هشام فؤاد.. جندي الأمل

في سبتمبر 2007 وقت الإضراب الشهير لعمال شركة غزل المحلة، أرسل الاتحاد العام لعمال مصر، ورئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج ورئيس النقابة العامة للغزل والنسيج وسيطًا للاتفاق مع العمال على عقد جلسة تفاوضية لإنهاء الإضراب والنظر في المطالب، فأصر العمال أن يحضر التفاوض صحفي كان يغطي الاعتصام.

رُفِضَ المطلب وأصر العمال، حتى تدخل الصحفي وطالب قيادات العمال بالتنازل عن هذا الطلب حتى لا يكون سببًا في تعطل المفاوضات. استجاب العمال لما قاله وحضروا المفاوضات. هذا الصحفي اسمه هشام فؤاد.

هشام وسط عمال غزل المحلة سبتمبر 2007 

نظرة لفاطمة وسيف

تجد الصحفية مديحة حسين، نفسها في ورطة كل ليلة فـ "الحزن يولد فى المساء". هنا، بالمعنى القريب، في المنيل حيث تسكن مع ولديها سيف (18 سنة) وفاطمة (21سنة). وهناك، بمعناه البعيد، في سجن ليمان طرة حيث يقبع زوجها ووالد أبنائها هشام المتهم بالاشتراك في تنظيم اسمه "إحياء الأمل".

لا تملك مديحة سوى الأمل في أن يكون "إتش" بينهم قريبًا، يتوقف سيف عن سؤالها عن أسباب تفاؤلها هذه المرة، بينما تلاعب فاطمة الكلب "ويسكي" وتمشط شعره وتكذب عليه "هشام أهوه"، يلتفت الكلب ناظرًا إلى الباب فلا يجد أحدًا، يعيد رأسه بين رجليه منتظرا صاحبه. ينتظر "ويسكي" كفاطمة انتهاء هذا الكابوس بسرعة.

فجر الثلاثاء 25 يونيو/ حزيران اقتحمت قوات الأمن منزل هشام فؤاد بالمنيل، حبسوا زوجته وأبناءه في غرفة، وفتشوا كل شبر في الشقة، أخذوا كتبا وأوراقا وجرائد قديمة، وقبضوا على هشام، وظهر بعدها بساعات في نيابة أمن الدولة العليا على ذمة القضية 930 لسنة 2019، المعروفة باسم "معتقلي الأمل"، تقول مديحة "لم تفارقني نظرة هشام لفاطمة وسيف لحظة القبض عليه".

لافتة في مدخل نقابة الصحافيين المصريين

أول قبضة

التجربة الأولى عادة ما تكون الأصعب، وهذه هي المرة الأولى التي يلقى القبض فيها على هشام، لكنه ليست أولى المواجهات التي يخوضها الصحافى والنقابي الذي يحمل هموم مهنته ونقابته، ويؤمن بأن "كل من يملك تحريك الماء الراكد ولا يفعل فهو متخاذل"، ويأبى هشام أن يكون متخاذلًا.

في جامعة القاهرة بداية التسعينات كان هشام الطالب بكلية الإعلام، أحد قادة مظاهرات دعم الانتفاضة الفلسطينية وتنظيم مظاهرات الطلاب في فبراير 1991.

ومع انضمامه لنقابة الصحفيين في منتصف التسعينات رأي بعين المهتم إهمالًا واضحًا لشباب الصحفيين مع سيطرة من "العواجيز" على النقابة، فأسس هشام جماعة سمَّاها "صحفيو الغد" ضمَّت شبابًا من تيارات سياسية مختلفة، وأصدرت أوراقًا يناقشون فيها مشكلاتهم وأحلامهم لأنفسهم ومهنتهم.

هشام فؤاد يشارك في مظاهرة للمطالبة بحرية الصحافة

أول انتخابات

في هذه الفترة حاول هشام الترشح لعضوية مجلس نقابة الصحفيين لكن لم يحالفه الحظ، فكانت المرة الأولى والأخيرة له، وآثر بعدها أن يعمل في الظل مدافعًا عن النقابة ككيان ونقابيين، جامعًا الأعضاء حول هدف مشترك بعيدًا عن الخلافات. فرغم أنه محسوب على ما يسمى تيار الاستقلال داخل النقابة، فهو من القلائل الذين يتمتعون بعلاقة قوية مع باقي التيارات لما يمتلكه هشام من قدرة على التوافق.

