كيف ينظر من هم خارج السجن إلى من هم داخله - تصميم: يوسف أيمن- المنصة

كيف تشاهد الدنيا السجين؟

السجن كوصمة أبدية

منشور الأحد 7 أغسطس 2022

السجن عقوبة قاسية جدًا، لا شك في ذلك، رغم هذا ثمة من يرى فيها فرصة لتجربة روحية، تشبه رياضة التأمل؛ يصفها مصطفى أمين، مثلًا، في كتابه سنة أولى سجن، بأنها "فرصة للتفرج على الدنيا". لكن ماذا لو تأملنا من هم في الجانب الآخر؛ كيف يتفرج من هم في الدنيا، أي خارج السجن، على من هم داخله، وكيف يشعرون تجاههم؟

حكت لي صديقة عن ابن خالتها الذي تورط في مشكلة مع مجموعة من الشباب، لا ذنب له فيها، وبسببهم بات في قسم الشرطة ليلة واحدة، لكنها كانت كفيلة لتعدل خطيبته عن قرار الزواج.

عندما أعدتُ سرد الحكاية على صديقة أخرى، قالت "اتقوا مواطن الشبهات. إذا تقدم لي رجل كان سجينًا بتهمة السرقة أو القتل، حتى لو تاب، سأرفض، لأنه أصبحت له سابقة إجرامية. لنفرض أنه بعد أن تزوجنا وأنجبنا، أراد الطفل أن يصبح ضابطًا، بالطبع لن يستطيع بسبب سابقة والده". سألتها وإن كان ذلك الشخص سجين رأي؟، "سأرفضه أيضًا، لأنه على الأغلب سيخرج من السجن لديه أزمة نفسية إثر ما تعرض له داخله".

هل السجن وصمة؟

يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، للمنصة "عندما يدخل شخص السجن تصيبه وصمة اجتماعية بأنه سيعود لارتكاب جرائمه، كما أنه ليس من السهل حصوله على عمل، وحينها قد يدفعه سوء ظروفه الاقتصادية لارتكاب الجريمة من جديد".

كذلك يرى الدكتور نوفل عسكري، الأستاذ في علم الفلسفة والاجتماع، أن المجتمع يختزل السجين في الجريمة التي ارتكبها، مما قد يدفعه لارتكابها مرة أخرى، مشيرًا في بودكاست بعنوان ظلم المجتمع أقسى، إلى أن المؤسسات التي تهتم بإدماج السجين في المجتمع قليلة جدًا، بما في ذلك المؤسسة العقابية نفسها، فهي مؤسسة تُشجع على الجريمة والانحراف لا على الاستقامة السلوكية.

في نظر المجتمع السجن وصمة، ولكن الوصمة الحقيقية مفترض أن تكون في الجُرم المُرتكب حال الإدانة به، وليس السجن في حد ذاته. لأنه إذا اعتبر السجن وصمة يكون المجتمع عاقبه مرتين، مرة حينما دخل السجن، وأخرى بنبذه بعد خروجه منه.

يوضح ضابط سابق أن "الوصم لا يساعد الإنسان على صلاح حاله، وإنما يظل عار سجنه يلاحقه"، المجحف في المسألة أن الوصمة تتجاوز صاحبها، الذي قد يكون بريئًا أو تائبًا عن جرمه، لتلحق بأفراد أسرته جميعهم.

يقول الضابط "بعين المواطن، ليس سهلًا أبدًا التعاطف بسبب انتشار الجرائم، حتى لو تم تبرئة المتهم فيما بعد؛ سيحصل على براءة من القانون لكنه لن يحصل على البراءة في نظر المجتمع أو المحيطين به. أما من منظور الضابط، فهو شخص أخطأ ويقضي فترة عقوبته. إذا كان مظلومًا فكأنه في إعارة لدينا، وبالعكس الضابط لا يصم البريء؛ لذا منظور المواطن أقسى من منظور الضابط أو السجان".

سجن الحبيب

في فترة من حياتي كنت على علاقة بشخص سُجن احتياطيًا لمدة خمسة أشهر، وتشكلت علاقتي العاطفية به بعد خروجه من السجن بسنتين، ولكن القضية لم تكن سقطت بعد. لم يكن مثلًا يستطيع السفر.

ما شغل تفكيري كثيرًا وقتها كيف أخبر أمي أن الذي قد يتقدم لخطبتي كان سجينًا. ورغم قصر المدة، ورغم تبرئته هو وزملائه في القضية، ورغم اختلافات أخرى بيني وبينه، كنت أرى سجنه بمثابة الشوكة التي ستقف في عنق زيجتنا إذا علمت أمي بالأمر.

قد يتفهم أصدقاء السجين السياسي أو سجين الرأي الأمر، لكن المجتمع ليس من السهل أن يتعامل معه. يؤكد سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع "مثلًا على المستوى المهني ستخشى كل شركة أن توظف لديها شخص قد يتم القبض عليه بين الحين والآخر، وعلى المستوى الاجتماعي سيخاف الناس من معرفتهم به، فهي "شبهة"، فما بالك إذا تقدم أحدهم لخطبتك بالطبع سيرفض الأهل. لقد أصبح إنسانًا مستقبله غير مضمون، وغير آمن".

قبل القضية التي تعرفت من خلالها على حبيبي السابق، كنت لا أعلم عن السجن شيئًا سوى ما أراه في الأفلام العربي، مكان يوضع فيه الخارجين عن القانون. وكانت لدي نظرة واحدة، مثل الجميع، أرى بها كل من يدخلون السجن.

