- تصميم: أحمد بلال- المنصة

هل العالم على شفا حرب نووية؟

منشور الثلاثاء 27 سبتمبر 2022

لم يعد هذا السؤال مطروحًا منذ انتهاء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة. وحتى في تلك المرحلة، كان التوجه الرسمي للدولتين العظمتين هو اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتجنب ما يتم وصفه بـ"خيار يوم القيامة"، والانخراط في معاهدات تهدف لخفض الترسانة النووية لمنع فناء الملايين. كما كان هناك خط ساخن يربط البيت الأبيض بالكرملين لإزالة أي سوء فهم محتمل إذا ما تعلق الأمر بتحريك رؤوس نووية.

ولكن مع انطلاق الحرب الروسية ضد أوكرانيا قبل سبعة شهور، كان فلاديمير بوتين هو من بادر في الخطاب الذي ألقاه لإعلان ما أسماه بـ"العملية العسكرية الخاصة"، بالإشارة إلى أن بلاده ستلجأ لكل الخيارات المتاحة لحماية أمنها، بما في ذلك الأسلحة النووية.

انقطعت الحرارة عن الخط الساخن بين الولايات المتحدة وروسيا. واختارت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون تجاهل تهديد بوتين وعدم التعامل معه بجدية، أو حتى طرح استخدام الأسلحة النووية كخيار يجب بحثه.

ولكن بعد سلسلة الهزائم الروسية الأخيرة، وتمكن الجيش الأوكراني من استعادة مساحات واسعة من الأراضي التي احتلتها روسيا مع بدء الحرب في 24 فبراير/ شباط، تزايدت مخاوف الدول الغربية من احتمال تهور بوتين الجريح الذي يشعر بالإهانة ولجوئه إلى استخدام أسلحة نووية.

وبدأت وسائل الإعلام الغربية تتداول مدى تكتيكية الأسلحة النووية التي قد يستخدمها بوتين، ومدى فداحة تأثيرها وهل ستوجه لأوكرانيا فقط، أو ما يسمى بالأسلحة النووية الاستراتيجية بعيدة المدى التي كانت تحتفظ بها موسكو موجهة نحو السواحل الأمريكية، في حالة انطلاق حرب يوم القيامة.

ويدعم هذا التقدير الذي تحذر منه أجهزة الاستخبارات الغربية، أن شرعية بوتين الداخلية، والدعم الذي يحظى به من النخبة الحاكمة، تعتمد على تحقيق النصر في حربه في أوكرانيا، والتي يراها جزء من السعي لاستعادة مجد الإمبراطورية الروسية، والاتحاد السوفيتي السابق.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أشار في مقابلة أجراها على هامش حضوره لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر، أن بوتين ما زال يشعر بالخذلان والاستياء حتى الآن من الطريقة التي تمت بها معاملة روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في العام 1991 وتعمد إذلالها، والأسوأ التخلي عن التعهدات التي قدمت لها بعدم اقتراب حلف الناتو من أراضيها، أو استخدام دول أوروبا الشرقية السابقة التي كانت موالية لها، كمنصات تهدد أمنها.

العديد من التقارير التي ينشرها الإعلام الغربي تقوم بشكل رئيسي على التشكيك في قدرات بوتين وتماسك قراراته

كما تكهن ماكرون أيضًا أن الرئيس الروسي يعاني من آثار العزلة، التي فرضها على نفسه أثناء فترة تصاعد وباء كورونا خشية إصابته. وهي نفس الفرضية التي يرددها الإعلام الأمريكي في سعي دؤوب لشيطنة بوتين.

والعديد من التقارير التي ينشرها الإعلام الغربي تقوم بشكل رئيسي على التشكيك في قدرات بوتين وتماسك قراراته، والزعم أنه يعاني من غطرسة العظمة ويتبنى أفكارًا قومية متطرفة. وبالتالي فإن الهدف غير المعلن لتلك الاستراتيجية الغربية من وجهة نظر موسكو هي الإطاحة ببوتين شخصيًا، وهو ما قد يدفعه لاتخاذ قرارات أكثر تهورًا تتعلق باحتمال اللجوء لاستخدام الأسلحة النووية.

