صورة أرشيفية من مظاهرة نسوية في تونس. أغسطس 2013. تصوير: أمين جرامي. المصدر: فليكر - مفتوحة المصدر.

قوانين الإرث في تونس: نهاية الفحل

يمثل قانون تونس تهديدًا لمركز الفحولة الذكوري ويشعره أنه يفقد أحد امتيازاته، ويهدم ما بنته التصورات الشعبية الذكورية التي تتوارى خلف غطاء ديني وتحظى بسطوة اجتماعية حتى بين النساء أنفسهن.

بعد مشاورات استمرت لأكثر من سنة في لجنة الحريات الفردية والمساواة التي شكلت في تونس من أجل مناقشة وضع آليات تشريعية لتوسيع نطاق الحريات، أقر مجلس الوزراء أخيرًا بحضور الرئيس الباجى قايد السبسي مسودة قانون الأحوال الشخصية الذي تضمن قانون المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، ليبدأ الجدل.

هذه اللجنة أصدرت تقريرًا يوصي بإقرار المساواة في الميراث وهذا ما أقرته الحكومة فعلًا، وضرورة إلغاء عقوبة الإعدام والكف عن تجريم المثلية الجنسية، وهذا ما أعاده لها السبسي ثانيًا مطالبًا بتعميق الحوار حول هذه التوصيات.

على الأثر واجهت تونس انتقادات عدة كان أبرزها ما جاء في بيان أصدره الأزهر ينتقد فيه من "راحُوا يُطالِبونَ هنا وهُناكَ بسَنِّ قوانينَ تُلزِمُ بالتَّسويةِ المُطلَقةِ بينَ المرأةِ والرجلِ في الميراثِ، ضاربينَ بأحكامِ القرآنِ القطعيَّةِ المُحْكَمةِ عرْضَ الحائطِ!"، قبل أن يؤكد أن "رسالةَ الأزهر الشريف، وبخاصةٍ ما يتعلَّق منها بحراسةِ أحكام دين الله وبيانها للناس، هي رسالةٌ عالمية لا تَحدُّها حُدُودٌ جُغرافية، ولا توجُّهات عامة أو خاصة، يتحمَّل عبئها رجال من ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾".

السابقة التشريعية التونسية في الوطن العربي وعاصفة الجدل الديني التي أثارتها، لا يجب أن تضللنا أو تشتتنا، بل ينبغي قراءتها على مستويين؛ المستوى النفسي لمحاولة فهم حالة الهلع من هذا القانون في دول عربية أخرى غير تونس، وما إذا كان سبب هذا الهلع هو مخالفة النص الديني أم تحجيم هيمنة الذكر على المرأة، والمستوى الاقتصادي/ الاجتماعي المرتبط بالتغيرات التي حدثت في تونس منذ اندلاع الثورة في 2011.

صورة أرشيفية من مظاهرة نسوية في تونس. أغسطس 2013. تصوير: أمين جرامي. المصدر: فليكر - مفتوحة المصدر.

نهاية الفحل

تعيد مي غصوب في كتابها "الرجولة المتخيلة: الهوية الذكرية والثقافة في الشرق الأوسط الحديث" طرح سؤال كاثرين جودنز في لوموند الفرنسية عام 1998 عن "هل نشهد نهاية الفحل؟".

من المهم أولًا أن نفسر لغويًا ما معنى الفحل في اللغة العربية. الفحل طبقًا للمعجم هو كل ذكر قوي من أي حيوان، أو هو ذكر الحيوان غير المخصي، ويشار بالفحل أيضًا إلى الرجل القوي جنسيًا. وتم تأويل هذا الوصف ذي الدلالة الجنسية، إلى معنى يوحي بالتميز والتفضيل.

قدمت جودنز طرحها بنهاية الفحل، أي الرجل التقليدي الذي يذهب للعمل بينما تقوم زوجته بالأعمال المنزلية وتربية الأطفال فقط، ومقابل هذا يحصل على العديد من الامتيازات التي يصفها عبد الوهاب بوحديبة في دراسته "الجنس في الإسلام" بـ"الامتيازات الباهظة لكون المرء ذكرًا".

على هذا الأساس النفسي يمكنا تفكيك وفهم الذعر المُغلف بغطاء ديني بالنسبة للمواطن المسلم خصوصًا، إلى جانب فهمنا لثقل ما يحمله المجتمع من ثقافات قرون غابرة وقوانين مُنبثقة منها.