بدأ هشام العمل في الصحافة من مصر الفتاة وانضم إلى نقابة الصحفيين من صحيفة العربي التي ظلت لسنوات طويلة منبًرا فاعلا لقضايا العمال والفلاحين. وكمسؤول عن الملف العمالي انتقل هشام إلى أكثر من صحيفة من بينها البديل التي كانت صوتا عاليًا للعمال والفلاحين في سوق الصحافة، ومع تصاعد الحركة العمالية في مصر بداية من 2006 كان لهشام دور كبير في تعريف القراء بمطالب العمال، في ظل حرب قادتها الصحف الحكومية وعدد من الصحف الحزبية والمستقلة.

وجد عمال غزل المحلة في هشام الذي يغطي الاعتصام أكثر من مجرد صحفي، فهو مهتم بكل تفاصيل الاعتصام بداية من تنظيم لجان الإعاشة، وصولًا إلى المفاوضات مع الإدارة فكان من الطبيعي أن يثق فيه العمال ويطالبوا بانضمامه إلى وفد التفاوض.

الحقوق موصولة

يتحدث هشام دائمًا عن أن العمال سيحصلون على حقوقهم في المصانع إذا اقتنعوا بمشروعية مطالب طلاب الجامعات، وسينجح العمال والطلبة إذا انضموا لمطالب الفلاحين في قوانين تحميهم من تعسف السلطة.

يمتلك هشام قدرة كبيرة على تحويل الأفكار النظرية إلى واقع، حدث ذلك في دوره الفاعل في تنسيقيات التضامن النقابي بين العمال والفلاحين والطلبة.

وكانت أول لجنة تضامنية يشارك فيها هشام هي لجنة "التضامن مع عمال الحديد والصلب" عام 1989 للإفراج عن العمال المقبوض عليهم على خلفية الاعتصام الشهير في شركة الحديد والصلب.

هشام متحدثا في ندوة (تصوير- حسام الحملاوي) 

ومنذ هذا اليوم وهشام موجود في كل لجان التضامن مع العمال والفلاحين والطلبة، منبهًا إلى ضرورة العمل المشترك، فكان أحد "أعضاء اللجنة القومية للدفاع عن الفلاحين" الداعمة للاحتجاجات الفلاحية ضد تعديلات قانون الإيجارات الزراعي عام 1997، ولم يتوقف دور هشام وقتها على حضور الندوات واللقاءات الإعلامية، بل نزل القرى محفزًا ومساندًا الفلاحين في تحركهم، فعل هشام هذا في صمت، مثلما يفعل دائما.

أول نقابة مستقلة

في ديسمبر 2008 عقد المؤتمر التأسيسي لنقابة موظفي الضرائب العقارية "المستقلة"، وهشام كان "دينامو" المؤتمر تنظيمًا وحديثًا. وقتها نجح موظفو الضرائب العقارية في تأسيس نقابتهم المستقلة التي كانت حدثا مهما في تاريخ الحركة العمالية المصرية، إذ ساعدت في ظهور دعوات لبناء تأسيس وبناء النقابات المستقلة لعمال النقل العام، والفنيين الصحيين، وموظفي البريد، وغيرها عشرات النقابات التي كان لهشام دور بارز في تأسيسها.

في ميدان التحرير عام 2003 كان هشام يهتف وسط الرافضين للحرب الأمريكية على العراق "اللي بيضرب في بغداد بكرة هيضرب في بولاق"، وكان أحد المؤسسين لحركة مناهضة الحرب على العراق، وقبلها كان عضوًا في لجنة التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية عام 2000.

يملك هشام جرعة زائدة من الأمل، يسميه أصدقاؤه "مقاوِم الإحباط"، وأشهر جملة تلازمه "بكرة تروق وتحلى.. يا ما دقت على الروس طبول"، هكذا يتعامل هشام مع القضايا الكبيرة والصغيرة.

أثر الفراشة بين باريس والمنيل

حين ولد هشام في سبتمبر 1968 كان العالم كله يتابع ما آلت إليه أحداث مايو الفرنسية، وفي مصر كانوا يتابعون نتائج مظاهرات فبراير من العام نفسه عندما هتف طلاب الجامعات للديمقراطية والحرية مطالبين بمحاكمات عادلة للمسؤولين عن هزيمة 1967.

