تصميم: يوسف أيمن - المنصة

تأملات عن المولعين بذواتهم: هواجس الخلود المؤرقة

تذكر الأجيال التي عاصرت ترام مصر الجديدة العلوي، قبل اغتياله، واعتادت استخدامه في الذهاب وإلإياب؛ عبارات نقشها "أديب الشباب" على جدران المحطات، ووزعها بغزارة حتى لم يخلُ منها جدار. كلمات فخمة، شعارات سياسية لاذعة، ومَعانٍ ذات طابع فلسفيً رنان تثير فضول العابرين وتضع كاتبها في مصاف كبار المشاهير.

مَن امتلك بصيرة التمييز بين ظاهر الأشياء وباطنها، وبين سطحها المُغري وحقيقتها، أدرك بعد قليل أن أديب الشباب، محمود عبد الرازق عفيفي، حمل على كاهله عبء خلل إدراكي مؤثر، جعله يسعى حثيثًا إلى تعريف الناس بذاته وتخليد اسمه، رغم أنه لم يُنتج من الفكر والأدب ما يمكن تناوله بالنقد أو التقييم، حتى قيل إنه كان وكالة دعاية وإعلان من دون منتج. لم يكن هناك قارئ روايات في مصر إلا وعرفه لكن لم يقرأ له رواية واحدة. يبدو أن الرجل قد نجح في تحقيق هدفه؛ فالأجيال التي شهدت أوج انتشاره لا تزال تذكر لقبه واسمه، وتجد في حضوره خفَّة ظلّ وطرافة. صار أديب الشاباب خالدًا في الذاكرة؛ لكنه بلا أثر.

تحتل فكرة الخلود موقعًا مهمًا عند بعض الاشخاص حتى أنهم يسعون إلى تحقيقها بشتى الوسائل الممكنة، وفي هذا الإطار يُعد النقش على الجُدران فعلًا بسيطًا مُتواضعًا إذا ما قيس بأفعال أخرى صاخبة مُدوية؛ يروم بها أصحاب السلطة والنفوذ إثبات وجودهم، ويتوسلون من خلالها دوام البقاء.

كبار القادة ومعظم السياسيين وأهل الفنون وغيرهم كثيرون، خلد التاريخ أسماؤهم لسبب أو آخر؛ منهم من إذا جاء ذكره أحاط بسيرته المديح وكِيل له الاستحسان، ومَن لا يلقى اسمُه إذا ورد في معرض الحديث إلا استياءً بالغًا وازدراء. الحُكم على هذا أو ذاك لا يكون منصفًا إلا بتقييم البصمة التي تركها.

أحد كتب أديب الشباب. الصورة: مدونة أحمد الصباغ

الأم تريزا على سبيل المثال، وهتلر والحجاج على جانب آخر؛ ثلاثتهم باقون في الأذهان مع تباين الأثر. تحظى الأولى بآيات الاحترام لجميل صنيعها، فيما الثانيان يستدعيان مفردات الذمَّ ومشاعر الندم والأسى، بل والكراهية لما خلفا. نادرًا ما تتعارض الآراء إزاء نماذج جلية بارزة، وإن وُجِد تعارض في قراءة التاريخ وتفسيره؛ فقاعدة واسعة مقابل استثناء. نادر أن يوجد شخص كاره لعطاء الأم تريزا، مثلما ندر وجود المولعين بهتلر والحجاج؛ اللهم إلا من أعجبهم خلود القمع وهمجية الأداء وتلاقت أهواؤهم عليها.

