من جلسات مجلس النواب. الصورة: أرشيفية- خالد مشعل

يوميات صحفية برلمانية| من أسباب رفض "تغليظ عقوبة الختان": عضو المرأة ليس مهمًا.. وكيف نواجه الناخبين

يبدو أن عقودًا من العمل الحكومي والأهلي لمواجهة ظاهرة الختان لم تشفع بما يكفي للفت نظر بعض نواب الشعب إلى خطورة تلك الجريمة التي تهدد صحة المرأة، وأحيانًا قتلها، إذ استغرق النقاش حول مشروع تعديل القانون المقدم من الحكومة لتعريف ممارسة الختان وتغليظ العقوبة ضد مرتكبي الجريمة، والمكون من مادة واحدة، نحو أكثر من ساعتين داخل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية لمجلس النواب، التي شهدت جدلًا واعتراضات قبل أن توافق أخيرًا على إقراره.

أكثر ما يلفت النظر في النقاش الذي بدأ بتخوف بعض النواب من "اصطدام التعديلات بعادات المجتمع الراسخة"، متهمين الحكومة بـ"التغييب"، أو ابتعاد المشروع عن "صحيح الدين"، أو "إزاي هاننزل الدواير بتاعتنا في الصعيد؟"، أو اعتباره ليس عاهة مستديمة لأنه لا يطول عضوًا حيويًا من جسدها مثل اليد أو القدم.

ولكي نفهم سبب الخلاف، إليكم رحلة القانون قبل تعديله وما أدخل عليه من تعديلات قبل الوصول إلى مجلس النواب.

قبل التعديل

التعديل المقدم من الحكومة ليس الخطوة القانونية الأولى التي تتخذها الدولة لمواجهة ظاهرة ختان الإناث، حيث سبق وأن صنفتها كجريمة في قانون الطفل الذي صدر في عام 2008، كما شرعت عددًا من العقوبات ضد من يقدم على ممارستها، في تعديلات قانون العقوبات التي أقرها مجلس النواب عام 2016.

وتنص المادة 242 من قانون العقوبات الحالي على أن "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تجاوز سبع سنوات كل من قام بختان لأنثى بأن أزال أيًا من الأعضاء التناسلية الخارجية بشكل جزئي أو تام، أو ألحق إصابات بتلك الأعضاء دون مبرر طبي. وتكون العقوبة السجن المشدد إذا نشأ عن هذا الفعل عاهة مستديمة أو أفضى ذلك الفعل إلى الموت".

وكذلك تنص المادة 242 مكرر- أ من القانون نفسه على أن يعاقب بالحبس "مدة لا تقل عن سنة ولا تتجاوز ثلاث سنوات، كل من طلب ختان أنثى وتم ختانها بناء على طلبه".

بعد تعديلات الحكومة

التعديلات التي تقترحها الحكومة لا تستهدف تغليظ العقوبة فقط بحق من يقدم على الشروع في ختان ما يقع تحت ولايته من الإناث، أو توسيع دائرة الاتهام لتشمل مسؤولين آخرين عن اتخاذ ذلك القرار، أو تفرض عقوبات خاصة على الأطباء، وإنما شملت أيضًا تحديد أركان الجريمة بشكل أكثر دقة من النص الحالي.

وينص التعديل المقترح للمادة 242 من القانون، على أن "يعاقب بالسجن لمدة لا تقل عن خمس سنين كل من أجرى ختانًا لأنثى بإزالة أي جزء من أعضائها التناسلية أو سوى أو عدل أو شوه أو ألحق إصابات بتلك الأعضاء، فإذا نشأ عن ذلك الفعل عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن سبع سنين، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنين".

واختصت التعديلات الأطباء المتورطين في الجريمة بعقابهم بـ"السجن المشدد إذا كان من أجرى الختان طبيبًا، أو مزاولا لمهنة التمريض، فإذا نشأ عن جريمته عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنين، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمسة عشر عامًا ولا تزيد عن عشرين سنة".

