المبنى الرقمي لنيابات الأسرة بالأقصر. - الصفحة الرسمية للنيابة العامة- فيسبوك

حبر على ورق: النيابة تتجاهل أحكام القضاء في تعيينات موظفيها

منشور الاثنين 27 سبتمبر 2021

 

"مش عارفين إيه أسباب عدم التعيين، رغم إنها وظائف إدارية في النيابة العامة يعني سكرتارية وكتّاب وغيره، مش وظائف ضمن هيكل النيابة العامة". تلخّص هذه العبارة أزمة أكثر من 60 شخصًا حصلوا على أحكام قضائية متتابعة نهائية واجبة النفاذ خلال السنوات الأربع الماضية، بأحقيتهم في التعيين بوظائف إدارية في النيابة العامة على الدرجة الثالثة وفقًا للقرار رقم 1269 الصادر عام 2014، لكن النيابة العامة تتجاهل تلك الأحكام إلى الآن، مما دفع عضو مجلس النواب أحمد البرلسي إلى تقديم طلب إحاطة للمجلس في هذا الشأن. 

ومع موافقة وزارة العدل على تنفيذ تلك الأحكام القضائية، لكن النيابة العامة امتنعت عن ذلك، رغم إرسال أصول الصيغ التنفيذية للأحكام مرفقة بموافقة وزير العدل إلى إدارة النيابات.

القضية تعود إلى ربيع العام 2013، حينما أصدرت النيابة العامة إعلانًا بالمسابقة رقم 1 طلبت فيه موظفين إداريين بقطاعاتها المختلفة. تقدم للإعلان قرابة 60 ألف شخص لشغل وظائف؛ سكرتير جلسة، سكرتير تحقيق، كاتب بالجداول، موظف بقلم الحفظ، واشترط حصول المُتقدم على مؤهل حقوق أو تجارة أو حاسب آلي بتقدير عام جيد، وألا يتجاوز سِنه 30 سنة في يوليو/ تموز 2013، مع إرسال حوالة بريدية بقيمة 30 جنيهًا.

بعد أشهر من التصفية، وقع الاختيار على 800 شخص صدر قرار النائب العام رقم 1269 بتعيينهم في عام 2014؛ لكن المئات من المُتقدمين ممن لم يتم تعيينهم، اعترضوا على طريقة الاختيار باعتبار أن بعض من وقع عليهم اختيار التعيين حاصلين على "تقديرات عامة في السنوات الأربع بالكلية" أقل منهم، وكان هذا هو السبب الذي على أساسه رفع أكثر من 60 شخصًا دعاوى أمام محاكم القضاء الإداري، حكم لصالحهم في جميعها بأحقية التعيين.

شريف . ج، 33 سنة، أحد الحاصلين على حكم قضائي بأحقية التعيين، يقول إن الحكم صدر بعدما رأت محكمة القضاء الإداري أحقيته في التعيين، بسبب حصوله على تقديرات أعلى ممن عُينوا.

ويوضح للمنصة، أنه حاصل على ليسانس شريعة وقانون بتقدير عام جيد بنسبة 74.44%، دفعة 2008، وأنه بعدما تقدم للمسابقة بأربعة أشهر أجرى اختبارًا عمليًا في الحاسب الآلي واللغة العربية وحصل على درجة نجاح المادتين، ثم أجرى مقابلة شخصية مع المحامي العام للنيابة بمحافظة الدقهلية.

صورة من الحكم القضائي الخاص بالأحقية في التعيين. بإذن خاص للمنصة

ويواصل أنه بعد صدور نتيجة المسابقة، وجد عند مراجعة أسماء المعينين أن هناك أشخاصًا أقل منه في التقدير العام ونتيجة الامتحان التحريري، مشيرًا إلى اسم أحد المعينين "أمل .م" وهي حاصلة على ليسانس حقوق دفعة 2009 بتقدير عام مقبول بنسبة 64.74% ثم رُفع التقدير لـ"جيد".

