تصميم: يوسف أيمن- المنصة

بنوك الدم تفلس أيضًا: الخوف من كورونا يقلل المتبرعين ويهدد المرضى

داخل صالة الانتظار في مركز نقل الدم التابع لهيئة المصل واللقاح في مدينة دمنهور، وقفت هاجر تنتظر دورها للحصول على كيس دم يبلغ ثمنه 190 جنيهًا، تحتاج إليه والدتها التي ستجري عملية جراحية، وذلك بعد أن اطمأنت إلى أن بإمكان الخاضعين للتأمين الصحي الحصول عليه مجانًا.

لم يكن ثمن كيس الدم المرتفع هو العقبة الوحيدة التي كانت ستواجهها هاجر، فبعد أن جاء دورها وجهزت الأوراق اللازمة، أخبرتها الممرضة بأن فصيلة دم المتبرع لا تطابق فصيلة دم والدتها (+A) وهي فصيلة لا تتوفر في بنك الدم منذ يومين، لتنهار الفتاة مرة أخرى خوفًا على حياة والدتها، لتلتقط خالة الفتاة خيط الحديث قائلة "أنا جيت من البلد عشان أتبرع لأختي، لأن مفيش حد عايز يتبرع الكل خايف من كورونا".

تكمل الفتاة العشرينية للمنصة وهي تغالب دموعها "مش عارفة أعمل إيه، أمي إيدها ورجليها اتكسروا في حادثة، ومحتاجه تدخل العمليات من 3 أيام، ومش عارفين نعمل ايه عشان نجيب كيس دم واحد"

فمع اقتراب نهاية شهر مارس، دقت جميع مراكز خدمات نقل الدم بمحافظات مصر ناقوس الخطر مع اقتراب نفاد كميات الدم المتوفرة في بنوك الدم القومية والخاصة وتلك التابعة للجمعيات الأهلية، مع عزوف المواطنين عن التبرع بالدم خوفًا من الإصابة بالفيروس، لذلك أطلقت مبادرة (علشان الدم ميقلش) لحث المواطنين على التبرع بالدم، لإنقاذ حياة آلاف المرضى بالمستشفيات الحكومية والخاصة.

أكياس الدم: معاناة مستمرة

بدأت أزمة نقص الدم بالتزامن مع الإجراءات التي اتخذتها الدولة لمواجهة فيروس كورونا المستجد، منذ قرار توقف الدراسة بالمدارس والجامعات ثم إغلاق دور العبادة وأخيرًا فرض حظر التنقل وإغلاق معظم المحال التجارية، ما أسهم أيضًا في توقف الحملات الميدانية للتبرع بالدم.

لم تختلف معاناة والدة هاجر عن معاناة مرضى الأمراض المزمنة التي تحتاج إلى نقل الدم بصورة دورية. حالات أنيميا البحر المتوسط (الثلاسيميا) ومرضى نزيف الدم الوراثي (الهيموفيليا) ومرضى الأورام والأنيميا والفشل الكبدي وأولئك الذين يحتاجون إلى إجراء غسيل كلوي.

إلى جوار هاجر وقفت حنان تنظر من نافذة بنك الدم وعلى وجهها علامات القلق والخوف بانتظار قدوم أحد أقربائها للتبرع بالدم لوالدتها المصابة باستسقاء في الكبد وقصور في الكلى وتحتاج إلى كيس من البلازما يوميًا لرفع نسبة الألبومين، وكيس دم كل أسبوعين للتعامل مع الأنيميا.

"الكل بقى خايف يجي يتبرع و أنا كلمت كل اللى أعرفهم ومش لاقيه حد، وأمي تعبانة ونسبة الدم بتقل وهتموت مني" بحسب السيدة الأربعينية وهي تصف معاناتها التي بدأت مع تفشي الجائحة، والخوف الذي انتاب الجميع من التبرع بالدم.

تضيف حنان أنها حاولت شراء الدم من المراكز الخاصة والتي وصل سعر الكيس بها إلى 500 جنيه رغم تعسرها ماديًا، ولكنها لم تجد فصيلة تطابق فصيلة والدتها (+B)، وهي ليست فصلة نادرة.

خطر يهدد المرضى

خلال الأسابيع الماضية، شهد بنك دم دمنهور نقصًا حادًا في فصيلتي (A) و(O) حسبما أكدت ممرضة بقسم القيء الدموي بمستشفى دمنهور التعليمي للمنصة، مشيرة إلى أن القسم يضم خمس حالات حرجة لم تتمكن سوى حالتين فقط من نقل الدم، بينما ما زال أقارب بقية الحالات يحاولون التواصل مع جميع مراكز خدمات نقل الدم للحصول على كيس دم ينقذ حياة الحالات ويخفف من آلامهم.

من جانبها، توضح الدكتورة ولاء عبد المحسن، مديرة بنك الدم بمدينة دمنهور، أن البنك "شهد تراجعًا كبيرًا في مخزون الدم شهر مارس/ آذار الماضي، لعزوف المتبرعين، خوفًا من انتقال العدوى من جهة، ومن جهة أخرى بسبب توقف جميع الحملات الميدانية، والتي تعتبر من الموارد الأولية للتبرع بالدم وذلك وفقًا للاجراءات التي اتخذتها الدولة لمنع تفشي الوباء، ورفض إصدار تصاريح أمنية لخروج الحملات وحث المواطنين على التبرع بالدم".