وامتدت العقوبات في تعديل الحكومة لعزل الجاني من وظيفته الأميرية مدة لا تزيد عن خمس سنوات وحرمانه من ممارسة المهنة مدة مماثلة وغلق المنشأة الخاصة التي جرى فيها الختان.

الشيوخ يُعدل النص

وفي جلسة مغلقة بمجلس الشيوخ، ترأسها المستشار عبد الله عصر، ناقشت اللجنة الدستورية التعديلات المقترحة، بمشاركة مكتب لجنة الصحة والسكان، وأجرت بعض التعديلات التي يبدو أنها انتقصت من الصياغات الدقيقة التي قدمتها الحكومة، خاصة في الجزء الخاص بأركان الجريمة، ولكنها أضافت في الوقت نفسه تعديلات أكثر دقة فيما يخص العقوبات.

وحذفت اللجنة أركان الجريمة المقدمة من الحكومة، التي تنص على معاقبة كل من "أجرى ختانًا لأنثى بإزالة أي جزء من أعضائها التناسلية أو سوى أو عدل أو شوه أو ألحق إصابات بتلك الأعضاء"، ليصبح نصها النهائي "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من أجرى ختاناً لأنثى بإزالة جزء من أعضائها التناسلية الخارجية بشكل جزئي أو تام أو ألحق إصابات بتلك الأعضاء، فإذا نشأ عن ذلك الفعل عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن سبع سنين أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنين".

بررت لجنة مجلس الشيوخ في تقريرها، التعديل باحتمال وجود مبرر طبي لإجراء تعديل أو تسوية بالجهاز التناسلي للمرأة، أو أي طارئ صحي آخر يستدعي التدخل الطبي في تلك المنطقة، وهي مبررات ساقها أطباء من أعضاء مجلس الشيوخ خلال الاجتماع، بحسب مصدر شارك في اجتماع اللجنة.

وقال المصدر للمنصة إن "النص الوارد من الحكومة سيمنع الأطباء من ممارسة أي إجراء جراحي في هذه الأعضاء لأي مبررات طبية خوفًا من الوقوع في دائرة اتهام بموجب تلك المادة".

وبموجب تعديلات مجلس الشيوخ على النص، فإن عقوبة الطبيب أو مزاول مهنة التمريض، ستكون "السجن المشدد لمدة لا تقل عن 5 سنوات، إذا كان من أجرى الختان المُشار إليه بالفقرة السابقة طبيبا أو مزاولًا لمهنة التمريض، فإذا نشأ عن جريمته عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المُشدد لمدة لا تقل عن 10 سنوات، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد، لمدة لا تقل عن خمسة عشر سنة ولا تزيد على عشرين سنة".

وحددت التعديلات أن تقضي المحكمة فضلًا عن العقوبات المتقدمة بغلق المنشأة الخاصة التي تجري فيها عملية الختان، إذا كانت مرخصة، مدة لا تقل عن 5 سنوات، مع نزع لوحاتها ولافتاتها، "سواء أكانت مملوكة للطبيب مرتكب الجريمة، أم كان مديريها الفعلي عالمًا بارتكابها، وذلك بما لا يخل بحقوق الغير حسني النية، ونشر الحكم في جريدتين يوميتين واسعتي الانتشار وبالمواقع الإليكترونية التي يُعينها الحكم علي نفقة المحكوم عليه".

ماذا نفعل في الصعيد؟

أحال مجلس الشيوخ التعديلات المقدمة من اللجنة، بعد موافقة أعضائه عليها خلال جلسته العامة يوم الأحد الماضي، إلى مجلس النواب، الذي أحالها بدوره إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، وناقشتها خلال اجتماعها أمس الأربعاء، وهو الاجتماع الذي شهد اعتراضات متعددة بين أعضائه قبل أن يبدأ.

فخلال انتظار البدء الرسمي للاجتماع، اعترض أحد النواب المنتمين إلى الصعيد على مشروع القانون، وقال "ندخل دوائرنا إزاي؟ نقابل أهالينا في الصعيد إزاي؟ الحكومة دي بتهزر؟ إيه العقوبات دي؟".