لا ينسى المتابعون لقطة بثها التلفزيون المصري، تقول فيها المذيعة "والآن مع النشيد الوطني لجمهورية مصر العربية"؛ فيما يتقدم الرئيس عبد الفتاح السيسي تاركًا مقعده، مُتجهًا ناحية المنصة، وكأن المذيعة تقدم شخصه للجماهير المُتلهفة، وكأنه هو بذاته النشيد. الحركة جاءت عفوية، عكست تلقائيتها مبلغ إيمان الرئيس بأنه هو ذاته الوطن، وهو أيضًا كل ما ارتبط به من مفردات. يتمتع مفهوم "الوطن" بصفة الخلود، فإذا توحد المرء به أمكن أن يعزو الصفة إلى ذاته، وأن يضيف إليها ما شاء من صفات؛ تتجاوز بتعريفها وطبيعتها الأفراد. بعض الساعين إلى تخليد ذواتهم يتوحدون برموز كبرى؛ يصبح الفرد بمنزلة الوطن، أو الدين، وأحيانًا الحقيقة، ويبيت مقتنعًا أنه اكتسب ما لهذه الرموز من مهابة وتقديس. يحدث التوحد في اللا وعي أغلب الأحيان؛ دون خطة أو سابق تدبير، وكأنه سجية أو طبيعة أصيلة، عميقة الجذور، تصعب خلخلتها. على كل حال؛ يجدر النظر إلى الساعين لتخليد ذواتهم بعين الحرص والحذر، فكثيرًا ما تكون وسائلهم فاسدة، وتفاصيل مساعيهم مُشينة.

الخلود بحكم القانون

ظهر قانون مستقل للصحة النفسية في مصر عام 1944 ولبث فاعِلًا طيلة عقود؛ لكن حاجة مُلِحَّة لتحديثه ظهرت مع الوقت، مقرونة بالتقدم العلميّ الواسع في مضمار العلاجات. اضطلع بمهمة إعداد قانون جديد مُختصون وعكف عدد من أصحاب الشأن على وضع مواده إلى أن اكتمل وصدر. مضت سنوات عشر تقريبًا على العمل به، جرت خلالها مُحاولات دؤوب لتعديل عدد من بنوده، وربما استبدال آخر به، وما انفكت هذه المحاولات تتواصل.

يتحدث العارفون بخبايا الأمور عن تعديلات مفزعة يراد إدخالها، لا تتوخى صالح المرضى، ولا تتلافى ثغرات ظهرت مع الممارسة. على العكس، يتجاوز بعضها الأعراف الطبية المعتمدة، ويجافي مبادئ مهنية متوافق عليها، ويعارض قوانين موازية تطبقها دول أخرى، وأخيرًا ينتهك حقوق الساعين لتلقي العلاج، ويُلقي بحقل الطب النفسي خطوات إلى الوراء. اللغط كثير والتعمية شاملة، وحجب التعديلات المطروحة عن المهتمين يُعضّد المَخاوف ويُضاعفها، أما السبب وراء الدفع بها والإصرار على تمريرها في غيبة المعنيين؛ فسؤال تأتي الإجابة عنه من جنس هذا النص وموضوعه.

ثمة من يجد اسمه أحق بالنقش على مخطوطة القانون، وأجدر بالقيد في محاضر مجلس الشعب الرسمية، وأولى بالذكر في المحافل الدولية. ثمة ذات يحنقها وجود آخرين في نطاقها؛ إذ يجب أن يذكر التاريخ فضلها وحدها، وفضل وضع قانون ليس أمرًا ضئيلًا يمكن التجاوز عنه. يعرف الأشخاص الفاعلون في حقل الطب النفسي تفاصيل معركة شخصية تدور رحاها منذ زمن، ويعلمون مكانة أطرافها، كما يدركون صعوبة تسويتها؛ لكن معارك كهذه لا يصح أن تدهس حقوق الناس في حمو وطيسها. مجال الطب النفسي رحب، يتسع لحضور كثير اللامعين، إنما هي النرجسية الأصيلة على ما يبدو، لا تسمح بأي صورة من صور المشاركة، ولا تعكس إلا رغبة حارقة في الخلود المنفرد، مهما بدت النتيجة النهائية مُزرية، ومهما كان الأثر المَتروك مُخزيًا.

مسجد وكنيسة و"قصور بتاعة مصر"

ظهرت بعض المزحات تطلب تسمية الكنيسة الكبرى التي تم إنشاؤها مؤخرًا في العاصمة الإدراية باسم "انتصار المسيح"، لا يخفى على متابعي الشأن المصري ما بالتسمية من مفارقة لم تكن وليدة ذهن ساخر فقط، بل حرض عليها المسمى الذي اتخذه المسجد الجديد في المنطقة نفسها: الفتاح العليم. المسجد والكنيسة علامتان بارزتان؛ كلاهما شاسع مترامي الأطراف، فيه بذخ هائل وإفراط مفزع على مستوى الإنفاق بالنظر إلى السياق العام، وإلى حال الشظف التي يعلن عنها الخطاب الرسميّ ليل نهار، فإن بناءين كهذين لا يبدوان من الضرورات، إذ لا فائدة تعود منهما على السواد الأعظم من الناس. لا تفسير لوجودهما إذًا اللهم إلا أن يكونا تجليًا لذات تتحرى ما يعكس عظمتها، أو فلنقل توخيًا للدقة أنهما تجسيد آنيّ لها، وتخليد لاحق لمبلغ سلطانها.

