أحد فروع جهاز حماية المستهلك. الصورة: صفحة الجهاز الرسمية على فيسبوك

إشكاليات قانونية منتظرة: حملات "حماية المستهلك" على المنشآت الطبية تثير جدلًا

منذ 20 سبتمبر/ أيلول الماضي ولا حديث للوسط الطبي بسوهاج سوى عن مرور لجان تفتيش على المنشآت الطبية الخاصة المملوكة للأطباء البشريين وأطباء الأسنان، وهو الأمر غير المسبوق نظرًا لتشكيل هذه اللجان من جهات لم يعهد الأطباء تفتيشهم عليها، منها جهاز حماية المستهلك ومديرية التموين، إلى جانب إدارة العلاج الحر بمديرية الصحة.

السخط كان القاسم المشترك لأحاديث الأطباء، سواء على صفحاتهم الشخصية أو مجموعات فيسبوك الخاصة، ورأى بعضهم أن تزايد الجهات المراقبة للخدمة الطبية بمثابة تعنت وترصد للأطباء، ومن جهتها أصدرت مديرية الصحة بسوهاج في 22 سبتمبر الماضي بيانًا عن اجتماع بين وكيل وزارة الصحة بسوهاج ونقيب أطباء سوهاج وبعض أعضاء مجلس النقابة، أوضحت فيه أن لجنة المرور على المنشآت الطبية الخاصة تشمل جهاز حماية المستهلك بالمحافظة وإدارة الرقابة التجارية التابعة لوزارة التموين، إضافة إلى إدارة العلاج الحر التابعة لمديرية الصحة بسوهاج، وأعقبه بعدة ساعات بيان من نقابة أطباء سوهاج يؤكد على الإاجتماع بين أعضاء مجلس النقابة ووكيل الوزارة، ويسرد بعض التفاصيل، إلا أنه لم يتطرق إلى تشكيل لجان التفتيش وتضمنها حماية جهاز المستهلك ومديرية التموين.

تحفظوا على التفتيش عليهم من جهات ليس لها صفة، وكتعبير عن هذا الغضب أغلق عدد من الأطباء أماكن عملهم الخاصة.

أكد الأطباء البشريون وأطباء الأسنان بسوهاج التزامهم بالقوانين، وعدم رفضهم لمرور الجهات المعنية بالتفتيش على الخدمة الطبية، إلا أنهم تحفظوا على التفتيش عليهم من جهات ليس لها صفة، وكتعبير عن هذا الغضب أغلق عدد من الأطباء أماكن عملهم الخاصة، إضافة إلى توجسهم من هذه اللجان وخوفهم من التعنت بحقهم. وأصدرت حملة "مصيرنا واحد" بيانًا طالبت فيه رئيس الوزراء بالتحقيق مع جهاز حماية المستهلك ومديرية الصحة بسوهاج لإثارة البلبلة بالوسط الطبي، ومخالفة القانون بمرور جهة غير مختصة وهي حماية المستهلك للتفتيش على المنشآت الطبية، بينما نشرت نقابة أطباء أسيوط بيانًا على صفحتها تحذر فيه أعضاءها من مرور لجان مجهولة، وتطلب من الأطباء في حالة حدوث ذلك التحقق من هويتهم، حيث أكدت النقابة أنها تواصلت مع مديرية الصحة والرقابة الإدارية بالمحافظة، ونفت الجهتان تشكيلهما لأية لجان تفتيش، في إشارة إلى اقتصار الإختصاص على هاتين الجهتين.

ومؤخرًا نشرت نقابة أطباء قنا بوست داخل مجموعتها على فيسبوك، يؤكد أن جهاز حماية المستهلك بقنا سبق سوهاج بنحو ثلاثة أسابيع في المرور على المنشآت الطبية، وحدد الجهاز في تواصله مع النقابة مطالبه من العيادات الطبية بتعليق قائمة أسعار للكشوفات، ومن المراكز الطبية بإعلان أسعار أشهر عشرة عمليات جراحية تتم بالمركز. وأضافت نقابة أطباء قنا أن جهاز الحماية المدنية مر بدوره على المنشآت الطبية، وطالب بوجود طفاية حريق وتدريب عامل لديه بعد دفع رسوم من 1500 إلى 2000 جنيه.