في تلك القضية، كان شاب لم يتعد عمره 20 سنة ضمن المقبوض عليهم، هو الوحيد الذي أعرفه بينهم بشكل شخصي؛ شعرت أن هناك شيئًا خاطئًا يحدث، لأنني أعلم جيدًا أنه لم يفعل ما يستحق أن يسجن بسببه، وتيقنت من ذلك عندما حضرت الجلسة الأولى من القضية.

وقفت أنا وأصدقاءه وأهله خارج المحكمة في انتظار مثوله أمام القاضي، وإذا به يأتي مقيد بالكلبشات مثل المجرمين، وبصحبة عسكري. بمجرد أن رآنا أخذ يبكي ويدير وجهه بعيدًا عنا حتى لا نراه في ذلك الوضع. تسمرتُ في مكاني أنظر إلى الكلبشات التي لم أرها من قبل سوى في الأفلام.

من يومها تغيرت نظرتي إلى السجن ومن يدخلونه، وأصبحت قضية ذلك الشاب وزملائه الخمسة قضيتي، أستيقظ صباح كل يوم على طلب الحرية لهم من خلال بوستات فيسبوك، وأحضر الجلسات كلما سمح وقتي.

بعد خروج الشباب من السجن، وبينهم حبيبي السابق، تعرفت إلى شخص ثالث منهم، هو الآن من أصدقائي المقربين. تسائلت كثيرًا ماذا لو لم أعرف أحدًا منهم شخصيًا، هل كنت تعاطفت معهم؟ وهل كنت أهتم؟ وهل كنت سأتجرأ على الاقتراب منهم فيصبح أحدهم صديقًا، وآخر حبيبًا؟

أعتقد أنه في كل الأحوال كان عقلي سيتأمل ما يحدث، ويُدرك. الأمر يختلف إذا كان أحدهم قريب لك أو صديق أو شخص تثق أنه لم يفعل شيئًا. تشبه المسألة جائحة كورونا في بدايتها، لم يصدق الناس إلا عندما كان يصيب الفيروس شخصًا يعرفونه.

الإنسان مسجونًا

في يونيو/حزيران 2018، كنت أعمل في مكتبة تنمية بوسط القاهرة، بعد القبض على صاحبها خالد لطفي بعدة أشهر، قضيتُ سنة كاملة في المكتبة لم أسمع عنه سوى الخير من روادها، ومن العاملين في الوسط الثقافي. كيف بعد تلك الكلمات الطيبة كلها، قد يبتعد عنه الناس في تعاملاتهم الاجتماعية لكونه سجينًا في قضية نشر؟ وهل سيصبح سجنه وصمة تلحق ببناته وعائلته حتى بعد إطلاق سراحه؟

أثناء عملي في المكتبة، كانت صديقة لي في شهور حملها الأخيرة، ولأني عاصرتُ معها فترة الحمل، كنت أنتظر بلهفة يوم وضعها لمولودها حتى أراه، كان ذلك شعوري نفسه تجاه خالد لطفي مع كل عفو رئاسي يصدر، لأنني لم أره من قبل قط، كنت أتوق لرؤية الاثنين.

وضعت صديقتي مولودها آدم ورأيته، وأحببته كثيرًا، لكن حتى الآن لم أر خالد.

 يستشهد تقرير لـبي بي سي ، بعنوان السجين السياسي: بين وصمة السجن ونظرة المجتمع، بما خاضه الدكتور يحيى عبد الشافي وابنه. حكم عليهما بالسجن ثلاث سنوات بسبب خرق قانون التظاهر، ورغم خروجهما في عفو رئاسي بعد سنة واحدة، مُنع عبد الشافي من ممارسة مهنتة في أي عمل حكومي حتى عام 2027، وكذلك مُنع من العمل التطوعي، ولم يعد أمامه سوى عيادته الطبية الخاصة. ولكن ليس جميع السجناء السابقين لديهم عملهم الخاص.

في بداية العام الجاري أرسلت طلب صداقة لصحفي خرج من السجن بعد ثلاثة سنوات ونصف قضاهم محبوسًا احتياطيًا. بالإضافة لمعرفتي باسمه كصحفي من قبل، فسعادة أصدقائه واحتفائهم بخروجه على السوشيال ميديا كان له أثر كبير في نفسي، وفي زيادة رغبتي في التعرف عليه.

ورغم وجود مساحات مشتركة كثيرة يمكن أن نتحدث بخصوصها، كان أول ما جال في خاطري أن أسأله عن السنوات التي قضاها محبوسًا، غير أني أجلت الأمر إلى أن حانت لحظة مناسبة فسألته على استحياء.

لم أعرف الكثير مما كنت أريده لكني اكتفيت برؤيته، وقراءة نص كتبه عن حالته بعد الخروج من السجن. ورغم أنني لم أره قبل السجن، كنت متيقنة أن السنوات التي قضاها في الداخل تركت أثرًا عميقًا في نفسه يظهر يومًا بعد يوم، فكما قال بهاء طاهر في روايته الحب في المنفى "يتغير الإنسان في السجن… العواطف المشبوبة في داخله تنطفئ داخل أسواره".

فهل من المفترض بعد كل ما عاناه الصحفي أن يترصده المجتمع لأنه كان محبوسًا؟

التصاق السجن بسيرة أي إنسان أمر له رهبته، لكنه لا يعني انتهاء الحياة من بعده. وإن كنا لن نساعده في تخطي الأمر، فلا يجب على الأقل أن نضيف عبئًا آخر  إلى كاهله.