الرئيس عبد الفتاح السيسي- صورة مفتوحة المصدر من فليكر

تداول السلطة كل ثماني سنوات: وعود رئاسية تبخرت تحت قبة البرلمان

أنا مع الالتزام بفترتين رئاسيتين مدة الواحدة منهما 4 أعوام، ومع عدم تغيير هذا النظام.

وعود قاطعة أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة خلال السنتين الماضيتين، بأن يلتزم بالبقاء في مقعد الرئاسة لفترتين رئاسيتين لا تتجاوز الواحدة منهما أربع سنوات، وبالالتزام بنصوص الدستور وعدم تعديلها ليطيل بقاءه في السلطة، غير أن هذه الوعود الرئاسية تبخرت تحت قبة البرلمان الذي يناقش تعديلات دستورية ستتيح للسيسي البقاء في السلطة 12 سنة إضافية بعد نهاية ولايته الثانية في عام 2022.

معظم هذه الوعود، خاصة تلك التي كان السيسي قاطعًا فيها، جاءت خلال تصريحات وأحاديث صحفية لوسائل إعلام أجنبية، مرة لقناة PBS الأمريكية في سبتمبر/ أيلول 2016، ومرة ثانية للتلفزيون البرتغالي في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، ومرة ثالثة لشبكة CNBC الأمريكية في نوفمبر 2017.

ولكن في 14 فبراير/ شباط 2019، أعلن مجلس النواب المصري الموافقة المبدئية بأغلبية أعضائه على تقرير اللجنة العامة بشأن مقترحات بإجراء تعديلات دستورية تقدّم بها ائتلاف دعم مصر- صاحب اﻷغلبية البرلمانية، تتضمن زيادة المدة الرئاسية الواحدة إلى ست سنوات.

ورغم استمرار تقييد بقاء الرئيس في منصبه لمدتين رئاسيتين فقط، فإن التعديلات تضمنت مادة انتقالية تتيح لـ "الرئيس الحالي" الترشح مجددًا ولمدتين اثنين، ما يعني أن السيسي سيكون قادرًا على البقاء في منصبه حتى عام 2034 إذا ترشح وفاز في الانتخابات الرئاسية.

مفيش أبد، الأبد أصل هو بينتهي بعمر الإنسان، يعني مفيش أبد، يعني مفيش في المطلق، يعني ماحدش هيقعد 100 سنة و200 سنة…. الشعب إذا عايز يغير.

لا ديكتاتورية في مصر

في مقابلة مع قناة PBS أكد السيسي خلال إجابته عن سؤال حول حالة حقوق الإنسان في مصر وتزايد حالات حبس الصحفيين أكد السيسي أنه "لن يكون هناك أي رئيس قادر على الجلوس على كرسيه يومًا واحدًا إضافيًا بعد انتهاء مدة ولايته، لأن الدستور يقول ذلك والمصريين أنفسهم لن يسمحوا بذلك".

وتابع السيسي "نحاول إحداث التوازن بين الأمن والاستقرار، وإذا تعرضت الدولة لهزة عنيفة سيكون له تداعيات كبيرة على البلد والمنطقة، وفي نفس الوقت فنحن ملتزمون بسيادة القانون. أود لك أن تتابع وسائل الإعلام المصري، وستجد أنه يتحدث بحرية ويعبر عن أي شيء.. لا يوجد ديكتاتورية في مصر، وما زال لدينا في المجتمع المصري من لا يمارس المعارضة ولكنه يمارس العنف".

وفي الحوار نفسه أكد السيسي على أن مصر بعد ثورة 25 يناير أصبحت دولة "بها مؤسسات وأي رئيس مصري لا يمكن أن يبقى في الحكم ليوم واحد بعد انتهاء مدة رئاسته، وبمنتصف 2018 يجب أن يكون هناك انتخابات رئاسية فهذا تغيير أساسي".