هل يحق لحماية المستهلك الرقابة على الخدمة الطبية؟

عضو مجلس أطباء الأسنان بسوهاج، الدكتور محمد ممدوح، قال إنه قرأ قانون جهاز حماية المستهلك ولم يجد به ثمة اختصاص رقابي على مقدمي الخدمة الطبية، فيما خاطب النقيب العام لأطباء الأسنان، الدكتور إيهاب هيكل، مجلس الدولة لتوضيح الجهات المنوط بها الرقابة على تقديم الخدمة الطبية، بخلاف إدارات العلاج الحر، مشيرًا في خطابه إلى مرور بعض الجهات غير المختصة على المنشآت الطبية الخاصة والتفتيش عليها، مما سبب مشكلات.

من جهته قال المستشار القانوني للنقابة العامة للأطباء، محمد شوقي، للمنصَّة، إن الإدارة تعد حاليًا دراسة قانونية عن هذا الموضوع وسترفعها إلى مجلس النقابة العامة للأطباء، فيما خاطب مؤخرًا رئيس اتحاد المهن الطبية، الدكتور حسين خيري، وزيرة الصحة يطلب منها إبداء الرأي في أحقية جهاز حماية المستهلك في المرور على العيادات و المنشآت الطبية، دون أن يتطرق إلى سرد أية تفاصيل قانونية أو استعراض حالة الحنق والسخط التي تسود الوسط الطبي.

"مش هنسمح لهم بكده"

القائم بأعمال رئيس جهاز حماية المستهلك، الدكتور أحمد سمير فرج، رد على سؤال المنصَّة عن دور جهاز حماية المستهلك في الرقابة الخدمة الطبية على خلفية ما أُثير من اعتراضات، بقوله إن "الجهاز معني بأي خدمة أو سلعة، و إحنا لما دخلنا المنشآت الطبية دي دخلناها مع وزارة الصحة، تفتيش وزارة الصحة، ومن ضمن القضايا اللي إحنا مسكناها أحد الأطباء الكبار عامل مركز غير مرخص لمزاولة المهنة وإنه يبيع أدوية، وتم ضبط كمية كبيرة من الأدوية منها أدوية مهربة ومنها أدوية تخص التأمين الصحي ومنها أدوية منتهية الصلاحية".

"لو السادة الأطباء عاوزين يمارسوا المهنة ويضروا المستهلك مش هنسمح لهم بكده"، واصل فرج حديثه، مشددًا أن الجهاز لن يسمح لأي شخص بإيقاع الضرر على صحة المستهلك المصري وسلامته، وأن الجهاز لا يتدخل في الخدمة الطبية المقدمة، لكنه يتأكد من توفر التصاريح اللازمة، والالتزام بمزاولة المهام المنصوص عليها في الترخيص، دون غيرها، وأن هذه النوعية من المخالفات هي ما رصدته لجان الجهاز بالفعل، داعيًا الأطباء "غير الملتزمين" الذين وصفهم بأنهم النسبة الأقل إلى الالتزام "علشان هنطبق القانون".

وعن تضارب ما يمارسه جهاز حماية المستهلك من عمليات تفتيش على المنشآت الطبية مع اختصاصات الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص بوزارة الصحة، أجاب فرج "كانوا موجودين معانا"، مؤكدًا أن محافظ سوهاج، اللواء طارق الفقي، اجتمع بالأطباء المعترضين وأصرَّ على التفتيش، "مش عاوزين البلد تبقى يعني ميغة، أي حد يدعي أنه طبيب وأي حد يفتح مركز طبي ويحط يفط والمفروض الناس تدخل على ثقة، ويعرفوا إن أجهزة الدولة مفتحة عينيها".

حاولت المنصة التواصل مع محافظ سوهاج وأرسلت له على واتساب الخاص به سؤالًا عن الأحقية القانونية لجهاز حماية المستهلك، للمرور على المنشآت الطبية والرقابة عليها، إلا أننا لم نتلق ردًا حتى نشر التقرير.