ويُتابع شريف، أنه قدم تظلمًا للنيابة العامة على نتيجة المسابقة، لكن لم يتم قبوله، لذا أقام دعوى قضائية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 قيدت برقم 839 لسنة 43 قضائية، مستندًا إلى نص القانون رقم 47 لسنة 1978 الخاص بنظام العاملين المدنيين بالدولة، وقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016، حيث نصت المادة 37 من القانون الأخير بأن الاختيار في التعيين لشغل الوظيفة يكون للأعلى تقديرًا في درجات المؤهل، ثم صاحب الدرجة الأعلى في نفس المرتبة بالأعلى مؤهلًا، ثم الأقدم تخرجًا، ثم الأكبر سنًا، ثم الأكثر إلمامًا بلغة الإشارة أو المهارات السلوكية أو اجتياز دورات تدريبية، حسب طبيعة كل وحدة.

وبحسب أوراق الدعوى القضائية التي حصلنا على نسخة منها، حمَّل شريف .ج النيابة العامة مسؤولية التقصير في عبء إثبات عدم أحقيته في التعيين، وذلك سواء أثناء تحضير الدعوى بهيئة مفوضي الدولة بالمحكمة الإدارية أو نظرها بجلسات المرافعة في الدعوى، ما أخل بقدرة المحكمة من بسط رقابتها القضائية بين المدعي والمعينين بهذا القرار، ومن ثمَّ حكمت المحكمة بقبول الدعوى وإلغاء القرار المطعون عليه 1269 لسنة 2014 من تخطي المدعي في التعيين في يناير 2018.

تتشابه ملابسات قضية شريف مع معالي ص، 35 سنة، وهي حاصلة على ليسانس الدراسات الإسلامية والعربية للبنات ببني سويف دفعة 2008 بتقدير عام جيد بنسبة مئوية 74.14%، وتقدمت في يوليو/ تموز 2014 بأوراقها إلى رئيس النيابة الكلية ببني سويف، لكن تم تخطيها في قرار التعيين لصالح من هم أحدث منها في سنة التخرج 2009 و2010 و2011 و2012 و2013. لذا تقدمت بدعوى رقم 9991 لسنة 61 قضائية أمام محكمة القضاء الإداري في سبتمبر/ أيلول 2014 طالبة بإلغاء القرار في سنة 2014 والتي قضت المحكمة بأحقية تعيينها في مايو/ أيار 2016. 

ثم طعنت هيئة قضايا الدولة على الحكم الذي حصلت عليه معالي في يوليو/ تموز 2016، والذي قيد بالرقم 2424 لسنة 3 قضائية، لكن محكمة القضاء الإداري رفضت الطعن الحكومي في سبتمبر 2017.

نسخة من الأحكام القضائية بالأحقية في التعيين. بإذن خاص للمنصة

دعوى أخرى رفعتها إسراء .ع، برقم 4694 لسنة 65 قضائية في يناير 2015، وهي حاصلة على بكالوريوس نظم المعلومات الإدارية في 2012 بتقدير ممتاز بنسبة 87.3%، لكن قرار التعيين شهّد تعيين من هم أقل منها في التقديرات النهائية بنسبة 67.92%، لذا قضت محكمة القضاء الإداري في مارس 2019 بقبول دعواها وأحقيتها في التعيين.

إلى ذلك، يقول محمود .ح،  34 سنة وحاصل على ليسانس حقوق سنة 2011 بتقدير عام جيد بنسبة 65.43%، إنه لجأ للقضاء الإداري في عام 2015، وأقام دعوى قضائية قيدت برقم 5254 لسنة 5 قضائية، وفي نوفمبر 2017 حكمت المحكمة لصالحه.

ثم في يناير 2018 طعنت هيئة قضايا الدولة على حكم القضاء الإداري القاضي بأحقية محمود في التعيين وقيد الطعن برقم 3354، لكن في سبتمبر 2019 رفضت المحكمة الطعن. 

ويُضيف محمود للمنصة، أن وزارة العدل وافقت على تنفيذ الأحكام القضائية، وبما أن إدارة النيابات بالنيابة العامة المنوط بها تنفيذ الحكم القضائي تتبع إداريًا وزير العدل طبقًا لنص المادة 122 والمادة 125 من قانون السلطة القضائية، فتم إرسال أصول الصيغ التنفيذية للأحكام مرفقة بموافقة وزير العدل إلى إدارة النيابات بالنيابة العامة، لكنها امتنعت عن تنفيذ القرار والأحكام القضائية.

