المنصة، صورة مصممة بالذكاء الصناعي claude.ai
خريطة توضيحية للمنطقة البحرية التي ترسمها مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب في بنغازي يوم 20 أكتوبر 2026، وتعترض عليها مصر واليونان.

تصويت بنغازي يعيد رسم بحر ليبيا وتحالفاتها

التقارب المصري التركي أمام اختبار

منشور الخميس 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026

صوّت مجلس النواب الليبي المنعقد في بنغازي، أول أمس، بالإجماع على مذكرة التفاهم البحرية التي وقعتها تركيا عام 2019 مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس. بعد ست سنوات من رفضه التصويت عليها سنة 2020، وقطعه العلاقات السياسية مع أنقرة، عاد المجلس نفسه، الذي يقود معسكر الشرق، وألغى القرارين في جلسة الثلاثاء 20 أكتوبر/تشرين الأول، وصادق على الاتفاق.

جاء ذلك بعد نحو أسبوعين من الإطاحة بعقيلة صالح، الذي أمسك برئاسة المجلس عام 2014، وتولي الصالحين عبد النبي العبيدي، المقرب من خليفة حفتر قائد "الجيش الوطني" الليبي، الرئاسة خلفًا له، وبعد أشهر من اتساع الاتصالات التركية مع شخصيات من معسكر حفتر.

البحر لمن؟

في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 وقّعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية، برئاسة فايز السراج، "مذكرة تفاهم بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط".

جرى التوقيع في إسطنبول بعد لقاء السراج بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وفي خضم حرب طرابلس، حين كانت قوات خليفة حفتر تقاتل للسيطرة على العاصمة. ودخلت المذكرة حيز النفاذ في 8 ديسمبر/كانون الأول 2019، وسجلتها أنقرة لدى الأمم المتحدة.

ترسم المذكرة خطًا بين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري اللذين تطالب بهما تركيا وليبيا شرق المتوسط، أي النطاق البحري الممتد من الساحل بما فيه قاع البحر وما تحته، بما يمنح البلدين حقوق استكشاف الموارد البحرية. 

بانتهاء ولاية حكومة الوفاق في 2021 وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ورثت الأخيرة المذكرة. أما مجلس النواب في الشرق، الذي كان حليفًا لحفتر وخصمًا لحكومة الوفاق، فلم يصادق عليها ورفضها، وظل الوضع على ما هو إلى أن غيّره تصويت بنغازي.

رفض مصري 

تباينت ردود فعل الأطراف الأساسية التي تتماس معها الاتفاقية. رحبت الخارجية التركية بالتصديق، واعتبرت الاتفاق قائمًا على مبادئ القانون الدولي والإنصاف، ويحمي الحقوق والمصالح المشتركة للبلدين، مؤكدة استمرار أنقرة في العمل مع شركائها من أجل الأمن والاستقرار والسلام في حوض المتوسط.

كان اللافت الاتصالان اللذان أجراهما وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. فقد اتصل برئيس حكومة الوحدة الوطنية الدبيبة في طرابلس، وبصدام حفتر، نائب القائد العام في الشرق الذي أمّن له المصادقة، وشكر كليهما على إقرار المذكرة. وقال صدام، بحسب رويترز، إن الاتفاق "أداة يمكن أن تساعد في حماية حقوق ليبيا ومصالحها الاقتصادية في المتوسط".

ردت أثينا فورًا ببيان لوزارة الخارجية قالت فيه إن "هذا التصويت لا يغير من الطبيعة غير القانونية والباطلة والمفتقرة لأي أساس للمذكرة". واعتبرت اليونان أن أنقرة وطرابلس لا تجمعهما سواحل متقابلة أو متجاورة تصلح أساسًا قانونيًا للترسيم، فالخط الذي يربط بين السواحل التركية الجنوبية والسواحل الليبية الشرقية تقع بين شاطئيه جزيرة كريت وجزر يونانية أخرى. وأشعلت اكتشافات الغاز الكبيرة في السنوات الأخيرة مطالبات متنافسة بالمياه في البحر المتوسط، حتى إن أثينا والقاهرة وقعتا عام 2020 اتفاقا لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما.

أما التحرك المصري المعلن فقد اقتصر في اليوم الأول على اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظيره اليوناني، حسب بيان للخارجية المصرية قالت فيه إن الاتصال ركز على "الملف الليبي في ضوء المستجدات الأخيرة"، والاستعدادات للقمة المقبلة لآلية التعاون الثلاثي بين مصر واليونان وقبرص.

 لكن في اليوم التالي للتصويت أعلنت القاهرة رفضها القاطع لتصديق مجلس النواب. وأكدت الخارجية المصرية مجددًا أن المذكرة -التي رفضتها حين صدورها- باطلة بطلانًا مطلقًا ومعدومة الأثر القانوني، وأن التصديق عليها لا يرتب أي آثار قانونية بالنسبة لمصر.