من مكاسب الثورة

بعد شهرين، أدلى السيسي بحديث للتلفزيون البرتغالي، أكد خلاله أن تداول السلطة في مصر سيحدث كل أربع سنوات، ولن يستمر رئيس في مكانه بعد نهاية ولايته الرئاسية باعتبار ذلك أحد "مكاسب الثورة"، وأكد على أن "مفيش ديكتاتورية ولا فيه استمرار في السلطة".

وجاء ردّ الرئيس على المحاور بتأكيد هذه الصفّة على البلاد التي يحكمها منذ عام 2014، بقوله "في مصر مفيش مكان لديكتاتور خلاص. في مصر، هيتم تداول السلطة كل أربع سنوات، ولن يستطيع أي حاكم في مصر إن هو يستمر في مكانه بعد انتهاء فترة ولايته".


في معرض هذه الإجابة، شدد الرئيس على قُدسية النصّ الدستوري، بقوله "طبقًا للقانون وطبقًا للدستور ولإرادة المصريين. ده أمر لازم تكونوا متأكدين منه، مفيش ديكتاتورية ولا فيه استمرار في السلطة للأبد في مصر".

وحينها أكد الرئيس على ضرورة التزامه وغيره من الحُكام المحتملين للبلاد بفترة الرئاسة المُقرّة دستوريًا "كل أربع سنوات، ده تيرم رئاسة، ويبقى من حق الشعب إن هو يختار رئيس تاني".

واختتم السيسي تلك الإجابة باعتبار تحديد فترة الرئاسة أحد مكاسب البلاد "دي أحد مكاسب الثورة والدستور والقانون. مفيش مجال لحد إنه يقعد في مكانه أكتر من مُدّته".


مع عدم تغيير النظام

لن يستطيع أي رئيس أن يظل في السلطة أكثر من الوقت الذي يسمح به الدستور والقانون، وهو 8 سنوات.

أما في نوفمبر 2017 فكان السيسي أكثر وضوحًا، ليس فقط بتأكيده أن أي رئيس لن يبقى في منصبه يومًا واحدًا بعد انتهاء ولايته الدستورية، بل شدد خلال مقابلة مع قناة CNBC أنه شخصيًا ضد إدخال أي تعديل على المواد المتعلقة بالفترات الرئاسية.

وجاء على لسان السيسي خلال هذا الحوار "أنا مع الالتزام بفترتين رئاسيتين مدة الواحدة منهما 4 أعوام، ومع عدم تغيير هذا النظام، وأقول إن لدينا دستورا جديدا الآن، وأنا لست مع إجراء أي تعديل في الدستور في هذه الفترة".

وأضاف أن "الدستور يمنح الحق للبرلمان وللرئيس في أن يطلبا إجراء تعديلات، وأنا لا أتحدث هنا عن فترات في منصب الرئاسة، فهذه لن نتدخل فيها، ولهذا لن يستطيع أي رئيس أن يظل في السلطة أكثر من الوقت الذي يسمح به الدستور والقانون، وهو 8 سنوات".

وتابع "لا يناسبني كرئيس أن أجلس يومًا واحدًا ضد إرادة الشعب المصري، وهذا ليس مجرد كلام أقوله فقط أمام شاشات التلفزيون، فهذه قيم أعتنقها ومبادئ أنا حريص عليها وأي رئيس يحترم شعبه ومبادئه لن يظل يومًا واحدًا في منصبه ضد إرادة شعبه".

"مفيش أبد"

قبل كده كان الكلام على إنه استفتاء يتعمل في البرلمان، يعني مش هقول، لا أقدح في أي شيء، لكن عايز أقول كان ده المنهج اللي موجود.

بالإضافة إلى وعوده عبر وسائل الإعلام الأجنبية، فقد أطلق السيسي عددًا من التصريحات التي أكد خلالها أن اهتمامه كان مُنصبًا على قيادة الجيش المصري، كما ورد في كلمته التي ألقاها خلال مؤتمر حكاية وطن الذي انعقد في يناير/ كانون الثاني 2018.