الطفل المولود في المنيل ارتبط مصيره بالعجلة التي بدأت تتحرك حول العالم مصادفة وقت ميلاده. ولد ﻷسرة تشتغل بالسياسة، فوالده المناضل الشيوعي فؤاد عبد الحليم الذي حبس في سجون الملك فاروق 4 سنوات متقطعة، وأمضى في سجن الواحات لعبد الناصر 10 سنوات.

عمه الشاعر كمال عبدالحليم أحد أبرز القادة التاريخيين للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني، منظمة حدتو، أكبر التنظيمات الشيوعية وأكثرها جماهيرية في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، وهو شاعر طليعي يعد من الشعراء المظلومين في تاريخ الشعر المصري، وأمضى في السجن 15 عاما كاملة عندما اختلف عبدالناصر مع الشيوعيين منتصف الخمسينات.

عمه الثاني الصحفي إبراهيم عبد الحليم رئيس تحرير دار الهلال الأسبق، وهو أيضا صاحب تاريخ نضالي طويل كأحد الأعضاء البارزين لمنظمة "حدتو"، وانتخب فى اللجنة المركزية للمنظمة وأسس مع أخيه الأصغر كمال عبد الحليم "دار الفن الحديث" التي أصبحت في بداية الخمسينات نافذة نشر مهم لكثير من المبدعين بينهم الشاعر فؤاد حداد، لينشر ديوانه الأول "أحرار وراء القضبان"، "بداية المعركة" لزهدي، وأول ديوان لكمال عبد الحليم "إصرار".

الفلوس

سألته: الحساب على مين يا عمنا؟ ضحك وهو يقاوم كحة تمكنت منه وقال: خلي عندك دم دا أنت لسه سامع قرار التحفظ على أموالي.

الحوار كان على مقهى شعبي في وسط البلد، قبل خمس سنوات من الآن، بعد أيام من قرار التحفظ على أموال مجموعة من النشطاء السياسيين بينهم الصحفي الاشتراكي هشام فؤاد.

سألته هل التحفظ يشمل الأموال الموجودة في بنوك أوروبا أم المصرية فقط؟ فرد "الحمد لله إنه قرار محلي"، ضحكنا كما نفعل في كل لقاء.

تقول زوجته مديحة حسين "إحنا زينا زى بقية الأسر المصرية من الطبقة التى كانت متوسطة والحمد لله بحكم السياسات الاقتصادية الرشيدة اتزحزحت لتحت، تحت المتوسطة وبنحمد ربنا وبنسعى ونعافر عشان نفضل مستورين، خصوصا إذا كان رب الأسرة مفيش بينه وبين الفلوس أى ود".

هشام مع ابنه سيف

يقاوم هشام فؤاد حتى الآن ثقافة الكافيهات، يحتفظ في رأسه بخريطة المقاهي الشعبية في القاهرة والجيزة، يعرفه كل العاملين فيها، يسلم عليهم ويسأل عن أخبارهم دون تكلف ولا تصنّع للبساطة، بكل تلقائية يسأل عم أحمد العامل في مقهى بالزمالك عن ابنه الذي يجهز أوراق سفره للخارج، ويطمئن على زوجة عم سعيد التي كانت محجوزة في المستشفي.

"من ساعة ما عرفت هشام من 25 سنة وهو زى ما هو صبور وهادئ الطباع وصاحب فكر مرتب ومتزن وجابر لخاطر الآخرين ولو على حساب نفسه. هتصدقوا لو قلت إن لو حد يعرفوا عنده مشكلة بيعتبرها مشكلته ويسعى لحلها بكل السبل"، تحكي مديحة جانبا من شخصية زوجها "جيرانه وهم يعرفونه منذ كان طفلًا مذهولين من التهم الخزعبلية اللي سمعوها في التليفزيون".

"كان هؤلاء الجيران شهودًا على ما فعله هشام بعد إصابة والدته بمرض السرطان، وﻷن هشام هو الابن الوحيد مع أخت، فكان هو الممرض والراعي ﻷمه حتى توفيت، بعدها بقليل أصيب والده بالزهايمر الذي استمر معه نحو سنتين "أشهد الله أنه لم يقصر فيها مع والده وكان يعامله كما يعامل الأب ابنه الرضيع" تقول مديحة.

وصية هشام قبل القبض عليه ألا "تتبهدل" مديحة وراءه في الأقسام والنيابات، لكنها تعتذر منه "سامحني يا إتش مش هاقدر مجريش وراك وأنت عارف ليه".

تجربة السجن التي سمع عنها هشام كثيرًا من والده وعمّيه يعيش تفاصيلها الآن بنفسه.