دعوى جديدة

بسبب امتناع النيابة عن تنفيذ الأحكام القضائية، أقام الحاصلون على هذه الأحكام دعوى قضائية جديدة قُيدت برقم 4852، في عام 2019، يشكون فيها من امتناع النيابة العامة عن تنفيذ أحكام قضائية نهائية، أمام محاكم مجلس الدولة المصري والتي أصدرت قرارها بتأييد أحكامهم وضرورة تنفيذ الأحكام القضائية وإلزام النيابة العامة بذلك.

نسخة من الأحكام القضائية بالأحقية في التعيين. بإذن خاص للمنصة

وفيما تدفع النيابة العامة بقرار مجلس الوزراء رقم 1763 بشأن ترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة في الموازنة العامة والهيئات الاقتصادية، الصادر في عام 2020 لعدم تعيين الحاصلين على الحكم، يوضح محمود .ح، إن القرار نص على عدم إجراء أي تعيينات أو ترقيات عدا الوظائف القيادية التي يتم العرض بها على جهات وسلطات الاختصاص أو تسويات أو أية تعديلات وظيفية، إلا اعتبارًا من أول يناير 2021 وبعد صدور القرار اللازم من رئيس الوزراء؛ لكنه استثنى الحاصلين على الأحكام القضائية واجبة النفاذ من هذه الاشتراطات.

ويُضيف، رغم صدور هذا القرار، الذي قضى بموافقة مجلس الوزراء على تنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بالتعيينات وصدور كتاب التنظيم والإدارة بالموافقة على توفير الدرجات المالية اللازمة لها، والذي بناء عليه قامت وزارة العدل في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2020 بمخاطبة النيابة العامة مرة أخرى بضرورة تنفيذ هذه الأحكام في ضوء موافقتها المسبقة، لكن حتى الآن تظل هذه الأحكام حبرًا على ورق.

طلب إحاطة

كما تقدم النائب البرلماني أحمد بلال البرلسي بطلب إحاطة في 17 سبتمبر الجاري، لمجلس النواب ضد وزير العدل المستشار عمر مروان، بسبب امتناع النيابة العامة عن تنفيذ الأحكام الصادرة من المحكمة الإدارية. وتضمن الطلب ملفًا كاملًا ومستندات بالأحكام القضائية النهائية التي تقضي بأحقيتهم في التعيين بوظائف إدارية في النيابة العامة على الدرجة الثالثة طبقًا للقرار رقم 1269 لسنة 2014.

نسخة من صورة طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب أحمد البرلسي. بإذن خاص للمنصة

يأتي هذا في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى تقليص أعداد العاملين بالجهاز الإداري للدولة إلى نحو مليوني موظف بدلًا من نحو 5.6 مليون موظف حاليًا، حسب تقديرات جهاز التنظيم والإدارة. وعلى الرغم من ذلك، فإن حجم الأجور ما يزال مرتفعًا ويشكل رقمًا ضخمًا في الموازنة العامة، إذ بلغ حجم إجمالي حجم الأجور في آخر 4 أعوام تريليون و250.9 مليار جنيه، وفقًا لمراجعات أجريناها على الموازنة العامة للدولة المتاحة على الموقع الإلكتروني لوزارة المالية.

وشكلت الأجور نسبة 19.6% من إجمالي الموازنة العامة للدولة في العام المالي 2021/ 2022 بإجمالي 361.05 مليار جنيه بزيادة قدرها نحو 26 مليار جنيه عن موازنة العام المالي 2020/ 2021 والذي بلغت فيه الأجور 335 مليار جنيه.

شرعت الحكومة المصرية في الفترة الأخيرة، بأكثر من طريقة، في تنفيذ رؤيتها الخاصة بتخفيض عدد موظفيها الذي يتجاوز الستة ملايين إلى 3 ملايين و846 ألفًا و154 موظفًا بحلول عام 2020، بحيث ترفع النسبة من موظف لكل 26 مواطنًا كما هو في 2020 إلى موظف لكل 40 مواطنًا في عام 2030.

في النهاية يختم محمود .ح حديثه، بأن كل طلبهم يتلخص في إحساسهم بالعدل والإنصاف، إذ حاليًا أغلبهم تخطى سن الثلاثين وفرصتهم في التقدم لأي وظيفة حكومية أخرى أصبحت معدومة، حتى فرص العمل في القطاع الخاص أصبحت محفوفة بالمخاطر، وأغلبهم يعولون عائلات وأطفالًا صغار.