تصميم سيف الدين أحمد، المنصة،2026
إنهاء الجدل حول استخدام أصول هيئة قناة السويس في سداد الديون يكشف عمق أزمة الدين العام.

أزمة الديون.. الذين اقترضوا ولن يسددوا والذين سددوا ولم يقترضوا

منشور الثلاثاء 8 أيلول/سبتمبر 2026

فجأة، وجدت مصر نفسها تناقش سؤالًا، كان يبدو حتى وقت قريب، أقرب إلى المستحيل: هل يمكن استخدام أصول الدولة في تسوية ديونها؟

لم تكن المشكلة في السؤال وحده، وإنما في الاسم الذي التصق به "المقايضة الكبرى"، ثم في دخول قناة السويس إلى النقاش، باعتبارها إحدى أدوات الخلاص من أزمة الديون.

الحكومة سارعت إلى نفي أي توجه لمقايضة القناة أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات، وأكدت أن ما طرحه حسن هيكل يمثل رؤية شخصية وليس سياسة حكومية. وبعد أيام، عاد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ليؤكد أن قناة السويس لا يمكن أن تُمس، وأوضح أن هيكل عضو سابق في لجنة استشارية اقتصادية وليس مستشارًا لرئيس الوزراء.

حسنًا، هيكل ليس له صفة حكومية، اقتراحه لا يمثل الدولة، ولا نية لاستخدام قناة السويس في حل أزمة الديون، هذه إجابة كافية ووافية من الحكومة، لكنها لم تجب بعد عن السؤال الأهم الذي كان السبب أصلًا في طرح هذا المقترح: ماذا سنفعل في أزمة الديون؟

في مشروع موازنة العام المالي 2026/2027، قدرت وزارة المالية مدفوعات فوائد الدين بنحو 2.4 تريليون جنيه. أي أن بند الفوائد وحده يقترب من ربع ميزانية الدولة، ويمثل نحو 46.7% من المصروفات العامة المقدرة في مشروع الموازنة.

خلال أول 11 شهرًا من العام المالي 2025/2026، بلغت مدفوعات الفوائد بالفعل نحو 2.118 تريليون جنيه، مقابل 1.764 تريليون خلال الفترة المقابلة من العام السابق.

هذه ليست مشكلة صغيرة يمكن التعامل معها بإجراء محاسبي هنا أو بيع أصل هناك، هذه مشكلة أصبحت تلتهم مساحة متزايدة من الموازنة.

المقايضة الكبرى

طَرَح حسن هيكل فكرة تبدو، للوهلة الأولى، شديدة الإغراء: إذا كانت الدولة تملك أصولًا ضخمة، وإذا كانت الموازنة العامة مثقلة بأعباء خدمة الدين، فلماذا لا تنقل بعض هذه الأصول إلى البنك المركزي، وفي المقابل تنقل إليه ما يعادل قيمتها من مديونية وزارة المالية؟

الفكرة، كما شرحها صاحبها، تستند إلى ما جرى مؤخرًا في تسوية مديونيات ماسبيرو. الدولة نقلت أصولًا غير مستغلة إلى بنك الاستثمار القومي، في إطار تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام، مع معالجة جزء كبير من الفوائد والغرامات. ومن هنا جاءت فكرة نقل التجربة من المقايضة الصغرى إلى المقايضة الكبرى.

لكن هنا تحديدًا تبدأ الأسئلة الصعبة. هل نحن أمام حل لأزمة الديون، أم أمام تغيير في المكان الذي يظهر فيه الدين؟

الحكومة نفسها قالت في ردها إن نقل الأصول والمديونيات بين جهات الدولة لا يؤدي، في حد ذاته، إلى خفض الالتزامات على مستوى الدولة ككل. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأنها تعيد النقاش من عالم الشعارات إلى الحسابات.

الدولة لا تحتاج فقط إلى معرفة كيف تسدد ديونها اليوم، وإنما كيف تمنع الدين من التهام قدرتها على الإنفاق

لنفترض أن الحكومة مدينة بمائة جنيه للبنك المركزي، وأن لديها أصلًا قيمته مائة جنيه. نقلت الأصل إلى البنك المركزي، ونقلت الدين إليه أيضًا.

هل اختفى الدين؟ لا. هل أصبحت الدولة أغنى؟ لا. هل انخفضت تكلفة الدين تلقائيًا؟ هذا هو السؤال الذي يحتاج إلى إجابة دقيقة، وليس مجرد تغيير في دفاتر الحسابات.

لكن في المقابل، سيكون من السهل جدًا رفض الفكرة بالكامل لمجرد أنها أثارت مخاوف حول قناة السويس. وهذا أيضًا ليس نقاشًا اقتصاديًا جادًا. لأن هيكل يلفت النظر إلى مشكلة حقيقية جدًا: الموازنة المصرية مخنوقة بخدمة الدين. وهنا بيت القصيد.

