سيمبا من فيلم The Lion King. صورة من الصفحة الرسمية للفيلم: فيسبوك

هاكونا ماتاتا: الواقع يهزم الخيال في The Lion King الجديد

تخلّى صناع الفيلم بشكل كبير عن الخيال من أجل الواقعية؛ التي أبدعوا فيها أيما إبداع، خاصة مع التطور التكنولوجي الكبير الذي واكب صناعة السينما في الفترة الأخيرة.

كما هو متوقع، استطاعت النسخة الجديدة من فيلم The Lion King أن تجذب انتباه الجمهور حول العالم، فحقق الفيلم في أسبوعه اﻷول إيرادات أكثر من 200 مليون دولار في أمريكا، بإجمالي أكثر من 500 مليون دولار حول العالم.

هذا النجاح الباهر كان متوقعًا منذ أن بزغت فكرة عمل الفيلم في عقل صُناعه لأول مرة. فهذا العمل كان يحمل في داخله كل عوامل النجاح التي يحتاجها أي فيلم ليحلق في سماء الأفلام، التي حققت أعلى إيرادات في تاريخ السينما.


ومع عرض النسخة الجديدة من The Lion King تقابلنا مجموعة من الأسئلة أهمها؛ ما الجديد في هذه النسخة؟ وما الذي يميزها عن النسخة الأولى التي عُرضت عام 1994 أي منذ ربع قرن بالتمام والكمال؟ خاصة أن النسخة القديمة أسطورية، حازت على إعجاب الجمهور في كل أنحاء العالم، والسؤال اﻷوسع هو؛ ما الذي يميز هذه النسخة الجديدة من أفلام ديزني عن سابقتها؟

لا تنتظر قصة جديدة

الحقيقة أن تلك النسخة تتطابق تقريبًا مع سابقتها من حيث الشخصيات والأحداث والسيناريو والحوار، ربما توجد بعض التغييرات القليلة التي سنتناولها، ولكن في المجمل نفس كل شيء ما عدا أن الأولى رسوم متحركة والثانية جرافيك، وبسبب هذا الفارق اختلفت عدة أشياء جوهرية، لتميز بين النسختين الأولى والثانية.


والرسوم المتحركة هي مجموعة من الرسومات التي تصور عبر تقنية خاصة لتوحي بالحركة، عبر وضع هذه الرسومات فوق بعضها بعضًا.

وهي عملية معقدة للغاية تحتاج إلى جيش من الرسامين، الذي يرسمون كل حركة طفيفة لكي توحي بعد ذلك بالحركة وبالتالي بتطور الحدث. وهذه العملية كانت تنفذ عبر الرسم باليد وتطورت كثيرًا في الفترة الأخيرة، لتنفذ عبر برامج الكومبيوتر المختلفة، التي تعمل على رسم الشخصيات والأجواء المحيطة بها وتلوينها، ثم أخيرًا تحريكها للإيحاء بالسيولة الحركية في المكان والزمان، بالكيفية التي يستوعبها العقل البشري.

الجرافيك وحلم الواقعية

ولكن النسخة الجديدة تخلت تمام عن فكرة الرسوم المتحركة المرسومة باليد، لتنفذ كلها عبر تقنية الجرافيك، أي عن طريق برامج الكومبيوتر التي يستخدمها الرسامون لنسج وتحريك الشخصيات والأجواء، وبالتالي توفر الكثير من الوقت والموارد البشرية والمادية.

ولكن وبسبب أن الموضوع أصبح أكثر يسرًا فلقد تطلب الأمر من صناع أفلام الرسوم المتحركة أن يدخلوا إلى معترك أكثر صعوبة، بعدما تغلبوا على الصعوبات الماضية عبر الكومبيوتر. هذه الصعوبة هي فكرة الواقعية؛ التي هي حلم يداعب الفنان دائمًا، فيجعله يجري دائمًا وراءه من أجل تحقيقه.