وشدد البيان المصري على أن المذكرة تخالف مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 المتعلقة بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، والتي تعتمد مبادئ العدل والإنصاف، معتبرًا أنها تنطوي على مساس واضح بالحقوق السيادية المصرية في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.

وانضم الاتحاد الأوروبي إلى الاعتراض، إذ أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن "أسفها العميق" لتصديق مجلس النواب الليبي على المذكرة، مؤكدة أنها تمس الحقوق السيادية لثلاث دول، ولا تتوافق مع قانون البحار، وباطلة ولا يترتب عليها أثر قانوني، مجددة تضامن الاتحاد مع اليونان وقبرص.

ما الذي تغير؟

ظل عقيلة صالح قرابة 12 عامًا على رأس المجلس، وكان بالنسبة للقاهرة حليفًا وثيقًا وحائط صد في الشرق ضد النفوذ التركي، وصرح مرارًا ببطلان الاتفاق. لكن هذه الحقبة انتهت في يومين بتحرك برلماني مفاجئ قاده النواب المعارضون لسياساته لإنهاء انفراده بالقرار. فقد وافق 98 نائبًا، في جلسة رسمية عُقدت في بنغازي يوم 5 أكتوبر، على تعديل النظام الداخلي للمجلس بحيث تُحدد ولاية رئيس المجلس ونائبيه بفترة واحدة مدتها 12 شهرًا. وبموجب هذا التعديل اعتبر النواب ولاية صالح منتهية قانونيًا، وفي اليوم التالي انتخبوا الصالحين عبد النبي العبيدي رئيسًا جديدًا.

حاول صالح ومؤيدوه التشكيك في شرعية الإجراءات واعتبروها باطلة دستوريًا، لكن فرض الرئاسة الجديدة سلطتها وضعهم أمام الأمر الواقع. والرئيس الجديد ليس غريبًا عن الملف التركي، فهو نائب عن طبرق، وينتمي إلى قبيلة صالح نفسها، وسبق له أن تولى رئاسة لجنة الصداقة الليبية التركية في البرلمان.

ولم يكن الشرق وحده المستفيد من التغيير. فقد مثّلت إزاحة صالح انتصارًا سياسيًا للدبيبة وتخفيفًا للضغوط عليه، بعد صراع خاضه مع صالح منذ سنوات، خاصة بعد قرار المجلس إنهاء ولاية حكومته في أغسطس/آب 2024. وانعكس ترحيب الدبيبة الضمني بالتغيير في تقاربه مع القيادة البرلمانية الجديدة، الذي تُرجم في المصادقة على المذكرة وإلغاء قرار مقاطعة أنقرة الصادر عام 2020، ما يمنحه هامش مناورة أوسع لترتيب تحالفات جديدة في الشرق الليبي وتجاوز حالة الانسداد السياسي السابقة.

يقول مصدر دبلوماسي مصري مطلع على الملف لـ المنصة  إن "هذا التغير في مواقف برلمان الشرق يعكس بشكل واضح الواقع الجديد لتوازن القوى ما بين الشرق والغرب الليبي"، لكنه يقرأ هذا المسار بوصفه جزءًا من خطة أوسع ضمن مساعي صدام حفتر، الذي يُنظر إليه على أنه وريث والده، لتوسيع دائرة سلطته "هو يبحث بشكل حثيث عن دعم الأمريكان والأتراك بهدف أخذ مساحة أوسع تتيح له التفوق على الدبيبة".

ويضيف المصدر أن "صدام يطمح إلى حكم ليبيا بأكملها وأن يصبح رئيسًا للدولة مستقبلًا، لا أن يكتفي فقط بالبقاء حاكمًا للمنطقة الشرقية".

ثلاث عواصم وورقة واحدة

وتسير تحركات صدام، الابن الأصغر للمشير خليفة حفتر، الذي يشغل حاليًا منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة للجيش الوطني الليبي، في ثلاثة اتجاهات متزامنة. بدأ التقارب مع تركيا قبل التصويت بكثير. ففي أغسطس 2025 زارت "كناليادا" طرابلس ثم بنغازي، في أول مرة تزور فيها سفينة حربية تركية مركزي السلطة الليبيين في جولة واحدة، واستقبل صدام وفدًا من وزارة الدفاع التركية كان على متنها، وقالت الوزارة التركية إن المحادثات جرت تحت شعار "ليبيا واحدة، جيش واحد"، وهو شعار يعكس مدى التحول الذي شهده المعسكر الليبي في الشرق الذي قاوم التدخل التركي لسنوات. ثم جاء لقاء صدام مع فيدان في أنقرة نهاية يوليو/تموز الماضي.

وعلى المسار الأمريكي، التقى صدام في فبراير/شباط 2026، على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا ومعه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، وبحثوا خطوات توحيد الجيش الليبي بين الشرق والغرب، والتحضير لمناورات "فلينتلوك" أكبر تدريب عسكري للقوات الخاصة في إفريقيا، تجريه الولايات المتحدة سنويًا. 