حين ذكر الرئيس عبد الفتاح السيسي أن القصور التي يبنيها، والتي يعتزم مواصلة بنائها هي "باسم مصر"؛ لم يكن في الأمر هزل، فالرئيس، كما بات واضحًا، هو بذاته مصر، خاصة والقصور ليست مفتوحة أمام المواطنين والمخوّل له استخدامها ليس الشعب بكل تأكيد. تحوَّلت العبارة إلى مادة تنكيت خصبة؛ لا على مواقع التواصل الاجتماعية فقط، بل وعلى المقاهي، وفي الميكروباصات، وبين أفراد العائلة الجالسين أمام الشاشة يستمعون للحوار. بعيدًا عن وابل الانتقاد ورد الفعل الحانق، استحق الأمر وقفة ثانية؛ فقد حلت ذات الرئيس محلَّ مصر من جديد، وزالت بينهما الحدود وتماهت الصفات. على كل حال فإن معركة تخاض من أجل توجيه مليارات الجنيهات لا لإقامة مشاريع إنتاجية تأتي بعوائد مناسبة وتقيم أود اقتصاد شبه منهار، بل لخلق مستوى من الرفاهة شديد المبالغة؛ هي معركة تم حسمها مبكرًا دون نقاش، فالهدف ليس إقناع الجماهير بوجاهة الحجة، ولا كسب النقاش، هذا وذاك لا قيمة لهما في أوج توهج الذات التي ترى أنها تستحق وافر التدليل دون جدال.


هنا جينيس

يقول الخبر المنشور في جريدة يومية شهيرة "تم رسم صورة قناع الملك توت عنخ آمون باستخدام 7260 كوب قهوة على مساحة 60 مترًا مربعًا". كفلت هذه الصورة الضخمة تسجيل رقم مصري جديد في موسوعة جينيس، والحق أن أرقام الموسوعة القياسية التي سجلت أخيرًا باسم مصر كثيرة، يصعب حصرها كلها، لكن الكثرة العددية ليست بالأمر الوحيد الذي يلفت الانتباه، فالأرقام المُسجلة يتعلق مُعظمها بمشروعات ومُجسمات تعيد إنتاج الذات المتضخمة في هيئات متنوعة، فيما يعكس أقل قليلها نبوغ العقل وتألق الأفكار.

الأكبر والأعلى والأطول والأعرض؛ فيض مِن صِيغ وأسماء التفضيل لا يمكن غض النظر عنه، أما الموصوفات: فطريق وجسر وبرج وما في حكمها من منشآت: أعمدة خرسانية وأوتاد تؤكد الحضور و تمجده، تحقق بعض الإشباع الوقتي، وتعوض ما وراء الحُجُب مِن عوامل نقص. يمكن القول بإن الخبر قد امتلك في حد ذاته وقعًا طريفًا، لكنه حاز كذلك قدرًا وافرًا من التفاهة، مثله مثل محاولات كثيرة لجذب المتلقيين بعيدًا عن مرارة الواقع. المؤكد أنه لا يتسق مع الأوضاع بالغة التدني على صعيد الاقتصاد، والحال أن تفاهة النظم الشمولية القامعة يستعصى إخفاؤها: فوراء كل ديكتاتور مر عبر التاريخ؛ ذات جوفاء عارمة الانتفاخ.