وهذا هو ما حدث بالفعل في النسخة الجديدة من فيلم The Lion King حينما تخلى صناع الفيلم بشكل كبير عن الخيال من أجل الواقعية؛ التي أبدعوا فيها أيما إبداع، خاصة مع التطور التكنولوجي الكبير الذي واكب صناعة السينما في الفترة الأخيرة، بالإضافة بالتأكيد إلى الاهتمام بتصوير الحياة البرية بشكل أكبر وأكثر دقة، ما ساعد صنّاع اﻷفلام على معرفة كيف تعيش الحيوانات البرية، وتتحرك وتتعامل مع بعضها وفي مواقف عدة.

لذا حينما نشاهد الفيلم نشعر وكأننا نشاهد أسودًا وضباعًا وحيوانات أخرى حقيقية بالفعل. ومع تقنية ثلاثية الأبعاد 3D، نشعر أننا قادرين على لمس هذه الحيوانات، وكأن حلم من اخترعا السينما وهما الأخوان لومير يتحقق في هذا الفيلم، فهذا الفيلم يبدو لنا واقعيًا للغاية.

ولكن هذه الواقعية جعلت صنّاع الفيلم يتخلّون عن أمور ميّزت النسخة الأولى تمييزًا كبيرًا.

ويأتي هذا ضمن مدرسة واقعية الصور التي بدأت في ستينيات القرن الماضي في الفن التشكيلي، ثم تأثرت بها وسائط فنية أخرى كالسينما في الفترة الأخيرة، حتى أصبحت هوسًا لدى البعض، حيث يتبارى الفنانون في أن تكون أعمالهم نسخة طبق الأصل من الواقع، وهو حلم يداعب الإنسان الفنان منذ الأزل، ويبدو أنه سيستمر في ملاحقته ومداعبته إلى الأبد.

واقعية ناشونال جيوجرافيك

ولكن هذه الواقعية جعلت صنّاع الفيلم يتخلّون عن أمور ميّزت النسخة الأولى تمييزًا كبيرًا، فالخيال كان يجعل الأسود والحيوانات تشبه البشر من ناحية تعبيرات الوجه والحركة والمشاعر، وهو ما لم يستطع صناع النسخة الجديدة تقديمه بسبب تمسكهم بالواقعية.

ولكن فضّلوا أن تخرج تعبيرات وجه الحيوانات بشكل أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان، فلا نجد الحيوانات وهي تضحك بصخب أو تبكي بحرقة مثلما كانت تفعل في النسخة الأولى، وهو ما أفقد الفيلم الكثير من فيضان المشاعر ، وبالتالي يجعل المشاهد غير قادر على التماهي كلية، مع هذه الحيوانات.

بالإضافة إلى ذلك فضّل صناع الفيلم أن يتخلّوا عن البهرجة في الاستعراضات التي قُدمت في النسخة الأولى. هم لم يتخلوا بالتأكيد عن الأغاني والاستعراضات، وذلك لأنها من أكثر السمات التي تميّز الفيلم، ولكنهم تخلّوا عن صبغ هذه الاستعراضات بحالة من الخيال والفانتازيا، كالألوان التي تأتي من العدم أو الحيوانات وهي تكوّن تشكيلات بأجسادها، أو الحيوانات وهي ترقص على أنغام الموسيقى، وكأنهم بشر يرقصون على خشبة المسرح.

كل هذه الصور لا تمت بالتأكيد للحياة البرية بشيء، ولذلك قرر صناع الفيلم التخلي عنها، وتقديم الأغاني والاستعراضات بطريقة واقعية للغاية، ولكنها بالتأكيد أفقدت هذه الاستعرضات النكهة الخيالية الحالمة، التي عرفناها جميعًا وأحببناها في النسخة الأولى.


ولكن هل معنى ذلك أن النسخة الأولى أفضل من الثانية؟ بالتأكيد لا. وذلك لأن كل منهما لها طابع خاص، فالثانية تتميز بالعديد من الأشياء التي تمس الجيل الحالي، أي جيل الألفية الجديدة، وهو ما يؤكد أن إعادة إنتاج الأفلام ليس إفلاسًا فكريًا من شركة ديزني، بل هو تطوير لهذه الأفلام من حيث الشكل والمضمون.