بنت جودنز فكرتها على التغيرات التي شهدها المجتمع الصناعي في الغرب أو بمعنى أدق تآكل ما عٌرف بدولة الرفاه الاجتماعية، وتقاسم كل من الرجل والمرأة شقاء العيش بشكل أكبر وغير مسبوق في محاولة لتدبير تكلفة الحياة، وتداخل كلا الجنسين في أعمال صنّفت في السابق على أنها أعمال للرجال وأخرى للنساء، فظهر رجال يرقصون ويغنون وحتى يتعرون، ونساء تعمل في الصناعات الثقيلة. وعليه فقد بدأت شبكة القوانين والتشريعات تتغير لتتوافق مع وضع المرأة والرجل الجديد كليًا.

لهذا يمثل قانون تونس تهديدًا لمركز الفحولة الذكوري ويشعره أنه يفقد أحد امتيازاته، ويهدم ما بنته التصورات الشعبية الذكورية التي تتوارى خلف غطاء ديني وتحظى بسطوة اجتماعية حتى بين النساء أنفسهن. هذا الفكر مَحمي برفض ثقافي/ قانوني لا يحبذ الاشتباك مع النصوص الدينية بوصفها حقلًا محفوفًا بالمخاطر، ما يؤدي إلى خلل معرفي داخل البناء الثقافي للمجتمع نتيجة عدم أخذ الوضع الاقتصادي/ الاجتماعي في الاعتبار عند الاشتباك مع النص الديني، بل يكتفي الخطاب الثقافي الذكوري بترديد عبارات نمطية عن طبيعة المرأة وتكريم الدين لها الخ الخ.

على هذا الأساس النفسي يمكنا تفكيك وفهم الذعر المُغلف بغطاء ديني بالنسبة للمواطن المسلم خصوصًا، إلى جانب فهمنا لثقل ما يحمله المجتمع من ثقافات قرون غابرة وقوانين مُنبثقة منها، والتي عملت في منطقتنا العربية على خلق مجتمع غير متزن، ولم تحترم الخصوصية البشرية، والتي في أساسها تظلم مع مرور الزمن الرجل المسلم في جعله يفكر بشكل مقلوب حيث يفهم المساواة وتوزيع الأدوار واحترام الكفاءة دون النظر لجنس صاحبها تخل من مكانته وتنتقص من حقوق تم التسويق لها على أنها حقوق إلهية كون الفرد ذكرًا. ولكن لو نظرنا للسلوكيات الذكورية المغلفة بالدين بشكل عقلاني، سنجد أن كثيرًا منها لا يستمد من قواعد إلهية بل أحكام وضعية تجاوزها الزمن.

صورة أرشيفية من مظاهرة نسوية في تونس. أغسطس 2013. تصوير: أمين جرامي. المصدر: فليكر - مفتوحة المصدر.

متغيرات ثورية

حملت السنوات التالية على الثورة التونسية متغيرات كثيرة على أرض الواقع، فقد تبعتها بطبيعة الحال شدة اقتصادية كبيرة دفعت بالمرأة أكثر إلى سوق العمل لإعالة الأسرة، وتنامت مساهمتهن في القطاعات الصاعدة كالخدمات والإعلانات والاتصالات وغيرها، إلى جانب تواجدها في الزراعة وحتى الصناعات الثقيلة.

يعيد ذلك تشيكل وضع المرأة التونسية على نطاق الدولة ككل، وليس فقط داخل كيان الأسرة النووية المتشكلة حديثًا والتي لعبت فيها المرأة دورًا كبيرًا من حيث الإعالة المادية، واعتمدت عائلات كثيرة على امرأة لإعالتها، كل ذلك يتم تجاهله في لحظة توزيع الإرث، إذا حصلت المرأة على إرثها من الأساس.

عندما تنجح الثورات تنبثق عنها قوانين ثورية وغير تقليدية في محيطها، وهذا سبق وأن حدث بعد نجاح الثورة البلشفية 1917. أستاذة دراسات الجندر الأمريكية كريستين جوديس تتبعت في مقال نشرته نيويورك تايمز وضع المرأة في الدول الشيوعية مع إطلاق ما عرف في الاتحاد السوفيتي بـ"الثورة الجنسية" التي تصفها الشيوعية ألكساندرا كولونتاي، وهي أول سفيرة في التاريخ الحديث، بأنها محاولة لـ"تحرير الحب من الاعتبارات الاقتصادية".

