تصميم: يوسف أيمن- المنصة

أبي وأمي والجائحة وموسم التمرينات العقلية

إذا كان بمقدوري اختيار مكان أحظى فيه بنهاية العالم خاصتي أو "أبوكاليبس آلاء 2020"، كنت ربما اخترت منطقة شاطئية منعزلة وحُلة سباحة مع حيوان أليف فئة كلب توم هانكس بفيلم You've got mail.

الواقع رغم ذلك مختلف بشدة: أقضي نهاية العالم المزعومة في منزلنا العائلي المتواضع بالقاهرة، أمنع أخي الأصغر من طلب البيتزا عبر الهاتف يوميًا عدة مرات وأغلب ساعات اليوم، أدوّن مقتطفات ذهنية من أحاديث أبي وأمي، 65 و57 عامًا على الترتيب، وأتساءل هل يصمد زواجهما فترة العزل كما صمد فترة خروج والدي على المعاش قبل أعوام؟

مقامرة مثيرة مضطرة لمشاهدتها بينما ينضج بداخلي يوميًا قلق شديد بشأن صحة كل منهما في مواجهة الجائحة، فأجنح لتتبع حالتهما الصحية، والتأكد إذا كان كل شيء معقمًا، أو التأكيد على التزام كل منهما بغسل اليدين وفقًا لتعليمات منظمة الصحة العالمية، إلى حين بناء كهف ملائم أخفي فيه الثنائي حتى مرور الوباء.. أو تحجب النساء.

أبي والتجمعات

واجهت في تلك الفترة تحديات عدة، ربما بدأت بمحاولة زرع فكرة بسيطة في رأس أبي حول ارتباط أداء الصلوات الخمس في مسجده المزدحم المُفضل وزيادة فرص الإصابة. في البداية طلبت من والدتي أن تنوّه لخطورة الذهاب للمسجد. تشاجرا (فشل 1). قدمتُ له زجاجة من الكحول الإيثيلي هدية، ونوّهت بنفسي على ضرورة التباعد الاجتماعي، صادفته بعد أقل من 24 ساعة في الطريق أثناء ذهابه للمسجد يتشاجر أو يساهم في فض مشاجرة داخل دائرة قطرها مترين فيها 3 أشخاص (فشل 2). بعد صلاة الجمعة الأخيرة، وبينما استقرَ في فراشه مساءً مرتاح الضمير، تحدثت إليه معلنة إدراكي التام لأهمية صلاة المسجد لحياته الروحية، ثم أضفت أضعف الإيمان: ليس من الضروري أن تلمس زر النور ومقبض الباب وباب الثلاجة وأكواب ماء عشوائية على الطاولة بمجرد الدخول وقبل أن تغسل يديك. ضحك بسخرية (فشل 3). توّلت وزارة الأوقاف الأمر نيابة عني ولحسن الحظ لم أواجهه (فشل 4).

أمي والـ Fake News

أبليت بلاء أفضل في مسألة الـ Fake News رغم ذلك، بعد أن سمعت بضعة أخبار حصرية من أمي عن إصابات عدة بكوفيد-19 في مقر الجامعة الأمريكية بالقاهرة نقلًا عن صديقة لها تعمل هناك، إضافة إلى خبر رش القوات المسلحة مطهرات فوق العاصمة، وعدة انهيارات عصبية لنساء على "جروب نسائي بموقع فيسبوك" يؤكدن أن صديقة لهن، صادقة بالضرورة، تؤكد بدورها أن المستشفيات العامة قد امتلأت عن آخرها بالإصابات بفيروس كوفيد-19، طلبت من أمي هاتفها لبضعة دقائق، وتعاوَنَتْ معي للغرابة، فتابعت عبر حسابها على فيسبوك منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة المصرية والجريدة الخاصة حيث أعمل، مُضيفة خاصية See First لكل منها "ماما، لو قولتيلي خبر مصدره مش حاجة من التلاتة دول مش هتناقش فيه، تمام؟".