دم جديد في أجساد قديمة

في الفترة الماضية قامت شركة ديزني بإعادة إنتاج أفلام رسوم متحركة كانت قد أنتجتها من قبل ولكن هذه المرة في شكل واقعي [1] Live Action أو ضمن مدرسة واقعية الصورة [2] Photorealistic.

ومن هذه الأفلام فيلم Maleficent عام 2014 [3] وهو إعادة انتاج لفيلم Sleeping Beauty الذي أنتج عام 1959 [4] وفيلم Cinderella عام 2015 [5] وهو إعادة انتاج لفيلم بنفس الاسم عرض عام 1950، وفيلم The Jungle Book عام 2016 [6] وهو إعادة انتاج لفيلم بنفس الاسم عرض عام 1967.

وفيلم Beauty and the Beast إنتاج عام 2017 [7] وهو إعادة إنتاج لفيلم بنفس الاسم عرض بعام 1991، وفيلم Dumbo عام 2019 [8] وهو إعادة إنتاج لفيلم بنفس الاسم عرض عام 1،941 وفيلم Aladdin بعام 2019 [9] وهو إعادة انتاج لفيلم بنفس الاسم عرض عام 1992.

وقد أعلنت شركة ديزني عن إعادة إنتاج عدة أفلام أخرى لاقت نجاحًا كبيرًا طوال تاريخها، مثل فيلم Lady and the Tramp الذي عرض عام 1955[10]، وفيلم Mulan الذي عرض عام 1998[11]، وفيلم The Little Mermaid الذي عرض عام 1989[12].

وفيلم The Hunchback of Notre Dame الذي عرض عام 1996[13]، وفيلم Lilo & Stitch الذي عرض عام 2002 [14] وفيلم Pinocchio الذي عُرض عام 1940[15]، وفيلم Snow White and the Seven Dwarfs الذي عرض عام 1937[16]، وهو أول فيلم رسوم متحركة طويل تنتجه شركة ديزني.

ما الجديد؟

بخلاف ما تعلنه شركة ديزني أن هذه الأفلام هي إعادة إنتاج لأفلام الرسوم المتحركة، ولكن في شكل واقعي بالاستعانة بممثلين حقيقيين، فإنها أيضًا تنحو أكثر إلى فكرة الواقعية في التصوير بشكل عام من ناحية الشكل والأداء والحركة وتعابير الوجه وطريقة الكلام. وهذا يسقى عطش جيل الألفية إلى فكرة التجسيد الأكثر واقعية.

الجيل الجديد الذي تربى على ألعاب الفيديو لم يعد يحب الألعاب القديمة، بل أصبح لديه هوس مستمر بفكرة التجسيد عبر تقنية ثلاثية الأبعاد 3D أو الواقع الافتراضي Virtual Reality، وبذلك لم يعد قانعًا بالرسوم المتحركة التي كانت لا تهتم كثيرًا بالواقعية، بقدر اهتمامها بفكرة الاستعانة بالحيوانات عن الإنسان.

بالإضافة إلى ذلك فاﻹصدار الجديد من The Lion King يداعب هذا الجيل في أمور أخرى أيضًا، بخلاف الشكل الفني حيث لجأ إلى ممثلين ومغنين جدد، يعرفهم هذا الجيل جيدًا ويحبهم، ومنهم شخصيات ليس لها علاقة بالتمثيل، مثل مقدمي البرامج التليفزيونية المشاهير، أو مغنيي الراب أو نجوم الاستاند أب كوميدي أو أطفال ظهروا في برامج المواهب فلقوا شهرة واسعة.


قبول الاختلافات

ومن السمات الواضحة في أفلام ديزني الحديثة الاهتمام بمسألة تقبل الآخر مهما كان مختلفًا، من جهة لون البشرة أو الجنسية أو النوع أو الميول الجنسية أو الشكل الجسماني أو النمو العقلي، وهو ما حدث بالفعل في النسخ الجديدة من أفلام مثل Beauty and the Beast وAladdin حيث نجد دورًا أكبر للمرأة، من حيث أنها هي التي تقوم بدور فعال ونافذ، قادر على تغيير مجرى الأحداث وحتى أفكار الأبطال الذكور إلى الأفضل، مثلما غيرت بيل/ الجميلة أفكار الوحش/ الأمير، وأيضًا أفكار أهل قريتها أنفسهم.

