من صورة للترفيه إلى أداة للتسويق.. كيف يعيد AI تشكيل ذوقنا؟
تسريحات شعرٍ كثيفة. ملابس فضفاضة بأكتاف عريضة. إضاءة تحاكي استوديوهات التصوير القديمة؛ في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، عادت بنا السوشيال ميديا 40 سنةً إلى الوراء، إذ شارك الآلاف صورهم باستايل ثمانينياتي مصممة بالـAI.
التجربة التي بدأت على ChatGPT سرعانَ ما تحولت إلى ترند أشعلته الصور الأولى التي أغرى الـAI بتجربتها من خلال إتاحة الفلتر على التطبيق، ومن ثم وجدت القابلية للانتشار على السوشيال ميديا، واندمج فيها المستخدمون بدافع الحنين إلى زمن قديم.
لكن ما بدا في لحظتها مجردَ ترند وليد الصدفة أو مواكبة لحدث معين مثل ترند الفراعنة الذي زامن فعاليات افتتاح المتحف الكبير، تكتشف أنه يرتبط زمنيًا بتوقيت آخر، إذ تزامن مع الإعلان عن بدء تعاون استراتيجي بين واحدة من أكبر شركات الموضة وشركة OpenAI المطورة لـChatGPT، وهو ما طرح أسئلة ترتبط بصناعة الموضة وتسويقها، وكيف يتحول الـAI إلى وسيلة لتوجيه الذوق العام؟ وهل يُصبح المستخدم نفسه جزءًا من انتشار الاتجاهات التي يطرحها السوق؟
فتش عن المستفيد
لم تكن عودة الثمانينيات إلى عالم الموضة وليدة ترند 2026، فحسب تقرير نشرته مجلة إسنس الأمريكية المتخصصة في الموضة والثقافة، برزت جماليات الثمانينيات بقوة في عدد من عروض الأزياء منذ عام 2023 على الأقل.
وفي مطلع عام 2026 كشفت دارا الأزياء Tommy Hilfiger وCalvin Klein، المملوكتان لمجموعة PVH العالمية، عن مجموعتي خريف 2026 المستوحيين من أجواء الثمانينات.
اللافت أن هذا التوقيت تزامن مع خطوة أخرى اتخذتها PVH في يناير 2026 بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، حين أعلنت عن تعاون استراتيجي مع OpenAI، يشمل حسب الشركة استخدام تقنيات الـAI في مجالات من بينها تصميم المنتجات، وتحليل البيانات والاتجاهات الناشئة والتسويق والتفاعل مع المستهلك.
مع بدء موسم خريف 2026، تحديدًا في 8 سبتمبر الماضي، أطلقت OpenAI تحديثها للصور في ChatGPT، وظهر ضمن الأمثلة المقترحة استخدام طلب "كيف ستبدو في الثمانينيات؟". سرعان ما انتشرت التجربة بين المشاهير والمستخدمين على السوشيال ميديا، لتتحول من تجربة فردية إلى ترند واسع وقابل للتكرار والمشاركة، بحيث لم يعد المستخدم مجرد متلقٍ للصور الجاهزة، بل أصبح يصنع صورته بنفسه ويشاركها على نطاق واسع.
ورغم أنه لا يوجد إعلان واضح حتى الآن يربط هذا الترند مباشرةً بالتعاون الاستراتيجي الذي أعلنته PVH مع OpenAI، لكن التقاء التوقيتين يلفت الانتباه إلى مساحة جديدة تدخل فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى علاقة شركات الموضة بالمستهلك.
أدخلنا في التجربة
لفهم ما قد تعنيه هذه التجربة بالنسبة لعلاقة المستهلك بالعلامة التجارية، يمكننا الاستعانة بدراسات سابقة حول التجارب الافتراضية. ففي دراسة نُشرت عام 2023 في Journal of Services Marketing، بحث فريقٌ من الباحثين تأثير تقنية التجربة الافتراضية (VTO) في سلوك المستهلكين واتجاهاتهم تجاه العلامات التجارية، من خلال تجارب في مجالي الموضة والجمال.
وجدت الدراسة أن شعور المستهلك بأنه يرى نفسه فعلًا داخل التجربة الافتراضية يدفعه إلى استكشاف المزيد من الأنماط والمظاهر، ويزيد اهتمامه بالعلامة التجارية وتفاعله معها، بما يحسّن نظرته إليها. وتكشف النتائج أن تحويل اختيار المظهر إلى تجربة شخصية يختلف عن مجرد مشاهدة المنتج، إذ يصبح المستهلك أكثر انخراطًا في تجربة العلامة التجارية.