مع بدء المناقشات قال النائب مصطفى بكري، إن القانون سيواجه رفضًا مجتمعيًا، مضيفًا "هذه قضية خطيرة تهز المجتمع من أوله لآخره، خلوا بالكم في الصعيد ثقافة والعقوبات المشددة دي هتحبس نصف المجتمع"، مطالبًا بأخذ "ثقافة" المجتمع بعين الاعتبار "مهم نراعي ثقافة المجتمع مش كله ورا بعضه، سندخل في مشاكل بلا حدود، الحكومة غير دريانة باللي بيحصل"، مشيرًا إلى أن القضاء على تلك الجريمة، في رأيه، يكون عبر حوار مجتمعي وتوعية إعلامية وليس بتغليظ العقوبات.

احترام ثقافة المجتمع

في مواجهة عادات المجتمع وثقافته، وارتباط هذه الجريمة بمحيط الأسرة التي ينطبق على أطرافها هذا القانون اتجه بعض النواب إلى محاولات إمساك العصا من المنتصف عبّر عنها النائب علي بدر مقترحًا تنفيذ الذي أيد التجريم وتوسيع نطاق الجريمة وتخصيص عقوبات للأطباء لكنه يميل إلى الحد من تشديد العقوبة وقال "هذا الأمر تم تناوله كثيرًا، ونقدر يكون لنا دور الآن ونغير هذه الثقافة في مجتمعنا، وممكن ألا نأخذ المجتمع للتشديد مرة واحدة".

ومثله حاولت النائبة شادية خضير، موازنة الآراء، عندما طالبت بتحرك إعلامي قوي للتوعية بخطورة الختان، لكنها أعلنت في الوقت نفسه موافقتها على مشروع القانون من حيث المبدأ مشترطة تخفيف العقوبة، قائلة "العقوبة شديدة جدًا العقوبة مشددة على أسرة؛ الأسرة هتدمر أرجح المناقشة في مدة العقوبة".

وعقب رئيس اللجنة المستشار إبراهيم الهنيدي، معلى حديث خضير قائلًا "أسوأ شيء لتعديل المجتمع هو تغييره بالقانون، وهذه مسألة شبه مستحيلة، وأدعو لتعديل المجتمع بترويج الأفكار وإقناع المجتمع بها حتى نصل لمرحلة تسمح بتدخل المشرع بوجود إلزام قانوني".

لكن أكثر التعقيبات على القانون لفتًا للنظر، هو ما صرح به ممثل المجلس القومي للطفولة والأمومة، مصطفى شربيني، الذي طالب بتخفيض العقوبة، وهو مطلب يخالف توجهات المجلس الذي اشترك مع الحكومة في صياغة التعديلات المقترحة بالإضافة إلى المجلس القومي للمرأة.

حزب النور: النبي وصى عليه

دافع نائب حزب النور، أحمد حمدي، خلال الاجتماع، عن جريمة الختان، مستندًا إلى روايات وأحاديث منسوبة للرسول تحفّز على ممارسة تلك العادة، قائلًا "يوجد نوع من الختان له مبرر طبي ولا يمكن أن يقر الرسول شيئًا غير صحيح"، مستشهدًا بالرواية المنسوبة للرسول من حديثه مع أم عطية وقوله "اخفضي ولا تنهكي".

واعترض حمدي على تجريم الختان في المستشفيات وامتداد العقوبات في القانون للأطباء، معتبرًا أن ذلك سيعرض الفتيات لأخطار أكبر عندما يعتمد الأهالي على غير المتخصصين لإجراء تلك العملية، قائلًا "نجرمه في العيادات والمستشفيات المتخصصة، ونخليه يروح للداية وغير المتخصصين وحلاق الصحة وما يسببه من تلوث ونزيف"، وانتقد حمدي العقوبات التي تضر بالأسرة، حسب قوله، بعد أن يحبس أحد أفرادها في حال تسببه في وقوع الختان.