في ذلك المؤتمر قال الرئيس نصًا "كنت أعتبر أن قمة طموحي قد وصلت إليها حين توليت قيادة الجيش المصري العريق. وأُشهد الله أنني ما كنت طالبًا لمنصب أو سلطة، ولا متطلعًا لأي مهام أخرى بعد انتهاء مهمتي في قيادة الجيش".

وتلى قول الرئيس في ذلك المؤتمر، حديث آخر له، عن الحكم، أبدى فيه رأيه حول فكرة بقاء الرئيس في الحكم والاستفتاء عليه، وذلك في جلسة "رؤية شبابية لتحليل المشهد السياسي المصري ضمن مؤتمر الشباب" التي انعقدت في مايو/ أيّار 2018.

في تلك الجلسة قال الرئيس "احنا بنتكلم في الانتخابات الرئاسية على سبيل المثال، قبل كده كان الكلام على إنه استفتاء يتعمل في البرلمان، يعني مش هقول، لا أقدح في أي شيء، لكن عايز أقول كان ده المنهج اللي موجود، أو المسار اللي كان بيتعمل بيه…. بقى في انتخابات، شعب بينزل يختار".

كما كان للرئيس رأي حول فكرة البقاء في الحكم، والتي أثارها أحد الشباب خلال إحدى جلسات منتدى شباب العالم 2018، بسؤاله عن الحكام الذين يريدون البقاء في السلطة إلى الأبد.

في تلك الجلسة قال الرئيس "مفيش أبد، الأبد أصل هو بينتهي بعمر الإنسان، يعني مفيش أبد، يعني مفيش في المطلق، يعني ماحدش هيقعد 100 سنة و200 سنة…. الشعب إذا عايز يغير".

اعتراضات نيابية

مقترحات تعديل الدستور قوبلت بردود فعل بين التأييد الذي كان من جانب أعضاء ائتلاف دعم مصر، ذي الأغلبية البرلمانية، والرفض الذي جاء من جانب 16 نائبًا هم المنتمين لتكتل 25/30 المعارض، ومعهم فايزة محمود عضو حزب مستقبل وطن، وعضو ائتلاف دعم مصر ذو الأغلبية البرلمانية صاحب طلب التعديلات الدستورية.

وكان أحد أكثر المواقف الرافضة وضوحًا ومباشرة هو الذي بدا من النائب أحمد الطنطاوي، عضو تكتل 25/30، والذي وصف خلال إحدى الجلسات النقاشية حول مقترحات التعديلات ما يفعله المجلس بأنه "باطل دستوريًا".

وتنصّ المادة 226 من الدستور على أنه "…. وفى جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أوالمساواة، ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات".

ودائمًا ما يُشدد الرئيس على فكرة احترام الدستور والقانون، كما كان في كلمة ألقاها في فبراير/ شباط 2018 ، وقال خلالها "اللي بيحكم مصر قانون. اللي بيحكمنا في مصر قانون. واظن إن السنين اللي فاتت أكدت إن مش ممكن يتعمل إجراء خارج إطار القانون ضد أي حد منقدرش نعمل كدا".

وعلّق النائب طنطاوي على استحداث المادة الانتقالية بقوله إن المجلس "ليس من حقه إلا أن يعدّل، لا أن يستحدث مادة جديدة تُخالف كل الأعراف القانونية واللائحية"، ووصف المادة الانتقالية الخاصة بمنح أحقية الترشح للرئيس الحالي بأنها "انتفت عنها صفة العموم والتجرد"، وقال إنها "مُفصّلة لشخص واحد، يتبقى أن نفتح قوسين ونذكر اسمه".


اقرأ أيضًا: يوميات صحفية برلمانية| 10 ساعات من: "وأفوض أمري إلى الله" ولعنة الله على الديمقراطيات و"مصر عارفة وشايفة"