وبفضل القوانين الثورية حصلت النساء السوفيتيات على حقهن في التصويت عام 1917 قبل نظيراتهن في الأمريكيات (1920) والفرنسيات (1944)، وعملت الأنظمة الشيوعية الثورية الناشئة – وقتها- على تحرير المرأة من قوانين الطلاق المجحفة، كما تغيرت الصورة النمطية عن الأعمال المنزلية كشأن نسائي صرف.

في مصر، على سبيل المثال، 30% من الأسر المصرية تعولها سيدة بواقع عدد 12 مليون امرأة معيلة. وهؤلاء النساء هن من يعتنين بأسرهن وأحيانا هن مدخل الرزق الوحيد.

بالنظر إلى التاريخ سنجد أن تغيرات اقتصادية واجتاعية هائلة حدثت بعد الثورة البلشفية كما يحدث في تونس الآن. وقد أشارت راضية الجربي، رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، إلى أن التغيرات الاقتصادية توجب بالضرورة حدوث تغيير اجتماعي تقترن به تعديلات تشريعية.

في حديث صحفي يسبق تشريعات الإرث توضح الجربي أن "الوضع الاقتصادي لتونس اليوم يفرض أن تكون المرأة شريكًا متساويًا مع الرجل. فالمرأة التونسية تساهم وتساعد في اقتصاد الأسرة بشكل فعلي وبارز وهو ما يحتم علينا التفكير في تمكينها ومن المساواة الكاملة مع الرجل". وأضافت الجربي أن هذا الواقع يلاحظه الجميع والإحصائيات تقول إن الفتيات اللاتي يعملن معينات منازل هن اللاتي يعلن عائلاتهن، ونعلم أنهن في ما بعد محرومات من الميراث. وعند اقتسام الميراث يتم حرمانهن من نصيبهن الذي ساهمن به من مالهن وجهدهن الخاص.

وحسمت الجربي الأمر أن مسألة المساواة في الميراث يمكن النظر فيها في تونس حيث لا توجد مواضيع يحظر نقاشها.

صورة أرشيفية من مظاهرة نسوية في تونس. أغسطس 2013. تصوير: أمين جرامي. المصدر: فليكر - مفتوحة المصدر.

لخصت الجربي الوضعية الصعبة التي تُعاني منها النساء لكن ليس فقط في تونس بل في أغلب الدول العربية خصوصًا العاملات في بيئة زراعية. في مصر، على سبيل المثال، 30% من الأسر المصرية تعولها سيدة بواقع عدد 12 مليون امرأة معيلة. وهؤلاء النساء هن من يعتنين بأسرهن وأحيانا هن مدخل الرزق الوحيد، وهن في نهاية المطاف من يبنين المنزل أو يشاركن بقسط هام في بنائه ومنهن من يشترين العقارات ويساهمن في كل ممتلكات الأسرة، لكنهن محرومات من الميراث كليًا. وبالإضافة إلى غياب المساواة في حقوقهن مع الرجال، كما يواجهن النظرة الدونية في المجتمع حتى لو كن يشاركن بقسط كبير في تنمية ثروة المجتمع ككل.

بعيدًا عن الأغنيات

تبدو تونس اليوم محاطة بمجال إقليمي رجعي خاصة بعد أن تمكنت منه الثورة المضادة، ما يعني أن قوانينها ستكون عرضة لانتقادها وتشويهها والتقليل منها، لكنها تبقى قوانين ثورية وتقدمية ومدنية بامتياز.

ومهما كانت العادات والتقاليد متعنتة، والقوانيين متأخرة في اللحاق بمستجدات الواقع، فلا شك أن تونس قدمت لنا نموذجًا يحتذى وخطت خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، لإعادة التوزان الإجتماعي والنفسي داخل المجتمع، وأدركت أن إصلاح المجتمع لا يعتمد فقط على حملات التوعية بدور المرأة أو إصدار إغنيات جديدة كل عيد أم، بل يجب أن يتم دعمه شبكة متكاملة من القوانين والهيئات التي تعيد هيكلة وضبط وضع وحقوق المرأة داخل المجتمع، والتشديد والتأكيد على العمل بهذه القوانين والتوصيات وتنفيذها على أرض الواقع.


اقرأ أيضًا: في مديح الحب ونقد ثنائية "الديوث - الذكر" لمعز مسعود