بيانات سابقة

بالرجوع للبيانات الصادرة من جهاز حماية المستهلك والمنشورة بوسائل الإعلام عن تنفيذ مهامه، لم يتبين بها مرور الجهاز والتفتيش على الأطباء والمنشآت الطبية الخاصة قبل حملة التفتيش في سوهاج، فأشار بيان نشر في 29 يونيو/ حزيران عن ضبط مخالفات لمطهرات ومعقمات ومستلزمات طبية وعطور في محال بيعها، وفي 29 يوليو/ تموز أعلن ضمن حملاته ضبط مخالفات نقل أدوية بمخالفة قانون الصيادلة بمحافظة المنيا بالمخالفة لقانون الصيدلة، وبخلاف ذلك، فكل المخالفات المنشورة كانت في مجالات اللحوم والسلع الغذائية والسيارات، والمواد البترولية والمنظفات، والإعلان عن أسعار المنتجات وصناعة المراتب، وغيرها، وبمراجعة موقع جهاز حماية المستهلك تبين عدم وجود قضايا تخص المنشآت الطبية، وما هو منشور بشأن القضايا التي ضبطها الجهاز وتم الحكم فيها كانت 20 قضية للسيارات ومستلزماتها، وقضيتان للسلع الغذائية وتسع قضايا إعلانات مضللة.

"حق أصيل للجهاز"

وكيل وزارة الصحة بسوهاج، الدكتور هاني جميعة، يرى أن لجهاز حماية المستهلك الحق في التفتيش على أي خدمة أو منتج يقدم لأي مستهلك على مستوى الجمهورية.

وردًا عن تعارض تلك الصلاحيات للجهاز مع اختصاص الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص بوزارة الصحة، طبقًا لقانون المنشآت الطبية الخاصة رقم 51 لسنة 1981والمعدل بالقانون رقم 153 لسنة 2004، قال جميعة للمنصَّة إن المحافظ عقد اجتماعًا لشرح هذا الأمر بحضور ممثل الجهاز وخبير قانوني، وأوضح الأخير أن هذا حق أصيل للجهاز، خاصة أن المادة الثالثة من قانون الجهاز تتيح رقابته على "الخدمات والمنتجات" وهو ما يندرج تحته الخدمة الطبية، مشددًا أن الجاهز لم يسلب وزارة الصحة اختصاصاتها، وهذا ما وضحه ممثل الجهاز "أنا بنزل مع العلاج الحر، وهو بيمارس اختصاصاته وأنا لي حاجة بسيطة براقبها، براقب على الأسعار، بشوف الراجل ده طبيب ولا لأ ومؤهل ولا لأ".

وعن مدى مناسبة تطبيق جميع مواد قانون حماية المستهلك على الخدمة الطبية، مثل حق المستهلك في إرجاع السلعة أو استبدالها، قال وكيل صحة سوهاج إن المنتج هو ما يخضع لهذه القاعدة وليس الخدمة، ولكنه من المتوقع أن يؤثر بالإيجاب على الخدمة ويرفع جودتها.

هل يمكن لجهاز حماية المستلهك أن يفتش منفردًا على المنشآت الطبية للمراقبة على الأسعار؟ أجاب جميعة "يقدر يمر بمفرده لو واحد كاتب استشاري في تخصص معين على عيادته، و هو لم يحصل على دبلومة أو ماجستير، ده نوع من أنواع الغش التجاري أو غش المستهلك اللي هو له يد فيه، يقدر في حاجة زي دي يتكلم فيها".

واختتم وكيل الوزارة "خلينا نتكلم على الأرضية المشتركة الي إحنا عاوزينها، الجهاز ملهوش إنه يفتش على أي أمور فنية، ملهوش إنه يفتح درج، ملهوش إنه يشوف الدكتور بيعمل إيه، دي كلها صلاحيات للعلاج الحر، الحاجات بتاعته هي الأمور الإدارية، ملهوش أي علاقة بالعمل الفني، أنا مش بدافع عنهم وإحنا نقدر نقول للناس دي اختصاصاتها إيه وملهاش إيه، والقضاء هو اللي يفصل في الخلاف".

جدل وإشكاليات قانونية

القانون رقم 51 لسنة 1981 والمعدل بالقانون 153 لسنة 2004 الخاص بتنظيم المنشآت الطبية ولائحته التنفيذية تناول تفصيلًا الاشتراطات الواجبة لترخيص المنشآت الطبية الخاصة وقواعد الإعلان عن المنشآة والعاملين بها، وحدد المختصين بالرقابة وضبط المخالفة ومنحهم حق الضبطية القضائية، وتضمن القانون العقوبات عن مخالفة أحكام هذا القانون، فاشترط في اللائحة التنفيذية وجود طفايات حريق ووسائل مياه نقية وصرف صحية ووسائل التخلص من القمامة والفضلات.

