات.

مصر، ورغم أنها مجردة، ولم تعد ملموسة كالنيل والهرم؛ فاعلةٌ ودافعةٌ للفواتير. فبناء على كلمات الريس زكريا، دفعت مصر تكاليف جراحة إعادة بصر فاطمة/معالي زايد، زوجة وحبيبة وابنة خالة جمعة الشوان. ودفعت قبلها ثمن ساعة يده التي باعها حين جاع في اليونان. وتوفر له السكر في عز أزمة التموين ليشرب شاي الخمسينة كما يحبه.

الحضور المجرد والملموس في الوقت نفسه لمصر ضروري لتشكيل هذه الروح الأخلاقية والوطنية التي تدفع مصطفى للوشاية بأخيه. لكنها تصطدم في أكثر مشاهد المسلسل صدقًا وواقعية بصدمة جمعة الشوان حين يعلم أن أخاه شك فيه وذهب للإبلاغ عنه.

صحيح أنه عمل وطني، وصحيح أنه قال للريس زكريا عدة مرات أن مصر إذا طلبت منه أن "يحط رقبته تحت التروماي" سيفعل، وما ينطبق عليه ينطبق على أخيه، لكنه لا يستسيغ فعلة أخيه، يراها خيانة له ولتضحياته من أجله. يصفعه في المنزل، لكنه يسامحه فورًا لأسباب وطنية، قبل أن تكون لأسباب درامية وضرورة استمرار المسلسل لأربع حلقات تالية.

مصر الفهلوية

تبدأ تِترات هذه الأعمال لصالح مرسي بالإشارة إلى أنها من ملفات المخابرات المصرية. مما يكسبها مصداقية نتمناها كجمهور مشاهدين، رغم أننا لم نطلع على تلك الملفات، ولا نعرف ما أضافه الخيال والمبالغات عليها. في كل الحالات، ضباط المخابرات في المسلسلين لا يمثلون فقط الجهاز الذي تُفتح ملفاته، بل يمثلون مصر، وأعلى مستوى من السلطة السياسية؛ رمز الوطن رئيس الجمهورية. وهم مثله لا يكلون ولا يتعبون. وإن كان الظرف السياسي السائد وقت إنتاج المسلسل يحدد طبيعة حضور رأس السلطة.

عُرض دموع في عيون وقحة صيف 1980، في نهايات عهد السادات. وتدور أحداثه خلال أعوام ستة. يبدأ يوم الهزيمة 5 يونيو 1967، ويمتد لما بعد حرب أكتوبر. وعملية جمعة الأهم؛ الحصول على جهاز الإرسال الدقيق الذي تملكه إسرائيل تحدث في عهد السادات، وبعد الانتصار في الحرب. وكأنها رسالة بأن المعركة مستمرة على الرغم من الصلح الساداتي الذي سبق إنتاج المسلسل. وكأنهم يقولون لنا، بفهلوة شخصياته نفسها، وفهلوة وتذاكي السادات: كامب ديفيد لا تعني النوم، اطمأنوا.

كانت حملة تشويه عبد الناصر قد هدأت أيامها، ولم تكن تعني مبارك بالسلب أو بالإيجاب

لا تتوقف الدلالات عند هذا الحد، ففاطمة زوجة جمعة الشوان تفقد بصرها في بداية المسلسل يوم 5 يونيو 1967. وجراحة إعادة البصر تحدث يوم 6 أكتوبر 1973، فيما تعبر مصر القناة وتنتصر. وقبل عهد السادات، يوم ذهبَ جمعة للاعتراف بأنه كاد يقع في شبكة تجسس إسرائيلية، يتركه الريس زكريا في مكتبه ليكتب كل شيء. يتطلع الشوان لصورة عبد الناصر المعلقة في المكتب، يخاف من الصورة، يؤكد لها أنه قال كل شيء، وبطريقة عادل إمام الساخرة يخاطب عبد الناصر "ده أنا بحلم بيك".

في نهايات السبعينيات، وقت إنتاج دموع في عيون وقحة، كان لا بد من نسبة أي انتصار، ولو درامي، للسادات، فيما يُنسب الخوف لعبد الناصر. لكن الكاتب والمخرج يغيران موقعهما في نهايات الثمانينيات، حين يقدمان رأفت الهجان في ربيع 1988، بمناسبة عيد تحرير سيناء الذي كان مبارك ينسبه لنفسه لمجرد صدفة تنفيذ آخر مراحل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء بعد شهور قليلة من استلامه السلطة.