النتيجة..
- ماما: في ديناصور على دائري المعادي.
= أنا: مين المصدر؟
- ماما: وزارة الصحة.
= أنا: -_-

واجهت صعوبة أخرى غير متوقعة: توطينهما على مفهوم الحجر الصحي. حتى مع فرض حظر التجوال يترجل أبي في رحلة نصف يومية للتبضع. للدقة، ربع يومية: مشوار للصيدلية ثم يعود، آخر لجلب الخبز ثم يعود، وثالث للمنظفات ورابع للسوق. ما أجمل الحياة بالمعاش، مليئة بالمغامرات و"المشاوير"، لذا حاولت إرساء قاعدة حول أهمية الالتزام بالبقاء في المنزل وشراء كل الاحتياجات الأسبوعية خلال "نزهتين" على الأكثر. دخلت غرفتي ثم عدت، لم أجد أبي. ذهب للـ Dry clean. ماذا فعلت؟ لا شيء، في البداية، كنت أصرخ بجدية شديدة وكأن هناك وباء قد يقتلهما بالخارج. ترد أمي بتحفز هي الأخرى"في عرض على منظم أدوات المطبخ 25% لازم أنزل أجيب منه قبل ما يخلص".

طبق السلاطة العملاق

لم أواجه مشكلات كُبرى في محاولة تحسين نظامهما الغذائي، أفتعل فقط رغبتي في طبق سلاطة عملاق فيتطوع أبي فرحًا لإعداده بعناية فائقة، ثم أتعلل بالشبع وأتركه ليأكل أغلبه، أطلب من أمي أن تنوّع غذائها، تتناول البروتين في الفطور، تتناول بضعة ملاعق من سلطة أبي الشهية، تنصاع حينًا متفهمة أهمية أن تبقى بصحة جديدة هذه الفترة، ثم تتراجع وتلتهم شوكولاتة سائلة من القِدر مباشرة بعد دقائق، لكنها ملتزمة بتقديم شراب الليمون الساخن بالجنزبيل للجميع يوميًا منذ أن رجحت أهميته في الوقاية من أدوار البرد، ودروب الحيرة، حتى سمعتها منذ بضعة أيام تنصح به جارة معتبرة إياه من ضمن وصايا منظمة الصحة العالمية لدعم المناعة.

إذن؛ أصبحَ لدينا جدول أعمال يومي محدّث للجميع، عدا أخي القابع في غرفته: نستيقظ جميعًا بالتدريج، أبدأ الإلحاح كي تتناول أمي فطورها، يبحث أبي عن أي سبب للخروج، يعود بعد برهة، وأسمع صوت شجار أمي معه:

- ماما: أنت دخلت الأوضة وفتحت النور قبل ما تغسل إيدك؟
= بابا: عقمتها بالكحول.
- ماما: مش كفاية.
= بابا: كفاية.
الإثنين معًا: آلاء..

في تلك الحالة أتخذ وضعية العجوز الحكيم وأنوّه أنه في صحيح منظمة الصحة العالمية: الماء والصابون أولى من الكحول، نادرًا ما يغضب أبي، في أغلب الأحوال يتهكم، وأحيانًا يجر الخيبة والفيروسات المجهرية إلى الحمام ويغسل يديه بالصابون، حينها فقط تستيقظ وساوسي، والـ Stop watch خاصتي كذلك، إذ أن دخوله للحمام وقضاء حاجته وغسل يديه وخروجه غالبًا لا يتخطى 60 ثانية: هل طبقت وصايا منظمة الصحة العالمية في غسيل اليدين اليوم؟

عودة للجدول: فاصل من تعقيم مشتروات أبي بالكحول، شجار مُصاحب حول جدوى شراء كولونيا 555، شجار القرار الأفضل بين إعادة استخدام حقائب التسوق البلاستيكية أم التخلص منها بوصفها ناقل للعدوى، شجار تعقيم الأحذية، مسابقة من يُدلي بأكبر كم من الأخبار الزائفة في 6 دقائق، مناظرة "لماذا لا يلتزم الجيران بالحجر المنزلي؟"، المسلسل الإذاعي "لا تسكب الكلور على الكحول" من بطولتي. وأناشيد وطنية وقرآن.