الخلود: مراحيض ذهبية وسجون

لا خجل أن يسعى المرء لاستبقاء أثر له بالدنيا؛ فحقيقة الفناء مزعجة، وفكرة الوجود في صورة أو أخرى قد تمثل شيئًا من السلوى، مع هذا لا ينبغي أن يتخطى هوس تخليد الاسم قيمة الإنجاز وتوصيفه. الرغبة الملحة القاهرة في تجسيد الذات بكافة الطرق الممكنة ومهمًا كانت تافهة؛ أمر محزن وأسيف، والسؤال الذي يتم استبعاده من نطاق الوعي عنوة: ماذا إذا كان الخلود موسومًا بسلبيات وأدران؟ هل سيأتي لصاحبه بالمرجو؟ هل يهتم صانع مجده وعاشق ذاته كيف سيذكره الناس، أم لا يهمه سوى أن يترك أثره؟

مرحاض الإمارات الذهبي المضاد للرصاص

لا يُذكر خلود متلألئ المظهر، صدئ الجوهر؛ إلا وقفز إلى الذهن الحدث المذهل الذي سجلته إحدى دول الخليج باسمها مؤخرًا، إذ حازت مرحاضًا هو الأول من نوعه على سطح الكرة الأرضية هيكله ذهبي مرصع بأكثر من 40 ألف ماسة صغيرة ومضاد للرصاص، وقيمته تتعدى المليون دولار. أصدر المشرفون على الموسوعة شهادة بالإنجاز، والحق أن إنسانًا يخلد اسمه مقرونًا بمرحاض؛ يستحق أن تفرد له صفحات من التاريخ، وأن ينال التوصيف الملائم الذي تعكسه دقة الاختيار.

على مدار عقود ماضية، استقدم بعض القادة والزعماء مَن يصنع لهم التماثيل الميدانية وأنفقوا عليها بكرم وسخاء لتبدو ذواتهم المجسمة في أبهى صورة ثم راحوا ينتقون لها أفضل الباحات والأمكنة العامة كي يراها الجميع عناوين خالدة للسطوة والحضور. حين ثار الناس، كان أول ما أسقطوا عناوين الخلود هذه، التي بدت في لحظة تهشمها ضعيفة حمقاء.

ليست أفعال البناء دومًا بتوافه الأمور وليست أيضًا بمنجزات هامشية؛ فقد شيدت الحضارة المصرية القديمة ما لا جدال على قيمته العلمية والمعمارية: أبنية مهيبة فذة تحاكى بها الناس وما انفكوا يتحاكون، عبقرية هندسية انغلق سرها على العلماء أزمنة طويلة، وباتت علامة خلود راسخة لا يختلف عليها اثنان. في لحظة لا تزال حاضرة في الذاكرة؛ نطق الرئيس المصري عبر الأثير ليقارن إنجازه في حفر تفريعة قناة السويس بإنجازات قدماء المصريين، وقد افتتحت التفريعة في الساعة الثانية وخمس دقائق، والتوقيت هنا يحمل دلالة إضافية؛ تشير إلى رغبة التماهي المبطنة، مع كل ما اكتسب صفة الخلود.

على كل حال، الخلود المصبوغ بأطنان السطحية والتفاهة نقرة، وذاك المصحوب بتحطيم صورة كان ظاهرها مشرقًا نقرة ثانية، أما أن يكون الخلود بعمل يستهدف إيذاء الآخرين؛ فذاك أمر مريع، وإذا تطرق الحديث إلى مسألة القمع والتنكيل؛ فثمة رقم حاضر يستحق العناية والتوثيق، وربما يلحق بالموسوعة الأثيرة؛ ذاك هو معدل بناء السجون الموزعة في محافظات الجمهورية؛ إذ تنامى عددها ما بين عام ٢٠١٣ و ٢٠١٧ ليصل إلى نحو ١٦ سجنًا جديدًا؛ بعضها لا يخضع سوى لمديريات الأمن وأقسام الشرطة، وقدأضيفت إليها بضعة سجون أخرى في العامين ٢٠١٨ و٢٠١٩ بقرارات جمهورية٫ وهو رقم يبدو جديرًا بالإعلان، وأغلب الظن أنه متفرد على مستوى العالم.