كانت حملة تشويه عبد الناصر قد هدأت أيامها، ولم تكن تعني مبارك بالسلب أو بالإيجاب. فيعود عبد الناصر في رأفت الهجان لتمتزج صورته بصورة مصر، المجردة والملموسة، كرئيس وطني مهيب، وأب حامٍ بديل عن الأب الذي فقده رأفت الهجان مبكرًا، ويدخل هو ورجال المخابرات فترة حداد طويلة بعد موته. لكنه حداد لا يمنعهم من استكمال مسيرته.

السادات خارجًا من مقر إقامته "دوجوود" وخلفه أسامة الباز وحسن التهامي- كامب ديفيد بلوج، سبتمبر 1978

للبطل المغامر من نوعية جمعة الشوان أو رأفت الهجان سمات أساسية بناء على كتالوج الوطنية عند صالح مرسي ويحيى العلمي. لا بد وأن يكون "فهلوي"، "صايع"، ابن بلد وجدع وشهم، وبمجرد أن يُذكر اسم مصر، رغم انحرافه واهتمامه بأموره الشخصية قبل الانخراط في المهمة الوطنية، يقشعر بدنه، وتدمع عيناه، ويتحول لمحب رومانسي ومرشح ليكون بطلًا.

من ضمن سماته كذلك أن كل النساء تحبه ولا تستطيع مقاومته أبدًا. فالصديقة الأقرب لرأفت الهجان في إسرائيل، تقدمه لمن ستصبح زوجته بأنه معشوق كل النساء. ورحلة جمعة الشوان في أحد جوانبها قصة غزو جنسي لغير المصريات. والشوان بفهلوته لا يخدع فقط جهاز الموساد، بل ينال أيضًا حب جوجو/مشيرة إسماعيل الحقيقي والصادق.

ولأن جوجو تحبه فعلًا، ولأنه فهلوي يعمل لصالح جهاز مخابرات متمكن من كل شيء، ولأن الحق يقف إلى جانبنا، ينال مفاجأة في الحلقة الأخيرة، وننال نحن الشعور بانتصار إضافي؛ اكتشاف أن جوجو، التي تعمل مع الموساد أحيانًا، ومدمنة المخدرات أحيانًا أخرى، والمجندة في الجيش الإسرائيلي عند الضرورة، لها وجه رابع؛ تعمل لصالح المخابرات المصرية، وتوصل رسالة الريس زكريا لجمعة داخل إسرائيل، لتقويته قبل أن يجلس أمام جهاز كشف الكذب.

مصر الصامتون والوشاة

غاب السؤال عن دوافع أخرى محتملة لتلك الأم التي أبلغت عن ابنها، المشار إليها في بداية المقال. ربما الكراهية والعداء بينهما ورغبة في الانتقام لسبب ما. ربما معاناتها من خلل عقلي أو نفسي. وربما الانسحاق أمام سلطة طرف آخر لا نعرفه. بقي فقط الدافع الوطني، مثلما بقيت صورة مصطفى الشوان الواشي بأخيه كوطني أصيل ومعبر عن روح مصر الحقيقية، في حين أنه في الأصل نصاب ومهرب وبلطجي.

تغيرت الأحوال بالتزامن مع قصة الأم الواشية بابنها. لم تعد هناك دولة احتلال عدوة في نظر السلطة مطلوب الانتباه إليها، لينصب الاهتمام على من يتم تصويرهم كأعداء داخليين. ولأن جمعة ورأفت ليسا أكثر ذكاء من الضباط الذين أداروا مهمتيهما؛ أصبحت الموضة أن ينال الضابط نفسه دور البطولة، يقوم بالعمل المباشر، ليتحول العميل الذي يزرعه لكومبارس، وغالبًا في عمليات داخلية ضد داعش، أو ضد الإخوان، أو ضد معارضين سلميين كتبوا آراء تراها السلطة غير مناسبة، أو ضد فتاة تيك توك بملابس منفلتة، أبلغ عنها مواطن واشٍ لتهديدها أمن مصر الأخلاقي.

تتحول دلالات الوطنية الفردية والجماعية بدورها. ليصبح دور المواطن الفرد الوشاية، بالابن أو بالجار أو بعابر سبيل. ويتكرس دليل وطنية الجماعة كجماعة، كما تتصور السلطة السياسية، في أن يصمت الشعب تمامًا. ألا يطالب بتفسيرات أو تبريرات أو توضيح لسياسات من أصحاب السلطة. فقط السمع والطاعة والثقة العمياء في السيد محسن ممتاز والريس زكريا، ومن يرأسهما.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.