تعليق حمدي عن خطورة منع الأطباء من ممارسة هذه العملية، دفع ممثل وزارة الصحة في الجلسة، الدكتور خالد العطيفي، اللرد قائلًا "طبيًا لم ندرس في كلية الطب أي شيء اسمه ختان الإناث، لا يوجد مبرر طبي، كان في القانون ثغرة وأنتج شرعنة هذه الممارسة، الطبيب لما يجري هذه العادة يخدع العامة إن له سبب طبي، علماء الطب أفادوا أنه لا يوجد دواعي طبية إطلاقًا".

عضو المرأة ليس مهمًا

امتد الجدل خلال مناقشات اللجنة، التي ذهبت إلى أبعد من "قسوة" العقاب، إلى النقاش حول ماهية العاهة المستديمة من الأصل، وإن كان يمكن اعتبار نتيجة الختان عاهة مستديمة في حد ذاتها، أم أن الأمر يحتاج إلى إحداث ضرر أكبر من اقتطاع جزء حيوي من العضو التناسلي لينطبق عليها توصيف العاهة المستديمة.

رئيس لجنة الشؤون لصحية بمجلس النواب، أشرف حاتم، رفض ذلك التعبير واعتبر أن فيه "تزيد" وتمسك بالنص المعدل من جانب مجلس الشيوخ، مشيرًا إلى صعوبة إثبات حدوث العاهة المستديمة في هذه الحالة.

فيما رأى المستشار إبراهيم الهنيدي، أن "وصف العاهة المستديمة لابد أن يرتبط بافتقاد الجسم منفعة عضو كليًا أو جزئيًا، وهو ما يصعّب أيضًا إثبات ما لحق بها من عاهة لأنه ليس مثل اليد أو القدم" حسب قوله.

هذا الرأي دفع المنصة لسؤاله مرة أخرى إن كان يقصد حقًا ما قاله في اجتماع اللجنة، فقال "أوضحت فقط الرأي القانوني، ولكن الأطباء يرون صعوبة إثبات حدوث عاهة، ومنهم رئيس لجنة الشؤون الصحية في مجلس الشيوخ وهو طبيب متخصص في المسالك البولية".

ظهور لمؤيدي تشديد العقوبة

في مقابل المعترضين على تشديد عقوبة الختان، وممسكي العصا من المنتصف؛ ظهر عدد من النواب أكثر حسمًا وتأييدًا لتشديد عقوبة الجريمة. وأبدى ممثل الكتلة البرلمانية لحزب الوفد، النائب سليمان وهدان، موافقته على مشروع القانون الذي قال إنه تأخر كثيرًا، رافضًا ربط الجريمة بالدين، مؤكدًا أنها نتجت من قبيل "العادات وليس للشق الديني دور فيها".

أما النائب عبد الله الشيخ، فنفى عن المجتمع عدم أهليته لقبول تجريم الختان وتغليظ العقوبات ضد مرتكبيه، مؤكدًا قدرة المواطنين على استيعاب التعديلات، وقال"ما لا يدرك كله لا يترك كله، الموقف حاليًا مفتوح، أنا رجل ريفي وجئت من وسط ديني، المسألة أصبحت مقبولة الآن، بخلاف زمان. العادات والتقاليد كانت سدًا منيعًا، حاليًا الأمر اختلف".

وافقه الرأي النائب إيهاب رمزي، الذي دافع عن مشروع القانون وطالب باعتبار الختان جريمة لا تسقط بالتقادم، قائلًا "نحن لا ننشئ جريمة جديدة، المجتمع يعلم أنها جريمة معاقب عليها بالسجن، ولا نحتاج إلى حوار مجتمعي. نشدد العقوبة ونوسع دائرة التجريم، ولابد من إضافة نص يجعل هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم، فهذه جريمة تكتشفها المرأة عند البلوغ".

كذلك دافع النائب عبد المنعم إمام عن مشروع القانون، مشيرًا إلى أن لفظ الختان هو لفظ مخفف واسم الجريمة الحقيقي هو "تشويه الأعضاء التناسلية"، داعيا لزيادة العقوبة لتصل للأشغال الشاقة المؤبدة.