وتذهب دراسة أخرى، نُشرت في Journal of consumer behaviour، عام 2023، أبعد من ذلك؛ إذ بحثت تأثير الواقع المعزز في تجربة تسوق الأزياء، ووجدت أن رؤية المستهلك لنفسه داخل التجربة لا تعزز ارتباطه بالعلامة التجارية فقط، بل تؤثر أيضًا في تصوره عن ذاته باعتبارها قابلة للتغيير، وهو ما يعزز من ارتباطه بالعلامة وزيادة احتمالية عودته إلى موقعها الإلكتروني.
إذا امتلكت تقنيات التجربة الافتراضية عبر الواقع المعزز هذه القدرة على جعل المستهلك يرى نفسه داخل مظهر أو منتج معين، فإن الـAI لا شك يضيف بُعدًا جديدًا إلى هذه التجربة، ويجعل أثر الصورة في تصور الفرد عن نفسه جديرًا بالتوقف عنده.
ماذا تكسب الشركات؟
بإمكان المستهلك تجربة موديلات أو أنماط قد لا يجرؤ على تجربتها في الواقع، وهو ما يقلل من تردده عند الشراء، كما يمكن أن تساعد دقة التجربة الافتراضية في الحد من المرتجعات؛ يعدد شحاتة السيد، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة OSH AI للتكنولوجيا وصناعات الذكاء الاصطناعي، الفوائد التسويقية والتجارية المحتملة لهذه التجارب.
ويوضح لـ المنصة أن تفاعل المستخدمين مع أنماط معينة يمكن أن يوفر أيضًا مؤشرًا مبكرًا على المنتجات التي تحظى باهتمام مرتفع قبل تنفيذ عمليات الإنتاج، بما قد يساعد على تقليل الإنتاج الزائد وما يرتبط به من تكلفة وهدر، وذلك إذا كانت نتائج التجربة الافتراضية دقيقةً بما يكفي للاعتماد عليها.
بدورها ترى الدكتورة رشا حجازي، أستاذة ورئيسة قسم العلاقات العامة والإعلان بالمعهد الدولي العالي للإعلام بأكاديمية الشروق، أن هذا التحول في العملية التسويقية يمكن أن يغير طريقة المنافسة بين العلامات التجارية؛ فالمنافسة لم تعد مرتبطة بجودة الإعلان أو قوة فكرته فقط، إنما بقدرة العلامة على تقديم تجربة شخصية أكثر تخصيصًا، تجعل المستهلك مشاركًا فيها بدل الاكتفاء بمشاهدتها.
وتشير رشا إلى أنه مع تطور هذه التجارب، قد تنتقل العلامات من تقديم رسالة واحدة لجمهور واسع إلى تصميم تجارب مختلفة لكل مستخدم اعتمادًا على تحليل تفاعلاته واهتماماته.
فاصل بين التسلية والتسويق
وفق تحليل الرئيس التنفيذي لـOSH AI، فإن الحد الفاصل بين التجربة الترفيهية والتسويق يرتبط بما يحدث للبيانات بعد انتهاء التفاعل، فإذا تمت معالجة الصورة ثم حُذفت دون استخدامها في أغراض أخرى، تظل التجربة أقرب إلى الترفيه. أما إذا جرى الاحتفاظ بالتفاعلات وربطها بحساب المستخدم، ثم استخدامها لاحقًا في بناء توصيات أو إعلانات موجهة، فقد تصبح التجربة جزءًا من عملية تسويقية.
لكن هذا الاستخدام يحمل من الإشارات عن المستهلك ما لا يمكن تجاهله، فالصورة التي يصنعها المستخدم لنفسه ليست مجرد نتيجة نهائية للتجربة، بل يمكن أن تكون أيضًا معلومة عما يجذبه وما يختاره وما يريد أن يرى نفسه عليه. ومع تكرار هذه التجارب على نطاق واسع، يصبح تفاعل المستخدمين مع الأنماط المختلفة نوعًا من الاستطلاع المستمر للذوق، حتى لو لم يكن المستخدم واعيًا بأنه يشارك في إنتاج هذه البيانات.
قد لا تتوافر أدلة كافية للتأكد من أن الـAI هو من يقف وراء ترند الثمانينيات أو حتى وجّه المستخدمين إليه عمدًا. لكن ما تكشفه التجربة شيء أكثر تعقيدًا؛ أن الأداة تستطيع التقاط اتجاه موجود بالفعل، وتضعه في متناول ملايين المستخدمين، ثم تحول تفاعلهم معه إلى صور ومشاركات وبيانات للسوق يمكن أن تستخدمها.
وبينما يظن المستخدم أنه يستعيد ماضيه بضع دقائق، قد تكون الشركات قد وجدت في هذه الصور طريقة جديدة لمعرفة أي ماضٍ يريد المستهلك أن يراه على نفسه، وأي مظهر يمكن أن يعود معه إلى السوق.