ما وراء القصة| عزل أم مساءلة؟ أزمات ترامب في صالة تحرير المنصة

تناولت إحدى المكالمات الهاتفية مع أحد الأصدقاء يوم الخميس الماضي قضية محاكمة ترامب. بدا صوته مندهشًا عندما أخبرته أن الرئيس سيحاكم في مجلس الشيوخ وسألني "هو مش اتعزل؟ الجرايد كلها بتقول عزل ترامب".

مساء الأربعاء الماضي أصبح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رسميًا، رئيسًا متهمًا بإساءة استغلال سلطاته وتعطيل عمل الكونجرس، بعد أن صوت مجلس النواب بالأغلبية على إخضاعه للمساءلة رسميًا في إجراء نادر لم يحدث سوى مع رئيسين أمريكيين سابقين قبله.

صباح الخميس، وعلى نحو استثنائي، خصصت المنصة نشرة ع السريع التي تصدر في العاشرة من صباح كل يوم، بالكامل، لتغطية أنباء التصويت على مساءلة ترامب وتوجيه الاتهام له رسميًا.

والآن ينتظر ترامب الخضوع للمحاكمة أمام محكمة خاصة يترأسها رئيس المحكمة العليا في الولايات المتحدة، يتولى خلالها نواب مختارون من مجلس النواب دور الادعاء، ويلقون التهم التي سيتولى الفريق القانوني للرئيس الرد عليها، بينما يتحول أعضاء مجلس الشيوخ المئة إلى محلفين سيقررون ما إذا كان الرئيس المتهم مدانًا أو لا.

ويستلزم قرار الإدانة الذي ينتج العزل عنه أغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم مئة عضو.

إعداد النشرة استلزم إجراء نقاش تحريري حول استخدام المصطلح المناسب في التغطية؛ عزل ترامب أم مساءلته واتهامه؟

نقاش بدا أنه سيكون سريعًا ولكن امتد بأكثر مما توقعناه، امتد لدرجة أخرّت إصدار النشرة ساعة كاملة، واستمر بعد إصدارها ساعةً أخرى.

التباس لدى القارئ

كانت التغطيات الإخبارية لمساءلة ترامب ملتبسة. سي إن إن عنونت أخبارها بعناوين كلها تتحدث عن أن مجلس النواب يعزل ترامب أو التصويت على عزل ترامب، بما يعطي انطباعًا غير صحيح لدى القارئ بأن ترامب لم يعد هو رئيس الولايات المتحدة.

على الجانب الآخر فإن وسائل إعلام أخرى مثل النسخ العربية من رويترز ودويتشه فيلله وفرانس 24، بالإضافة إلى المصري اليوم وبي بي سي والأهرام ومصراوي والجزيرة، فتأرجحت مصطلحاتها بين مساءلة واتهام وإجراءات أو مساعي أو محاولات عزل ترامب.

تناولت إحدى المكالمات الهاتفية مع أحد الأصدقاء يوم الخميس الماضي قضية محاكمة ترامب. بدا صوته مندهشًا عندما أخبرته أن الرئيس سيحاكم في مجلس الشيوخ وسألني "هو مش اتعزل؟ الجرايد كلها بتقول عزل ترامب".

تفقد الصحافة معناها إذا نقلت معلومات أو انطباعات خاطئة للقراء.

سي إن إن التي ما زالت تصر على أن مجلس النواب "عزل ترامب" حتى في متابعاتها الإخبارية لتداعيات اتهام الرئيس وإحالته للمحاكمة عندما كتبت في اليوم التالي "بعد عزل النواب للرئيس ترامب.. تحرك مفاجئ لنانسي بيلوسي يثير التكهنات"، عادت إلى استخدام المصطلح الذي يبدو أكثر دقة في تقرير بالفيديو تناول أمر محاكمة الرئيس.


لم يقف الأمر عند سي إن إن ووسائل الإعلام المحلية التي حذت حذوها مثل إكسترا نيوز وصدى البلد، بعيدًا عن اليوم السابع التي قررت الاشتباك في الأزمة الأمريكية بشكل مباشر إذ عنونت أحد أخبارها بـ "نائب جمهوري يفضح الديمقراطيين".

النسخة الإنجليزية من رويترز ذهبت إلى أن "Majority of House votes to impeach Trump for abuse of power". كلمة Impeach يمكن ترجمتها إلى عزل.

كذلك نيويورك تايمز التي تحدثت في تغطيها الإخبارية لقرار العزل عن أن "The House of Representatives on Wednesday impeached President Trump for abuse of power and obstruction of Congress, making him the third president in history to be charged with committing high crimes and misdemeanors and face removal by the Senate".