عن النرجسية

أحيانًا ما تصبح الرغبة في تخليد الذات مزعجة مخيفة. ثمة أشخاص يعشقون ذواتهم بضراوة، ويرون فيها هالة من العظمة تستوجب انحناء الجميع أمامها دون قيد أو شرط. يزعجهم أن يشكك أحد فيها، ويشعرون أن انبهارًا مفرطًا لا بد وأن يغمرها، فإذا لم يحدث أحسوا بطعنة مؤلمة، قد تترك صدوعًا في بنائهم نرجسي النزعة وتستوجب الانتقام. صفة الذات المنتفخة في غياب مُسوغات الانتفاخ. عماء كامل عن حقيقتها، وتغافل عن مَوضعها، وإنكار لواقعها الذي يكون على الأغلب عاديًا وربما أقل.

النرجسية مصطلح شائع في علم النفس، استخدمه سيجموند فرويد، ليشير إلى غريزة حب الذات الموجودة بصورة طبيعية لدى كل فرد، والتي يجب إشباعها في أطوار النمو الأولى، حتى لا تتحول لاحقًا إلى سمة مرضية عصيّة على التغيير. على هذا فإن إعجاب المرء بنفسه وليد نزعات طفولية، فيما إعجابه بغيره نتاج النضج والتطور الطبيعي للشخصية. إذا تعطل التطور وتوقف في محطة مبكرة؛ عجز الواحد منا عن تجاوز ذاته وظل معتقدًا أنه مركز الكون، يدور الناس في فلكه بينما يعجز هو عن إدراك وجودهم.

في قائمة المعارف هناك دومًا هذا الشخص الذي يزين كل شاردة وواردة تتعلق به، يسهب في الحكي عنها، ويكون أول من يبدي إعجابه بها؛ فعقله الأذكى وتصرفه الأدهى وملامح وجهه الأجمل ورأيه الأحكم ومنصبه الأعلى، وإن لم يكن فهو الأكثر أهمية وتأثيرًا، ولولا وجوده لقضي على الآخرين. هناك أيضًا من لا يقصر افتتانه بذاته على حديث طويل مُفعَم بالثناء والمديح؛ فينشغل بمظهره ويحتفي بهيئته ما استطاع.

لا يترك أصحاب الذوات النرجسية فرصة للخلود إلا واقتنصوها، لا يهتمون في العادة للوسيلة ولا يقفون أمام التفاصيل الصغيرة. البقاء أهم، وتمجيد ذواتهم يبرر أي عمل يرتكبونه، وأهميتهم تحتل الصدارة ولا تنزاح عنها أبدًا.

إلى جانب نرجسية محتملة يمكن التكيف مع سلوكيات صاحبها والتعايش مع تصرفاته؛ هناك الغارقون في نرجسية ثقيلة الوطأة، وقد باتوا في موقع مسئولية وقيادة لا تُؤمَن فيه آلية ما يجري اتخاذه من قرارات. على سبيل المثال فإن تمرير قرارات اقتصادية تدهس الطبقات الوسطى والدنيا، دون أدنى تعاطف أو شعور بالمسؤولية والالتزام يتطلب وجود ذات على قدر من النرجسية، يمكنها التمتع بعيش رغد مترف تجده طبيعيًا ثم مطالبة الآخرين بتقشف وشظف تراه واجبًا، والحق أن الشخصية النرجسية تضع أوزارها ما استفحلت السمات السلبية وتمكنت من الفرد، وقد يصعب السيطرة على مخرجاتها.

يوصف النرجسي في العادة بأنه أنانيّ النزعة، ففي أوج انشغاله بنفسه لا ينتبه إلى معاناة من حوله، ولا يأبه لألامهم ومآسيهم، كذلك يرى الناس جميعهم في مرتبة أقل منه، ومن ثم يستبيح استغلالهم لصالحه، ولا يتورع عن إهانتهم. يضع نفسه في موقع الخبير العالم بما خفي واستعصى، بينما الآخرون دومًا في موقع التلاميذ؛ عليهم الطاعة والامتثال، وبذل الجهد لنيل رضائه. لا مجال بين نرجسي وشخص متوازن لعلاقة ندية أو تنافسية، لا إمكانية لإبداء رأي طالما أدلى النرجسي بما عنده؛ إلا أن يكون رأيًا مؤيدًا له مُتوائمًا مع رؤيته، وذائبًا في فيض ضوئه؛ يجعله متألقًا بارزًا، ويترك من عداه باهتًا غير منظور.