المتشددون في الغرب والداعون إلى مواصلة دعم الحرب ضد روسيا؛ ينصحون باستمرار تجاهل تهديدات بوتين وتلويحه باستخدام الأسلحة النووية، خاصة بعد إعلانه الأسبوع الماضي حالة التعبئة الجزئية وإرسال 300 ألف جندي روسي إضافي إلى جبهات القتال ضد أوكرانيا. ويصمم هؤلاء على أن الهدف من هذه التهديدات دعائي في الأساس واستعراض للقوة، في محاولة للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية التي بات تأييدها لاستمرار الحرب محل شك.

فحتى اتخاذ قرار بوتين الأخير بالتعبئة الجزئية، كان الشعب الروسي يشعر أنه بعيد عن حرب أوكرانيا، وأنها مهمة سيتمكن الجيش الروسي العظيم من إنهائها بسرعة وسهولة. لم تنتهِ الحرب، وساهم الدعم الغربي في تمكين الجيش الأوكراني من تحقيق مكاسب مهمة لم تستطع موسكو إخفاءها وتسببت في انتقادات داخلية واسعة.

كما أن تجنيد الشباب الروسي قد يغير حسابات النخبة الداعمة لبوتين، خاصة مع اندلاع العشرات من المظاهرات في مدن روسية مختلفة والقبض على المئات من المعارضين للحرب. وأبرز الإعلام الغربي ما زعم أنه تهافت من الشباب على الهروب من روسيا والتدفق على حدودها مع الدول المجاورة، وهو ما دفع فنلندا، مثلًا، الى اتخاذ قرار بالتوقف عن منح تأشيرات دخول للروس.

وتم كذلك إبراز ما نقلته التقارير الإخبارية من أن قادة الصين والهند عبروا لبوتين عن تحفظات ومخاوف بشأن استمرار حرب أوكرانيا وآثارها المدمرة على الاقتصاد العالمي، وذلك على هامش حضور القادة الثلاث لقمة التجمع الاقتصادي لدول شنغهاي قبل أيام من انطلاق أعمال الجمعية العامة في نيويورك.

الصين أيضًا تعارض بقوة، ما تسميه مع موسكو، الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي، خاصة في ضوء تصاعد المواجهة مع واشنطن بسبب رغبة بكين في ضم جزيرة تايوان إلى الوطن الأم. ولكنَّ الرئيس الصيني تشي جين بينج يختلف عن نظيره الروسي في سرعة اللجوء للقوة العسكرية، ويرى غالبًا أن نمو الصين الاقتصادي بشكل منتظم هو ما سيحقق له النتائج التي يتطلع لها من دون خوض أي حروب.

ولكن أصحاب التوجهات الأكثر عقلانية في الغرب، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة، يرون، أو يأملون، أن يكون التصعيد الروسي الأخير، سواء بالتعبئة الجزئية أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية، هو التصعيد الأخير قبل إنهاء المعركة والتوجه نحو حل دبلوماسي.

وفي هذا الإطار، فإن قرار بوتين بإجراء استفتاء في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الروسي في أوكرانيا، والملاصقة لحدود روسيا، سيكون بمثابة ورقة ضغط إضافية لوقف الحرب، والسعي لخروج موسكو بأي مكسب يمكن بوتين من الترويج داخليًا أنه انتصر.

فبوتين المتمسك بمنصبه منذ أكثر من عشرين عامًا، والذي عدَّل الدستور عدة مرات ليضمن بقاءه رئيسًا إلى الأبد تقريبًا، لن يقبل الهزيمة في أوكرانيا لأن تلك النتيجة ستمثل نهايته ونخبته الحاكمة التي استفادت من قربها منه بتضخيم ثرواتها بشكل مذهل. ولحماية هذه المكاسب، فلا بأس من التلويح بالترسانة النووية المرعبة حتى لو كان بوتين نفسه يعلم يقينًا أنه لن يلجأ لاستخدامها، لأنه لن يستطيع تحمل عواقب تلك الخطوة الكابوسية.  

حتى سنوات قليلة مضت، كان العالم ما زال يتحدث عن ضرورة استمرار التعاون العالمي من أجل نزع الأسلحة النووية ومكافحة ظاهرة تغير المناخ وإيجاد حلول لأزمات الغذاء واللاجئين والفقر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. ولكن هذه الأهداف المثالية اختفت الآن.

اليوم، بات على الجميع أن يستعدَّ لعالم مضطرب لسنوات طويلة قادمة، يتم فيه تداول استخدام الأسلحة النووية كأحد الاحتمالات المطروحة، بعد سنوات كان محرمًا فيها مجرد الإشارة إلى مخزون الدول العظمى من تلك الأسلحة، القادرة على إفناء كل البشر عدة مرات.