صلاح والأمتار الأخيرة.. التعثر في الوقت الخطأ

صلاح بدا حذرًا للغاية من التعرض لأي إصابة قد تحرمه من المشاركة في كأس العالم. ظهر هذا في أكثر من كرة فضّل اللاعب ألا يلتحم فيها خلافًا لما اعتدناه منه منذ انطلاق الموسم.

هناك قواعد حاكمة لكل شيء. قد تظنُ لوهلة - بسبب نجاحك الكبير- أنك لم تعد خاضعًا لها. أو أنك قادر على الإفلات من قبضتها لكنّك في النهاية ترضخ لها رغم أنفك.

تقول واحدة من تلك القواعد المستقرّة في عالم كرة القدم إنه لا يمكن للاعب، مهما بلغت موهبته، أن يُقدم أداءً ثابتًا منذ انطلاق الموسم وحتى نهايته، دون أن يضطرب منحنى أدائه.

ولا يوجد، فيما أعلمُ، لاعب خالف تلك القاعدة في أي موسم من مسيرته. على سبيل المثال المهاجم الأوروجوياني لويس سواريز حين قدّم موسمه الاستثنائي مع ليفربول (2013 – 2014) قبل أن يرحل إلى برشلونة، سجل وقتها 31 هدفًا خلال 33 مباراة، ورغم ذلك عانى اللاعب من صيام عن التهديف لأربع مباريات متتالية (منذ الجولة 24 وحتى الجولة 27 من الدوري).

وكذلك ليونيل ميسي في موسمه الأبرز مع برشلونة (2011 – 2012) حين سجل 50 هدفًا في الدوري خلال 37 مباراة. ترنّح ليو في هذا الموسم مرتين؛ الأولى عجز خلالها عن التسجيل في مباراتين متتاليتين من الليجا أمام إشبيلية ثم جرانادا، والثانية حين عجز عن التسجيل في مباراتين متتاليتين أمام ريال مدريد ثم إسبانيول.

وفي موسمه التاريخي (2014 – 2015) تمكن كرستيانو رونالدو من تسجيل 48 هدفًا خلال 35 مباراة فقط لكنّ المهاجم البرتغالي صام عن التهديف ثلاث مباريات متتاليات (أمام قرطبة ثم أتليتكو مدريد ثم ديبورتيفو لاكورونا). وصام أيضًا في الجولتين 33 و34 من الدوري الإسباني.


ومنذ انطلاق الموسم الحالي (2017 – 2018) بدأ محمد صلاح لاعب ليفربول كتابة الفصل الأبرز في مسيرته الكروية. يتألق ويسجل هدفًا تلو الآخر. يتلاعب بدفاعات أقوى فرق العالم دون رحمة حتى ظنّ البعض أنه قد يُخالف تلك القاعدة وتظّل مؤشرات أدائه على القمة لا تتزحزح حتى نهاية الموسم.

سجل النجم المصري 43 هدفًا مع ليفربول في مختلف المسابقات هذا الموسم (31 منها في الدوري الإنجليزي). وتوّج بجائزة أفضل لاعب إفريقي في استفتاء الكاف، وكذلك في استفتاء هيئة الإذاعة البريطانية. كما فاز بجائزة أفضل لاعب في البريميرليج في استفتاء الاتحاد الإنجليزي وكذلك في استفتاء رابطة الكتّاب الرياضيين، إضافة إلى أنه بات على أعتاب التتويج بلقب هداف البريميرليج مبتعدًا عن مهاجم توتنهام هاري كين بأربعة أهداف.

لكنّ صلاح، كغيره من نجوم اللعبة، رضخ أخيرًا لهذا التعثّر؛ حين صام عن التسجيل في آخر ثلاث مباريات خاضها الفريق أمام ستوك سيتي وتشيلسي في الدوري الإنجليزي وأمام روما في إياب نصف نهائي دوري الأبطال.