خبر نيويورك تايمز يمكن ترجمته إلى "قرر مجلس النواب الأربعاء عزل الرئيس ترامب لإساءة استغلال سلطته وتعطيل عمل الكونجرس، ما يجعله ثالث رئيس في التاريخ يتهم بارتكاب جرائم ويواجه الإقالة من قبل مجلس الشيوخ". ولكن فإن كلمة impeached يمكن ترجمتها في هذه السياقات إلى مساءلة أو توجيه اتهام للرئيس في سياق "إجراءات عزله"، بحسب صحفي يعمل في بي بي سي تواصلت معه المنصة.

على هذا النحو سار النقاش داخل صالة تحرير المنصة مستعينًا بأصدقاء من الخارج، على اعتبار أن قرار مجلس النواب يمكن تأويله كانعكاس لرغبة المجلس في عزل الرئيس، وهي الرغبة التي حدثت في التاريخ الأمريكي مرتين قبل ترامب، خاصة وأن هذا التصويت لا يأتي منعزلًا عن سياقه الأعم وهو البدء بالفعل في إجراءات عزل الرئيس، وهي إجراءات تبدأ بصياغة الاتهامات في قرار المساءلة.

ولكن على الجانب الآخر فإن مجرد الرغبة في العزل لا تعدَّ عزلًا إذا صدرت من الجهة التي لا تملك حق عزل الرئيس، وهو الحق المكفول حصرًا لثلثي أعضاء مجلس الشيوخ. يمكن القياس هنا على أن المنصة لا تتعامل أوامر الإحالة إلى محاكم الجنايات، والتي تصدرها النيابة العامة بحق من تعتقد أنهم ارتكبوا جريمة ما وتطالب فيها بسجنهم، باعتبارهم مساجين، فلا يمكن أن نقرأ خبرًا مثلًا يقول "النيابة العامة تسجن فلانًا خمس سنوات"، هي مجرد طالبت المحكمة بإدانته وسجنه.

امتد النقاش حتى تأخرت النشرة، فنشرها المحرر وامتد النقاش أكثر داخل صالة التحرير، وقد بدا حينها من الضروري إقحام محررين زملاء في وسائل إعلام أخرى للاستعانة بآرائهم.

محرر يعمل في سي إن إن اعتذر عن عدم تمكنّه من الحديث باعتباره ليس مخولًا من مؤسسته بالإدلاء بتصريحات للصحافة ولكنه اشتبك في النقاش مع محرري المنصة بشكل شخصي.

استقر محررو المنصة في النهاية وبعد نقاشات امتدت ثلاث ساعات، على استخدام "مساءلة ترامب" أو اتهامه مع التأكيد في العنوان على أن المساءلة هذه تأتي ضمن "إجراءات عزل ترامب".

التضييق وافتقاد مساحات النقاش

تقول نورا يونس رئيسة تحرير المنصة إن "التضييق على الصحافة في السنوات الأخيرة، منع توفر مساحات يستطيع الصحفيون خلالها النقاشات المهنية التي تسهم في النهاية في تطوير المهنة وتحسين أداء العاملين فيها".

وتوضح أن "القرارات التحريرية الجدلية في المنصة تتخذ دائمًا بعد نقاشات مع الزملاء، ولكن في النهاية تبقى هذه نقاشات داخلية بين أعضاء الفريق ولا توجد هناك مساحات لتبادلها مع زملاء آخرين من مؤسسات أخرى".

اللقاءات الدورية التي يعقدها الصحفيون تسهم بشكل كبير في مشاركة خبراتهم وانطباعاتهم، وعلى المدى البعيد فإنها تسهم في تطور المهنة بشكل عام.

نهاية الشهر الماضي استضافت العاصمة الأردنية عمّان مؤتمر أريج للصحفيين الاستقصائيين العرب. تبادل صحفيون من أنحاء الدول العربية خبراتهم المهنية والتحريرية.

في إحدى جلسات المؤتمر على سبيل المثال تحدثت الإعلامية رشا قنديل التي تقدم برنامج بلا قيود عبر شاشة بي بي سي العربية عن تقنيات إجراء حوار صحفي مع مسؤول رسمي، بالحديث عن كيفية "شّيه عالحامي".

جانب من جلسة استضافة المسؤولين الرسميين لرشا قنديل في مؤتمر أريج - تصوير: شاهر عياد

تناقل الخبرات بين أبناء المهنة الواحدة بشكل عام يسهم كثيرًا في تطويرها، حتى وإن كانت هذه الخبرات ستبقى معطلة بسبب الظروف المهنة.

حديث رشا قنديل عن شي المسؤولين، والذي تزامن مع اقتحام قوات أمنية مقر مدى مصر بعد يومين من نشرها تقريرًا يتناول إبعاد ابن رئيس الجمهورية من منصبه الحساس في جهاز المخابرات العامة، يبدو خارجًا تمامًا عن السياق المصري، ولكن في واقع الأمر فإن الوضع في مصر هو الخارج عن سياق ما يحدث حولنا في العالم.