- تصميم: يوسف أيمن - المنصة.

مسلسل الاختيار: تاريخ يكتبه الصيادون

منشور الجمعة 29 أبريل 2022

 

"هي روايتنا للتاريخ".. صدى هذه الجملة يتردد لدى الأجهزة الأمنية في مصر، وأكاد أسمعه كلما شاهدت حلقة جديدة من مسلسل الاختيار

ما بين الكتابة العلمية للتاريخ من جهة، وكتابة مؤسسة أو أفراد أو جماعات للتاريخ نفسه من جهة ثانية، هناك فارق كبير ومساحة شاسعة، مثل المسافة بين السماء والأرض، أو أكثر! 

"منهج البحث التاريخي" هو عملية علمية شاقة ومنضبطة ودقيقة، يقوم بها مؤرخون وباحثون متخصصون، محايدون ومتجردون، أما الرواية التي تكتبها مؤسسة أو حزب أو جماعة فهي لا تعدو أن تكون "رواية شخصية" للأحداث والوقائع، ومحاولة للاجتهاد في تفسيرها والخروج بنتائج. 

وعندما تكون تلك المؤسسة هي من انتصر في النهاية، تأتي روايتها تأكيدا للمثل الأفريقي "إلى أن يكون للأسود مؤرخوها.. ستظل حكايات الصيد تمجد الصيادين".   

تروي أجهزة الأمن "تاريخ الجماعة" وهي تنظر للأحداث فقط في بعدها الأمني، وهو أمر طبيعي ومفهوم في سياق الدور المهني والفني لهذه الأجهزة، أما التاريخ فهو شيء آخر، فلكل حدث أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وتأثيره الاستراتيجي وحساباته المعقدة.

في الاختيار قالت الأجهزة الأمنية روايتها لفترة حكم الإخوان المسلمين، قصت علينا كيف تعاملت مع حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، وكيف كانت تنظر لجماعة الإخوان منذ اللحظة الأولى لصعودها لحكم مصر! 

في حديث العلم والبحث هناك قاعدة يتفق عليها المتخصصون في كتابة التاريخ وهي ضرورة الابتعاد زمنيًا عن تأثير الأحداث والوقائع ليستطيع الكاتب الحفاظ على تجرده وحياده، ثم ضرورة الابتعاد عن التوجهات والانحيازات قبل الكتابة، هنا نكون أمام كتابة علمية للتاريخ، أما أي شيء آخر فيظل في نطاق "الرواية" فقط، ولا يرقى لأن يصبح تاريخًا بالمعنى العلمي والبحثي. 

على قصر مدة حكم الإخوان لمصر كانت الوقائع كثيرة وخطيرة بما يكفي لاحتياجنا لتحليل سياسي واقتصادي واجتماعي أدق وأوسع، تحليل علمي وكتابة بحثية موثقة، وهي كتابة لا تبحث عن الإدانة أو البراءة بقدر ما تبحث عن المستقبل، فالتاريخ يسجل الماضي حفاظًا على الحاضر والمستقبل أكثر من أي شيء آخر. 

يقول المؤرخ العربي الأشهر ابن خلدون في تعريفه للتاريخ إنه "في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق".

في هذا التعريف كشف واضح لمعنى كتابة التاريخ، فهو الذي يقص لنا الأخبار عن الدول ويعلل المبادئ والوقائع وكيفية حدوثها وأسبابها. تفصيل واضح لأن التاريخ لا يمكن قراءته من جانب واحد فقط، ولا يمكن اعتبار الأبعاد الأمنية هي التاريخ وكفى. 

ولهذا اختلفت وتحاورت شخصيات كانت حاضرة ومؤثرة في الأحداث على منصات التواصل الاجتماعي على عدد من الوقائع الهامة، في محاولة لسماع أصوات وتاريخ موازي في الغابة غير أصوات الصيادين، الحاضرة فقط في المسلسل دون غيرها في المحتوى التوثيقي من مشاهد حقيقية أو ما يقدمه من محتوى فني ودراما سياسية. 

فيما بعد ثورة يناير حدث ما يشبه الإجماع بين كل المخرجين والكتاب المهتمين بتقديم أعمال فنية جادة بأن الوقت ليس مناسبًا بعد لتقديم عمل فني "تأريخي" يليق بالثورة، قالوا في حوارات منشورة إن العمل سيتأثر بالانحياز بالأحداث وسيفقد جزءًا من قيمته الفنية عبر استبدال الصوت العالي والحوار المباشر بالفكرة والرسالة. 

في حديث أهل الفن عن يناير تأكيد جديد على أن التاريخ لا يوثقه عمل فني برواية منحازة وغير موضوعية، لا سيما إذا تم هذا بعد بضع سنوات لا تستطيع إزالة آثار الانحياز؛ ثم لا يمكنها تبني رؤية جادة ومجردة وشاملة للثورة ورموزها وأسبابها وبعدها الإنساني. 

التعريف العلمي لكلمة "مؤرخ" يتعدى بكثير كل جهد يبذله مؤلف أو سيناريست لكتابة عمل فني، فالمؤرخ مطالب بالحياد والتجرد والفهم الدقيق لكل حدث وأسبابه ونتائجه، وهو يكتب خارج إطار أي صراع سياسي، ودون انتظار إشادة من سلطة أو جمهور أو أحزاب، أما السيناريست فهو يبحث عن إمتاع فني ورسالة يمزج فيها ما بين الواقع والخيال. 

الأعمال الفنية يمكن أن تروي جانبًا من الصورة، لكنها لا يمكن أن تقنع المشاهد أن ما يُعرض هو التاريخ بوقائعه ورموزه وأحداثه، وهنا يمكن تصنيف الاختيار كرواية لأصحابها، رواية تدخل كجزء أصيل في الصراع السياسي الدائر، وتحكيه للمشاهد بمؤثرات فنية وخيال فني. 

أما التاريخ الحديث بتفاصيله وحكاياته ربما تشاهده على الشاشة أجيال أخرى، أجيال لم تعش هذه الفترة ولم تتأثر بالسياسة وتقلباتها، وعندها يمكن أن نعتبر أو نأمل أن ما سينتج في المستقبل سيكون التاريخ الحقيقي الذي يعرض جميع الأحداث وجميع وجهات النظر، بحياد تام وتجرد كامل، وحتى يحدث هذا لا علينا أكثر من اعتبار ما نشاهده روايات لأصحابها الصيادين.