في اللغة والنباتات والضحكات الصفراء

النرجس نبت من الرياحين طيب الرائحة، جميل الزهر، ينتمي إلى فصيلة النرجسيات التي يعدها العلماء من النباتات وحيدة الفلقة، وربما كان المسمى الذي أطلق على الأشخاص العاشقين لذواتهم وحدها، متعلقًا بهذا التصنيف؛ فشخص نرجسي هو بتعريفه وحيد لا يرى سوى ذاته المنفردة. شخص مجبول على فلقة واحدة في فضائه لا يمكنه التعامل مع غيرها. في استخدامات اللغة العربية القديمة؛ تذكر المعاجم أن الدابة القرطاسية هي بيضاء اللون، أما الدابة النرجسية فمائل لونها إلى الصفرة، ويذكر أن الناس قد درجوا في الموروث الشعبي على ربط اللون الأصفر بمشاعر الغيرة والحسد؛ تلك التي تتوافر بغزارة لدى الأشخاص النرجسيين، ويستعصي في العادة إخفاؤها. الابتسامة الصفراء هي أيضًا من المشتقات؛ فيها معان كثيرة لا تتعلق بفعل الابتسام نقي النزعة سليم النية. ابتسامة صفراء قد تعلن سخط النرجسي على من سلب منه موقع الصدراة والاهتمام، وقد تعكس ضيقه بانصراف الناس عنه وعدم إيلائه ما يرضي ذاته ويشبعها.

نرجسية المتواضعين

ليس التواضع دومًا بشيمة حميدة، فقد ينبع على عكس الشائع من ذات متضخمة. بعض الناس يبدون في ظاهر الأمر بسطاء متواضعين، عازفين عن التباري ولو في مجال تخصصهم، لا يضعون أنفسهم أبدًا موقع منافسة، ويتجنبون المُناطحة المباشرة والمحاججة؛ لكنهم لشديد الأسف لا يفعلون هذا عن قناعة بضآلة معارفهم مثلًا، أو عن ثقة في وجود من هو أعلم منهم وأقدر، إنما يترفعون عن المقارنة بذوات أخرى واثقين أنهم في حِلّ من إيجاد برهان على عظمتهم، شاعرين بالإهانة إذا جرؤ أحد وطلب منهم أن ينزلوا لمستوى مقارعة الآخرين، فذاك تحقير لشأنهم واستهانة بذواتهم. التواضع النابع من نرجسية صاحبه أو صاحبته زائف خبيث؛ يخدع المحيطين، وقد لا تنكشف الخدعة إلا بعد وقت طويل. بعض الأشخاص يضعون قناع التواضع ويخفون وراءه أمارات التعالي والازدراء، فيما يدركون جيدًا أن مسلكهم ذا الوجهين قادر على خداع الناس حتى الأقربين.

المخدوعون

رب أشخاص أقنعوا من حولهم بأهميتهم ونالوا ما نالوا من التقدير فيما حجم علمهم ضئيل، لكن انتفاخ ذواتهم طغى وأربك حكم الناظرين. الخدعة ثقيلة خاصة ما اقترنت الرغبة المستعرة المجردة في إشباع الذات وتكريس وجودها بأفعال مشينة، وأخرى خائبة، وثالثة صادمة، تتسبب كما جرت العادة في أذى حقيقي لبشر ألقى بهم الحظ العثر في الطريق. بعض من عاصر أصحاب الذوات البالونية العظمى؛ صدق الهالة التي أحاطت بها واستقر زمنًا في مرحلة الإيمان بفضائلها النقية وشمائلها الناصعة، وكافح للحفاظ على الصورة المرسومة في مخيلته براقة ملساء لا تمسها خدوش. يمر المخدوعون بمراحل: التصديق والإيمان، ثم كشف الزيف، وأخيرًا التعامل مع الكشف إما بالإنكار أو الرفض أو تبديل الموقف. إذ يحتاج البشر دومًا إلى نموذج مثال، وإذ هذا النموذج من مستحيلات الوجود، يحاول الناس صناعته، ويصبح التغاضي عن سلبياته أهون من تشوهه وسقوطه. الرمز المبجل يجب أن يبقى وأن يستمر ففي استمراره أمان، وشعور بأن في الحياة التعسة ما يستحق الكفاح وما يحمل آيات الفضيلة والجمال.