وفي مارس نشرت واشنطن بوست أن شركة "بالارد بارتنرز" إحدى أبرز شركات الضغط السياسي والعلاقات الحكومية في الولايات المتحدة الأمريكية، المرتبطة بشخصيات في إدارة ترامب، وقعت عقدًا بمليوني دولار لتمثيل خليفة وصدام حفتر. وفي يونيو/حزيران استقبله وزير الخارجية ماركو روبيو في واشنطن، وبحثا جهود توحيد المؤسسات الليبية العسكرية والاقتصادية والسياسية.

ومع روسيا تكتمل المعادلة. ففي أغسطس استقبل الرئيس فلاديمير بوتين صدام في الكرملين، بعد يوم من لقائه وزير الدفاع. وتتمركز قوات روسية في قواعد تخضع لسيطرة عائلة حفتر تحت اسم "الفيلق الإفريقي"، وهي ما كانت تعرف سابقا بقوات "فاجنر". ورصد تقرير لوكالة الاستخبارات الجيوفضائية الأمريكية في يونيو نشاطًا متزايدًا في قواعد ليبية يوجد فيها الفيلق. وقلق واشنطن من هذا الوجود هو ما يمنح صدام ورقته. فالإدارة الأمريكية تضغط على الشرق لتقليص اعتماده على الروس، وصدام يقدم نفسه الطرف القادر على ذلك، وكل ما يحتاجه ليكتمل المشهد هو ألا تقف أنقرة ضده.

وتكشف الوساطة الباكستانية عن الإطار الذي يتحرك داخله. ففي يوليو الماضي قال مصدران من حكومتي الشرق والغرب لـ المنصة إن إسلام آباد بدأت وساطة بين المعسكرين، بالتوازي مع جهد أمريكي أوسع. وتتناول الخطة المقترحة مرحلة انتقالية مدتها 36 شهرًا، يبقى فيها الدبيبة رئيسًا للحكومة ويرأس صدام المجلس الرئاسي.

اختبار التقارب المصري التركي

أنقرة ليست الطرف الوحيد الذي يتحدث إلى المعسكرين. فالقاهرة، حليف الشرق التقليدي، فتحت قنواتها مع الغرب أيضا. فقد زار رئيس المخابرات العامة حسن رشاد طرابلس في يونيو والتقى الدبيبة. وبنهاية يوليو استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي الدبيبة في العلمين، واتفقا على تكثيف التشاور، وبحثا التعاون في الكهرباء والطاقة والبنية التحتية. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، استقبل السيسي خليفة حفتر مع نجليه خالد وبلقاسم.

هذا التشابه في التحرك المصري التركي لا يلغي الفارق في الرهانات. التقى عبد العاطي نظيره فيدان في بغداد قبل ثلاثة أيام فقط من التصويت. وقال المتحدث باسم الخارجية إن الوزير شدد في الشأن الليبي على دعم العملية السياسية وإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات الوطنية. لكن بينما كانت أنقرة تتبادل مع القاهرة عبارات دعم توحيد المؤسسات، كانت تمضي في مسارها المنفصل مع معسكر الشرق، وهو ملف ترى القاهرة أنه يمس مباشرة أمنها القومي. ولهذا يُنظر إلى التصويت بوصفه اختبارًا لمتانة التقارب المصري التركي.

غير أن هذا الاختبار يجري داخل شبكة أوسع من الروابط. فمصر وتركيا عضوان في الرباعية الإقليمية "R-4" مع السعودية وباكستان، وهي إطار تنسيق بين وزراء خارجية الدول الأربع. والتقى الوزراء مؤخرًا في نيويورك، ويُنتظر "نظريًا" أن يلتقوا بعد أيام في إسطنبول، ما يرجح، حسب تقدير المصدر، أن تسعى القاهرة وأنقرة إلى احتواء الأزمة، بمعنى التعامل مع الملف الثنائي وما قد يتخلله من اختلافات دون أن يؤثر على تعاونهما الإقليمي، ودون أن تتخلى القاهرة عن تنسيقها مع أثينا ونيقوسيا، رغم الاختلافات الكامنة تحت السطح من ليبيا إلى إثيوبيا.

جاء البيان المصري امتدادًا لهذا المسار، فهو حاسم في رفضه القانوني للمذكرة ولأي إجراءات يستند إليها "أي طرف" لكنه لم يوجه انتقادًا مباشرًا إلى تركيا. ويقول المصدر: "في النهاية التصديق كان قرارًا من أصدقائنا في الشرق ولا يمكن لوم ليبيا عليه". بل يعتقد أن موقف صدام وحساباته الأخيرة لن تؤدي بالضرورة إلى عداوة مع مصر، لكنها تضع العلاقة الثنائية في إطار مختلف، كون نجل حفتر بات يتحرك ويفاوض القوى الإقليمية والدولية "وفقًا لحساباته وطموحاته الشخصية المباشرة".

والأهم أن المعادلة التي حكمت ليبيا منذ سنوات، بشرق تدعمه القاهرة وغرب تدعمه أنقرة، تتآكل الآن.