كما قرر في المادة 23 من اللائحة و12 من القانون أن يشكل وزير الصحة لجنة لتحديد أجور الإقامة والخدمات التي تقدمها المنشآت، وحددت المادة 17 من القانون المختصين بضبط المخالفات "يكون للأطباء العاملين بالإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص وكذا مديريات الشئون الصحية بالمحافظات والإدارات الصحية والعلاج الحر بها، وكذا مديري إدارات طب الأسنان ومن ينتدبهم وزير الصحة بالاتفاق مع وزير العدل بين الأطباء المتفرغين، صفة مأموري الضبط القضائي لإثبات الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون أو القرارات المنفذة له، ولهم في سبيل ذلك حق دخول المنشأة الطبية هم ومرافقوهم والتفتيش عليها في أي وقت".

و يذكر أن وزارة الصحة لم تشكل إلى الآن اللجان وتحدد قوائم الأسعار رغم إنذارها رسميًا بذلك. وتحال مخالفات هذا القانون المحررة إلى النيابة العامة، والتي تحيلها إلى محكمة الجنح والجنايات لتطبيق العقوبات المنصوص عليها.

أما قانون 181 لسنة 2018 والخاص بجهاز حماية المستهلك، والذي يطلب من المنشآت الطبية إعلان أسعار الخدمات طبقًا للمادة 7 منه فينص على أن "يلتزم المورد بأن يعلن أسعار السلع أو الخدمات التي يعرضها أو يقدمها، بشكل واضح على أن يتضمن السعر ما يفرضه القانون من ضرائب أو أي فرائض مالية أخرى"، ويستند من يقروا بأحقية الجهاز في المرور على المنشآت الطبية، إلى المادة الرابعة المعرِّفة للمنتجات بأنها "السلع والخدمات المقدمة من أشخاص القانون العام والخاص" والمادة الخامسة وفيها تعريف المورد "كل شخص يمارس نشاطًا تجاريًا أو صناعيًا أو مهنيًا أو حرفيًا يقدم خدمة للمستهلك"، باعتبار أن ما يقدمه الطبيب "خدمة".


اقرأ أيضًا: كيف هرب 62% من أطباء الحكومة؟


إلا أن تعريف المستهلك في المادة الأولى من القانون هو "كل شخص طبيعي أو اعتباري يُقدم إليه أحد المنتجات لإشباع حاجاته غير المهنية أو غير الحرفية أو غير التجارية"، واتفقت المعاجم اللغوية وتحديثاتها على تعريف المهنة على أنها أي نوع من العمل الذي يحتاج إلى تدريب خاص أو مهارة معينة، وبشكلٍ أدق هي عبارة عن ممارسة تتطلب مجموعة معقدة من المعارف والمهارات التي يتم اكتسابها من خلال التعليم الرسمي والخبرة العملية، وهذا يضع كل عمل يتضمن تعليمًا ومعرفة وتدريبًا تحت مسمى المهن، فالسائق والمحامي والضابط والفنان والطبيب والقاضي وغيرهم، جميعهم أصحاب مهن تقدم خدمات للمستهلك بتفسير جهاز حماية المستهلك، وتخضع لمراقبته.

أما المحكمة المختصة بالنظر في مخالفات قانون حماية المستهلك فهي المحكمة الاقتصادية وتطبق العقوبات الواردة في القانون.

إذا تم الإقرار بأحقية جهاز حماية المستهلك في المرور والرقابة على المنشآت الطبية، فنحن أمام أكثر من إشكالية قانونية، أهمها تداخل اختصاصات إدارة العلاج الحر (صاحبة الضبطية القضائية في قانون تنظيم المنشآت الطبية) وجهاز حماية المستهلك (صاحب الضبطية القضائية في القانون المنظم للجهاز)، مما قد ينتج عنه تحرير محضرين من جهتين مختلفتين لمخالفة واحدة، وبالتالي من ازدواج جهة نظر الدعوى القضائية (المحكمة الجنائية والمحكمة الاقتصادية) والعقوبة المنصوص عليها، فضلًا عن إمكانية دخول جهة ثالثة للرقابة وهي هيئة الاعتماد والرقابة الصحية، التي يمنحها قانون التأمين الصحي الشامل صلاحية التفتيش على المنشآت الطبية المقدمة لخدمات التأمين الصحي.

وأخيرًا سيصبح جهاز حماية المستهلك مطالبًا بتطبيق نفس آليات المراقبة على مصالح السجل المدني ومكاتب المحاماة والمحاسبة والشهر العقاري ومنصات القضاء.