نارسيسوس لا يموت

تميل زهرة النرجس في عالم الحكايات والأساطير على حواف المياه، وكأنها تتطلع إلى صورتها في السطح العاكس. هي رمز لكل نرجسي، يجد في ذاته الكفاية، ويتجاهل من يتقربون إليه ويعجبون به وينبذهم بعيدًا مثله مثل نارسيسوس الذي فتنه حسن خلقته، واستواء قسماته وملاحتها، فلبث دهرًا يراقب في قاع البحيرة نفسه، ولا يتعلق قلبه إلا بها، إلى أن رق عوده ونحل ثم فقد حياته محسورًا إذ لم يجد ممن عشق استجابة. بعثت الآلهة نارسيسوس إلى الحياة من جديد؛ لكنه صار على هيئة زهرة نرجس حزينة؛ اتخذها الناس علامة الموت والفناء، ووضعوها في باقات تزين الجنائز وتحيط القبور.


ليست أسطورة نرسيسوس ببعيدة عن الواقع، فالشاب المولع بجماله وذاته، والمتفرغ طيلة يومه للنظر في صفحة المياه والتملي بحسنه وروعته؛ له أشباه كثيرون في العصر الحديث. رئيس الولايات المتحدة الحالي دونالد ترامب قد يكون أحدهم عن استحقاق، فالرجل دائمًا يعدد في خطبه أعماله العظيمة التي لم يسبقه إليها رئيس، ولا تخلو تغريداته الشخصية من إعلان انبهاره الشخصي بروعة أدائه، والحق أن أحدًا بالفعل لم يسبقه في حجم الصلف وتدني مستوى الخطاب. أما عن أوصاف العظمة التي تسوغ الفخار فمحل شك عميق، لا بين من تأذوا من أفعاله فقط بل وسط مهنيين بارزين وعلماء متخصصين.

أخرون يمكن ضمهم بجدارة إلى قائمة كبار النرجسيين؛ فيهم من يواصل تسويق ذاته بخطاب المباهاة الصريح، ومن لا يكف عن اجترار مآثره وأفضاله، ومن لا يمل الحديث عما قدم لرعيته من إنجازات وإعجازات لا يقدر عليها سواه، فيما الناس يرزحون تحت وطأة أعباء رهيبة. ينعكس الولع بالذات في كلمات وإشارات تتجاوز الوعي أحيانًا وتعبر من ثقوب الإدراك. ضمير المتكلم "أنا" يتردد على لسان المولع بذاته كثيرًا، فأنا هي المركز الذي ينبثق منه كل شيء وإليه يعود، ولا ينتظر صاحبها اعترافًا من الناس أبدًا "إذا لم تكن لديكم بصيرة بأهميتي فسأذكركم بها ليل نهار، وسوف أصنع لنفسي المعبد اللائق وأدعوكم للمشاركة في الصلوات".

يبدو نارسيسوس متجددًا ما تجددت الحياة.

انفجار البالون

مع تضاعف الجهد المبذول لصون الذات مما قد يكدر صفوها، والعمل على إبقائها لامعة، واسترضاء نهمها للإشادة والاحتفاء، ومع تصاعد الضغوط المحيطة وتنامي حال التذمر التي قد تسفر عن بعض المواجهات؛ قد تنفجر الذات وتتبعثر، وفي انفجارها تصيب الحاضرين الشظايا. الحال أن تبعات الانفجار نفسها قد تكون سببًا لخلود السيرة؛ فالحدث يكون في العادة قويًا مزلزلًا، ورد فعل أصحاب الذوات المتضخمة على المواجهة يجيء في صورة غضب عارم ومسلك عنيف والنتائج عصية في الأغلب على التنبؤات.

ما بين العمل على ترسيخ الوجود والسعي إلى تخليد الذكرى؛ قد تسقط أشياء عدة وتتولد أخرى، وتبقى الذات محل الإعجاب الفائق هدفًا ومبتغى، لا يطغى عليها حدث ولا يردع صاحبها أمر. شهوة البقاء تحكم المسار وتحدد الاتجاه؛ لكن التاريخ لا يحتفظ طويلًا بصفحات خادعة، فسرعان ما يجردها من المجد، ويتركها عارية؛ لا تنعم ولو بورقة توت.