الحياة ما قبل الفيروس

سابقًا؛ لم يختلف البرنامج اليومي من حيث النظرية، لكن هناك فروق تطبيقية بسيطة، شجار مشتروات الصباح كانت تتمحور حول عدد أرغفة الخبز أو ربما تراكم "الردة" على كرسي الصالة، الجدل اليومي الأكثر أهمية خطوات إعداد العجة من وجهتي نظر أبي وأمي المتناقضتين، والقضية الشائكة عادة: هوية ذلك الذي ترك ضوء الحمام ولم يغلقه بعد أن خرج؟ أما سبب الخلافات الكُبرى التي عادة ما يستدعي صداها جيران الأحياء المجاورة فهو "ريموت الرسيفر" ذلك المستطيل البلاستيكي الضعيف، مَن له حق إدارته؟ هل نشاهد ناشيونال جيوجرافيك أو مدحت شلبي؟ على أي درجة صوت نضبطه؟

ذائقة أمي وأبي الفنية متباينتان جلّ التباين حتى أنهما لا يجتمعان في روتانا كلاسيك. تتذمر أمي، وتدعو أبي لمشاهدة إسماعيل ياسين في الأسطول في غرفته، فيدخل غرفته ويترك الباب مفتوحًا بدهاء، ويبالغ في رفع الصوت حتى لا تتمكن من متابعة المسلسل. بدهاء مماثل وقبل ميعاد المباراة، وقت أن كانت هناك مباريات، تقوم بحذف كافة قنوات الرياضة من "الريسيفر" الرئيسي، وهكذا الأيام دوَل لذا أتوجه بالشكر لكوفيد-19، لا لأنه جعل يومياتي أقل صخبًا، بل أكثر تخصصًا، فأصبحت أتابع الشجارات بدورية أكثر انتظامًا، ولأسباب يمكنني تتبعها مستعينة بقانون الاحتمالات.

وماذا عني؟

ماذا عن الكهف.. في الواقع لن أبنِ الكهف. لا داعي للإرهاق، كهفي لن يحميهما من الإصابة، لن يمنع الحياة، حسنة كانت أم قبيحة، من التفاعل معهما أو معي أو أي من الأحباء وأعضاء الدوائر المقربة. كهفي كذك، مفعم بغروري ورؤيتي الخاصة، رؤية قد لا تتسع بالضرورة لتفرد كلًا منهما، واختياراته الخاصة. لن أحم أحدًا، ليس بمقدوري، بوسعي فقط المساعدة، طرح أفكار أو بدائل، ثم عليهما الاختيار وعليّ قبول الاختيار دون التقليل منه. من حقي بالطبع الاعتراض وعدم الانصياع لقرارتهما والحد من آثارها السلبية مع قبول الاختلاف والمصير المشترك في كافة الأحوال.

القبول ربما فضيلة يمكننا مُمارستها والتوطن عليها فترة الحجر الصحي أو العزل. لن يتوقف العالم عند خياراتنا الشخصية ويطرق الباب للاستئذان. الحياة تكسر النافذة وتعبر دون أن نراها، فلنعي ذلك إذن ونستمتع بالتسليم.

أستعد الآن لدوري الاستشاري الشرفي في معركة جديدة: ذهاب أبي لاجتماع عائلي. أستعد كذلك لغلق باب غرفتي بعد النقاشات والمشاجرات والمهادنات، فإن لم أحافظ على مساحتي الخاصة وسلامي النفسي أولًا، لن أتمكن من تحديث مهاراتي الجدلية بالدورية الكافية لحين انتهاء موسم الأبوكاليبس وعودة موسم خلافات "ريموت الرسيفر".