تعثّر منطقي

في حالة صلاح، يبدو هذا التعثر منطقيًّا للغاية لأسباب متعددة؛ أولها أن اللاعب منذ بداية مسيرته الأوروبية لم يخض خلال موسم واحد هذا العدد من المباريات، حتى في أول مواسم صلاح بازل السويسري عندما لعب 50 مباراة، فإنه شارك في كثير منها كبديل؛ لذلك بلغت الدقائق التي لعبها 2873 دقيقة فقط.

وفي موسمه الأول مع روما (2015 – 2016) لعب صلاح 42 مباراة في مختلف المسابقات. وبلغت عدد الدقائق التي شارك فيها 3402 دقيقة. وفي الموسم التالي (2016 – 2017) لعب 41 مباراة وخاض 3185 دقيقة. وإذا أضفنا إليها 550 دقيقة لعبها خلال هذا الموسم في كأس إفريقيا مع المنتخب المصري سيكون مجموع الدقائق 3735 دقيقة.. أمّا في الموسم الحالي فقد شارك صلاح حتى الآن في 50 مباراة، ولعب 4005 دقيقة.

إذاً، هناك فارق لا يخفى في عدد الدقائق والمباريات التي خاضها صلاح هذا الموسم، وهو الأمر الذي انعكس سلبًا على مردوده البدني خلال المباريات الأخيرة.

إضافة إلى ذلك، فإن صلاح بدا حذرًا للغاية من التعرض لأي إصابة قد تحرمه من المشاركة في كأس العالم. ظهر هذا في أكثر من كرة فضّل اللاعب ألا يلتحم فيها خلافًا لما اعتدناه منه منذ انطلاق الموسم. كما ظهر هذا الحذر في تدريبات الفريق وهو الأمر الذي أكده ألبرتو مورينو الظهير الأيسر لليفربول حين قال إن صلاح يتدرب بـ20% فقط من طاقته "خوفًا من التعرض لأي إصابة".

من أسباب التعثر المهمة أيضًا أن خط هجوم ليفربول فقد ممولًا هجوميًا قويًا للغاية بعد إصابة ثنائي الوسط: إيمري تشان وأوكسليد تشامبرلين. والأخير صنع لصلاح خمسة أهداف هذا الموسم في الدوري، في حين صنع الأول هدفين للمهاجم المصري في البطولة نفسها.

ولا يخفى أيضًا أن صلاح فقد جزءًا من تركيزه إثر أزمته مع مسؤولي اتحاد الكرة المصري بسبب حقوق تسويق صورته.


النهايات تدوم

ورغم منطقية هذا التعثر إلا أنه يمثل تهديدًا شديد الخطورة على صلاح. ومصدر الخطورة أنّه جاء في أكثر فترات الموسم صعوبة بالنسبة للفريق الإنجليزي.

ولم يتبّق لليفربول سوى مباراتان على نهاية الموسم الشاق؛ الأولى أمام برايتون يوم الأحد المُقبل ويحتاج الفريق إلى نقاطها لضمان المركز الرابع المؤهل لدوري أبطال أوروبا الموسم المقبل. والمباراة الثانية، أمام ريال مدريد في نهائي دوري أبطال أوروبا.

وخطورة التعثّر في الأمتار الأخيرة بشكل عام أنه يدوم طويًلا ويبقى دون غيره في الذاكرة. فإذا استمر تعثُر صلاح وعجز الفريق عن تحقيق نتيجة إيجابية في المباراتين المقبلتين سيخرج ليفربول من الموسم صفر اليدين دون أي بطولة، بل حتى دون ضمان مركز مؤهل لدوري الأبطال.

وقتها، سيصبح النجم المصري، رغم أدائه المتميز منذ انطلاق الموسم سببًا رئيسًا في ذلك. سيسلب هذا التعثر من موسم صلاح بهجته، وربما يحرمه من الوصول للهدف رقم 32، الذي سيجعله أول لاعب في تاريخ الدوري الإنجليزي بنظامه الحديث يصل لهذا العدد في موسم واحد.. والأهم من ذلك أنه ربما يلقي بظلاله على أدائه في كأس العالم.