جانب من المظاهرات في بيروت - الصورة لوسام متى بإذن خاص من موقع بوسطجي

لحن الخروج من بئر الأمس: تحية لموسيقى الرعب القادمة من لبنان

لستُ خبيرا في الشأن اللبناني، أو العراقي، أو السوري، أو السوداني، أو الجزائري، أو التونسي، أو اليمني، ولكنّي -ولست وحدي- أتشبث بالأمل.

ربما يجعلنا التقدم في العمر ننزلق -بقصد أو بدون- في ركن الخبراء، الذين رأوا كل شيء، وعرفوا مآلات الأمور وهي فقط تبدأ، وتجعلنا الخبرات السيئة أكثر ميلا للتشاؤم، ليس "تشاؤم العقل الذي يدفع لتفاؤل الإرادة"، ولكن التشاؤم الذي يضع كل الأشياء في خانات معروفة مسبقًا، خانة أن كل ما يحدث وسيحدث قد حدث من قبل.

ربما تتشابه الأحداث.. هل الظلم جديد؟ هل التمرد على الظلم جديد؟ هل الرغبة في عالم أفضل أمر جديد؟ هل الثورة كوسيلة للعبور مسألة جديدة؟ كلا.. حدثت من قبل، لكن كل مرة تبدو أشياء مثل الانتفاض والتمرد والرغبة في تدمير العالم القديم والحلم بعالم جديد، كأنما أشياء تحدث للمرة الأولى، ومع أنه كل مرة يأتي محملٌ بخبراتٍ طويلة مضت، لكن أيضا، ينفجر كل مرة حاملًا إبداعه الخاص، يحمل لحظته، وعفويته، ومخاوفه، وطاقته التي تختبر كل لحظة.

لست خبيرا في الشأن اللبناني، ولكن أعرف أن طرابلس ذات أغلبية سنية، وأن صيدا والنبطية تعيش فيهما أغلبية شيعية، وأن أي تحرك عندما يحاصر في العواصم يسهل القضاء عليه.

أعرف أن لبنان محكوم بأمراء طوائف تختلف درجات قوتهم ويتفقون في الرغبة في بقاء الأمور على ما هي عليه إلى الأبد، أعرف أن حزب الله عقبة ضخمة في سبيل أي تغيير، أعرف أن ظل ما حدث ويحدث في سوريا ثقيل وشديد الوطأة.

ولكن أعرف أن هناك شيء جديد عندما تمتلئ ساحات بيروت، وعندما تهتف طرابلس لصيدا، وصيدا للنبطية، أعرف أن هناك حلم يدب الأرض عندما يهتف من في الشارع "كلّن يعني كلّن" عندما تسقط صور زعماء الطوائف تحت الأقدام،وعندما تكسر الشتائم أسوار الهيبة التي تُصنع منذ سنين.

لستُ خبيرًا في الشأن اللبناني، أو العراقي، أو السوري، أو السوداني، أو الجزائري، أو التونسي، أو اليمني، ولكنّي -ولست وحدي- أتشبث بالأمل.

مع تراكم الخيبة هنا، ننسى أن هناك غد، وأن هذا الغد سيكون بنا أو بغيرنا، ننسى أن هناك آخرون، يولدون، ويكبرون، ويحصلون خبرات ليست بالضرورة ما حصلناه نحن، ويرغبون في عالم أفضل، ويمكنهم أن يذكرونا أننا ربما سقطنا عند الأمس، وأننا جميعا نحتاج أن نخرج من بئر الأمس، كي نستمتع بـ الآن.

ألا يبدو أن هناك لحن طويل انبعث منذ سنوات ولكنه لم ينتهِ بعد، لحن خرج من تونس ومن السودان واليمن، ليغير شكل الخريطة، وشكل حياتنا، وأعمارنا، مرَّ بمصر وبليبيا وسوريا، موسيقى مدمرة، حالمة، تكالب الجميع على إسكاتها، وبدا لوهلة أن جميع المتكالبين نجحوا في إسكات موسيقى الدمار التي كادت أن تعصف بهم، والتي عصفت بنا بالتأكيد.

مرت سنوات أخرى عجاف تنذر بتأبيد الأوضاع، ولكن فجأة انفجرت الموسيقى مرة أخرى، ليست هي الموسيقى السابقة ربما، تحمل ألحانا شبيهة لكنها أيضا تحمل أشياء جديدة - ودماء جديدة أيضا- جاءت الموسيقى هذه المرة من الجزائر والسودان، موسيقى مرعبة، ترعب الجنرالات والأمراء ورجال الأعمال، وموسيقى تزيل عنّا هنا شيئا من المتراكم فوقنا، وتجعلنا نتذكر أن هناك أمرا جديدا يحدث.

منذ فترة طويلة جدا أخبرنا العجوز الألماني صاحب اللحية المشعثة أن التاريخ يدور صاعدًا في دوائرَ حلزونية وليس في خطوطٍ مستقيمة، قد تبدو الألحان أحيانا متشابهة، لكن في حقيقة الأمر كل دورة تحمل جديدها، حتى وهي تحمل شيئا من الدورة التي سبقتها.

موسيقى الرعب لم تتوقف، تشتعل الأن في العراق، وفي لبنان، وكل جمعة في الجزائر، وانبعثت منها نغمة هنا أيضا، كانت نغمة رهيفة لكنها دفعت الكثير إلى التبول خوفا، وبثت فينا الأمل.

ماذا نملك نحن الآن؟ ونحن نخاف أن تُفتَّش هواتفنا في الشوارع، ونخاف أن يرتفع صوتنا بكلمات ربما يسمعها مخبر عابر أو مقيم، ماذا نملك لنقدم لأقدام تدب الأرض في لبنان؟ ببساطة نملك الفرح، السعادة بشوارع يُعاد امتلاكها، ببسمات ترتسم على الوجوه التي تهتف وترعب أمراء الطوائف المتصلبين على كراسيهم، فلنفرح للرعب الذي يشعر به أولي الأمر، جميلٌ تخبطهم، وتصريحاتهم المتناقضة، خوفهم أمر يسعدنا، وبسمتنا تُقشعر أبدانهم.

سأبتهج بالموسيقى، وسأرقص على اللحن، حتى لو كنت مختبئا، لكن الموسيقى لن تتوقف، و"غدًا" لن يتوقف عن المجيء.