الدولة لا تحتاج فقط إلى معرفة كيف تسدد ديونها اليوم، وإنما كيف تمنع الدين من التهام قدرتها على الإنفاق غدًا. لأنك تستطيع بيع أصلًا اليوم وتسدد به جزءًا من الدين، لكنك إذا استمررت في الاقتراض بالمعدل نفسه، ستجد نفسك بعد سنوات أمام السؤال نفسه، ولكن بأصول أقل، ثم بلا أصول على الإطلاق.

وهذه هي المشكلة التي تجعل النقاش حول بيع الأصول أو مقايضتها ناقصًا إذا لم يصحبه سؤال آخر: لماذا نحتاج أصلًا إلى كل هذا الاقتراض؟

لماذا اقترضنا؟

خلال السنوات الماضية، توسعت الحكومة في الاقتراض بالتوازي مع توسع غير مسبوق في الاستثمار العام والمشروعات القومية الكبرى. صندوق النقد نفسه أشار إلى أن نموذج النمو الذي اتبعته مصر خلال العقد الأخير اعتمد بدرجة كبيرة على مشروعات الاستثمار العام واسعة النطاق، وأن استمرار الإنفاق على المشروعات العملاقة ساهم في زيادة الضغوط على الموارد وعلى النقد الأجنبي.

والمشكلة ليست في أن الدولة اقترضت. الاقتراض في حد ذاته ليس خطيئة اقتصادية، والدول تقترض لتمويل مشروعات وبنية أساسية واستثمارات تحتاج سنوات حتى تحقق عائدها. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاقتراض من أداة لتمويل الاستثمار إلى طريقة سهلة لتمويل التوسع في الإنفاق. وهنا تكمن المشكلة التي لا يمكن اختزالها في رقم الدين وحده. فليس كل جنيه جرى اقتراضه متساويًا.

الدولة تستطيع أن تقترض بسهولة، لكن القرض لا يأتي وحده. يأتي معه موعد استحقاق، وفائدة، ومخاطر سعر صرف

هناك قرض يمول مشروعًا ينتج دولارات أو يزيد الصادرات أو يوفر إيرادًا مستدامًا، وقرض يمول مشروعًا ضروريًا اجتماعيًا، وقرض ثالث يذهب إلى مشروع عائده الاقتصادي ضعيف أو بعيد المدى، بينما تبدأ الدولة في دفع فوائده فورًا.

وربما كان هذا هو الجانب المهم الغائب عن النقاش العام طوال سنوات: لم يكن السؤال دائمًا هل نستطيع أن نقترض؟ رغم أن الصيغة الأكثر أهمية هي: هل المشروع الذي نقترض من أجله قادر على دفع ثمن القرض؟

الدولة تستطيع أن تقترض بسهولة، لكن القرض لا يأتي وحده. يأتي معه موعد استحقاق، وفوائد، ومخاطر سعر صرف، وحاجة إلى جدولة الدين حين يحين موعد سداده. والأرقام توضح حجم المشكلة.

بحسب بيانات صندوق النقد، بلغ دين قطاع الموازنة نحو 319 مليار دولار بنهاية السنة المالية 2024/2025، منها نحو 238 مليار دولار ديون محلية، و81 مليار دولار ديون خارجية. وفي السنة المالية 2025/2026 يُتوقع أن تصل خدمة الدين وفق المعدلات الحالية نحو 193 مليار دولار.

صحيح أن نسبة الدين إلى الناتج بدأت في الانخفاض، وهذا تطور مهم، لكن صندوق النقد نفسه يحذر في الوقت ذاته من أن عبء خدمة الدين لا يزال ثقيلًا للغاية، وأن احتياجات إعادة التمويل والاقتراض الإجمالية ما زالت تمثل نقطة ضعف أساسية.

القرض في لحظة الحصول عليه يبدو حلًا، لكن بعد سنوات، يتحول مجموع القروض إلى فاتورة ثابتة تنافس الدولة على مواردها كل عام.

وهذا بالضبط ما نراه حاليًا: دولة يمكنها أن تحقق فائضًا أوليًا، أي أن إيراداتها تتجاوز مصروفاتها قبل دفع فوائد الدين، ومع ذلك تظل فوائد الدين نفسها تبتلع جزءًا هائلًا من إيراداتها.

وهنا يصبح من المشروع أن نسأل، ليس بأثر رجعي فقط ولكن للمستقبل أيضًا: هل كانت كل القروض التي حصلنا عليها هي أفضل استخدام ممكن لقدرتنا على الاقتراض؟

رقم الدين يمكن أن ينخفض ببيع أصل، أو بإعادة جدولة، أو بصفقة استثمارية كبيرة، أما إصلاح الطريقة التي نقرر بها متى ولماذا نقترض، فهو وحده الذي يمنع الرقم من الارتفاع مرة أخرى.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.