وأيضًا مثلما فعلت الأميرة ياسمينا عبر تغيير أفكار علاء الدين وتحفيزه، وأيضًا تغيير وإقناع حراس القصر وجيش المملكة بأن الحاكم الظالم لا يجب اتباعه، وأن الحاكم يجب أن يكون عادلا حتى يحكم بين الناس بالعدل.

أو حينما تحمّس نالا الإناث من الأسود للانضمام إلى سيبما للثورة على عمه سكار، الذي قتل أبيه واغتصب العرش وطرد سيمبا من مملكته، وتسبب في جدب الأرض بعد قتل جميع الحيوانات، بسبب طمعه هو وأصدقاءه من الضباع الشرهة.

وبهذا نجد أن تزاوج الأفكار النسوية مع أفكار الحكم الرشيد هي التي تسيطر على النسخ الجديدة من الأفلام، وهي أفكار جديدة ظهرت لدى فلاسفة ومفكرين في فترة السبعينيات من القرن الماضي، وأصبح لها صدى كبير في الوسائط الفنية المختلفة ومنها السينما وبالتحديد الأفلام المقدمة للأطفال والنشء مؤخرًا. وهي أفكار جديدة تمامًا، لم تتطرق إليها النسخ القديمة بهذا الشكل وهذه المباشرة وهذا التركيز.

قبول المثليين

واهتمت ديزني أيضًا بقبول المثليين، فنجد شخصية مثلية في فيلم Beauty and the Beast. أو وجود شخصية سمراء في فيلم Aladdin وهو الجني، أو فيالاستعانة بممثلين عرب في نفس الفيلم لأنها حكاية عربية في الأساس مقتبسة من الكتاب الشهير ألف ليلة وليلة، أو الاستعانة بممثلين من أصول أفريقية في فيلم The Lion King لأنها قصة تدور أحداثها في أفريقيا.

وكذلك محاربة التنمر الذي يمارس على من يختلفون في الشكل الجسماني، مثلما يحدث مع بومبا، أحد شخصيات النسخة الجديدة من فيلم The Lion King الذي حينما ينعته أحد الضباع بأنه سمين للغاية، يتحول هذه الخنزير البري، المؤمن بفلسفة "هاكونا ماتاتا" التي تدعو إلى التغاضي عن القلق وحب الحياة، إلى شخصية شجاعة غاضبة بقادرة على مواجهة كل الضباع، التي تقف في طريقة وذلك لأنه لا يسمح لأي شخص بأن يهينه بسبب شكله الجسماني.

نوستالجيا

صناع هذه النسخ الجديدة يعرفون جيدًا، حتى قبل إصدار هذه الأفلام، أنها ستنجح نجاحًا كبيرًا بسبب نجاحها من قبل، حيث أن هذه الأفلام تستطيع بخلاف أنواع فيلمية أخرى عديدة استمالة الصغار والكبار، فالكبار لا يدخلون هذه اﻷفلام مع صغارهم فحسب، لكن النوستالجيا تدعوهم إلى دور السينما كذلك، حتى يسترجعوا الذكريات التي صاحبت مشاهدتهم اﻷولى حينما كانوا صغارًا.

وبذلك استطاعت شركة ديزني أن تضرب عدة عصافير بحجر واحد، وهذا ما يفسر هذا النجاح الباهر لهذه الأفلام، وهذه الإيرادات الضخمة التي تحققها في الألفية الجديدة، التي شكلت نجاحًا مضمونًا لشركة ديزني.

وبهذا تحقق النسخة الجديدة من فيلم The Lion King ومعها كل النسخ الجديدة من أفلام ديزني القديمة، الكثير من الآمال التي رغب فيها الجمهور قبل صناع الأفلام؛ أهمها هذه الواقعية والتجسيد الذي يكاد يطابق الواقع، وأيضًا القيم الأخلاقية التي تعرض على شاشة السينما لتأخذ مكانها في رؤوس وصدور الأطفال، من أجل عالم جديد قادر على تقبل الآخر مهما كان شكله أو لونه أو جنسه أو نوعه.