وتشير عبد المحسن كذلك إلى أن أعداد أكياس الدم الواردة إلى بنك دمنهور "قلت بشكل ملحوظ من 200 وحدة دم يوميًا لأقل من 30 وحدة دم من الممكن أن نحصل عليها الآن على مدار اليوم، وهو ما يشكل خطورة على حياة المرضى لارتباط حياة المرضى بكيس الدم، كمرضى السرطان وفقر الدم الوراثي، ومرضى الكبد والغسيل الكلوي، بالاضافة إلى حالات الطوارئ والحوادث المرورية والتي من الضروري توفير وحدات لهم من المخزون اليومي، موضحة أنها حالات لا تقبل الانتظار وحياتها قد تتوقف على كيس الدم".

وتتابع أن "بنك دم دمنهور يغطي 10 مراكز فرعية أخرى على مستوى محافظة البحيرة، ويحاول البنك على مدار اليوم أن يفاضل بين الحالات السيئة والأسوأ التى تحتاج إلى أكياس الدم، وذلك في محاولة للتغلب على نقص مخزون الدم"، وتقول إن الحالات التي لها الأولوية في صرف أكياس الدم هي حالات الأطفال الثلاسيميا والقيء الدموي ومرضى الأورام والتي تصل نسبة الهيموجلوبين في الدم لدى بعضهم إلى 7 ويحتاجون إلى نقل دم سريع لإنقاذ حياتهم".

حاول بنك الدم حل المشكلة جزئيًا، بحسب عبد المحسن، بإنشاء قاعدة بيانات للمتبرعين الدائمين وتخصيص رقم هاتف يستطيعون من خلاله معرفة أماكن التبرع عند عدم وجود سيارات متواجدة للتبرع، مع اتخاذ إجراءات الوقاية من لبس الكمامات، والتطهير المستمر لأماكن وأدوات التبرع بالدم على مدار اليوم بين الحالة والأخرى. كما انطلقت حملات لطمأنة المواطنين بأن كورونا لا ينتقل بالدم.

وتطالب مديرة بنك الدم بتكاتف جميع شرائح المجتمع والإقبال على التبرع بالدم لإنقاذ حياة المرضى، مبدية مخاوف جديّة من استمرار النقص مع قدوم شهر رمضان واستمرار فرض حظر التجول، لأن البنك يعتمد خلال شهر رمضان على حملات التبرع بالدم ليلًا لأن من الطبيعي عزوف المواطنين عن التبرع بالدم نهارًا أثناء فترة الصيام، وهو ما يعني توقف تام للتبرع وعجز البنك عن توفير أكياس دم لجميع المرضى.

شكة دبوس: كورونا لا ينتقل بالدم

مع الإعلان عن النقص الشديد في أكياس الدم، بادرت جمعية شكة دبوس للمشاركة مع بنك الدم بدمنهور في توعية المواطنين بضرورة التبرع بالدم والمساهمة في إنقاذ حياة المرضى.

تقول أسماء بدر، وهي مسؤولة حملات التبرع بالدم بالجمعية، للمنصة إن "من أهداف الجمعية حث المواطنين على التبرع بالدم مع ازدياد أزمة نقص أكياس الدم في بنك الدم القومي بدمنهور"، إذ بادرت بإطلاق حملات توعية على وسائل التواصل الاجتماعي للتفاعل مع الشباب وطمأنتهم بأن جميع بنوك الدم تأخذ كل اعتبارات السلامة لضمان عدم انتقال العدوى للمتبرعين، مع التركيز على توعيتهم بأن "الدم هو الحياة بالنسبة لكثير من المرضى"، وكيس الدم الواحد ينقذ حياة ثلاثة مرضى من خلال الاستفادة بالدم ومشتقاته.

كما تعمل الجمعية، بحسب بدر، على تنظيم حملات توعية ميدانية بالتزامن مع حملات التوعية الإلكترونية، وذلك بالتعاون مع بنك الدم الرئيسي بدمنهور، وتوفير عربات إسعاف للتبرع بالدم، مع اتباع جميع إجراءات الوقاية والتطهير الدائم، والالتزام بعدم تواجد أكثر من فردين داخل عربة التبرع وهما الممرض، والمتبرع، يرتدي كلاهما كمامة وقفازين طبيين، مع ضمان تجنب التزاحم أثناء التواجد بالحملات والالتزام بالتباعد مسافة متر بين المتبرعين لمنع حدوث أي عدوى محتملة.

ومع اتباع أساليب الوقاية لطمأنة المواطنين، تشير بدر إلى أن عدد المتبرعين الذين استجابوا لحملات التوعية قليل جدًا مقارنة بأعداد المرضى التي تحتاج لنقل الدم بشكل مستمر.

من جانبه، يوضح صبحي إسماعيل مدير جمعية الهلال الأحمر بالبحيرة، أنه وعلى الرغم من الاعتماد الدائم على التوعية وحث المواطنين على التبرع بالدم، إلا أن المخاوف السائدة لدى المتبرعين تتعلق "بانتقال عدوى ما بشكل مباشر بمجرد التبرع"، مشيرًا إلى أن هذه المخاوف تضاعفت مع بدء تفشي فيروس كورونا وتزايد حالات الإصابة به والوفاة بسببه يوميًا.

وأكد إسماعيل أن بنك الدم التابع للجمعية يعاني هو الآخر من نقص أعداد المتبرعين طواعية، ويقتصر على المتطوعين من الأهل والأصدقاء للحالات المرضية الخاصة مقابل الحصول على كيس دم، موضحًا أن الجمعية تحاول توفير أكياس الدم بأسعار مخفضة، حيث يبلغ سعر كيس الدم في حالة وجود متبرع 170 جنيهًا، بينما يرتفع في حالة عدم وجود متبرع إلى 300 جنيهًا، إذا توافرت الفصيلة المطلوبة.