تصميم: يوسف أيمن - المنصة

ما يشبه الشهادة: سيرة فوضى غير خلاقة لجوائز الدولة

في نهاية مايو/ أيار 2006، قال لي الأستاذ يوسف الشاروني "بعد روايتك أول النهار (2005)، كان من الإنصاف أن تتقدم إلى جائزة التفوّق". التفوّق جائزة حديثة، تنطلق فلسفتها من تعويض كتّاب فاتتهم جائزة الدولة التشجيعية، ولم تدركهم بركات جائزة الدولة التقديرية. حازت جوائز التفوّق سمعة طيبة، بذهابها في دورتها الأولى عام 1999 إلى الروائي صبري موسى، والمترجم محمد عناني في الآداب، وعواطف عبد الرحمن وصلاح قنصوة وإبراهيم البحراوي في العلوم الاجتماعية. في دورات تالية، اكتسبت مصداقيةً بأسماء فاروق عبد القادر، وأسامة أنور عكاشة، ونهاد صليحة، وقاسم عبده قاسم، وشاكر عبد الحميد، وداود عبد السيد، وحلمي سالم، وإبراهيم عبد المجيد، وسمير فريد.

ثورة 25 يناير 2011 خلخلت قواعدَ حديديةً أرساها فاروق (حسني) مبارك، ففاز بجائزة التفوّق عام 2012 أحمد السيد النجار وعمار علي حسن. فرحنا وقلنا: نجحت الثورة.

في اليوم السابق للقاء، هاتفني يوسف الشاروني. قال إنه يريد، على وجه السرعة، بضع دراسات منشورة عن روايتي باب السفينة (2002)، واتفقنا على اللقاء أمام الجامعة الأمريكية في ميدان التحرير. كان قادمًا من اجتماع في المجلس الأعلى للثقافة، وأعطيته ما طلب، وسألني لماذا لم أتقدم إلى جائزة التفوّق؟ أوضحت أنني فاقد الثقة منذ زمن في الجوائز المصرية ومانحيها، وأنني لم أتقدم إلى جائزة الدولة التشجيعية، وأن الدكتور أيمن بكر هو الذي ذهب إلى المجلس، في اليوم الأخير قبل إغلاق الباب، وقدم باب السفينة. وابتسمتُ، فقال "إن شاء الله خير". كانت ملامحه تشي بحياد القاضي، ثم شدّ علي يدي، وأتبع "اطمئن".

في يونيو 2006 أعلنت جوائز الدولة، وفاز بالجائزة التشجيعية كمال رحيّم عن روايته قلوب منهكة. التزمت الصمت؛ فلم يستشرني أيمن بكر في التقدم. وبعد أيام هاتفتُ الشاروني، وعرف صوتي. وبدلًا من ردّ التحية، قال بانفعال "اسمع يا سعد، ماليش دعوة". قلت إنني أتصل فقط لأنني أريد قراءة الرواية، وأصدقائي يسألونني عن فائز يسمعون اسمه للمرة الأولى. وفي اليوم التالي هاتفني الفائز بامتنان، وامتدح "الأخلاق الرياضية التنافسية"، فأوضحت أنني لم أتقدم، وطلبتُ نسخًا، فأرسلها. وأعطيت الشاعر أسامة عفيفي نسخة، وكان زميلي علي النويشي يحرر صفحة الكتب الأسبوعية في الأهرام المسائي فأوصيته بالاهتمام برجل ينشر روايته الأولى، ومن حقه أن يفرح بالجائزة.

ليس للإبداع سن قانونية. قد يتأجل انطلاق طاقة الكتابة. جوزيه ساراماجو دليل، بدأت فتوته الإبداعية في الستين، تقريبًا هي السن التي بدأ منها كمال رحيّم. ومن الحكمة أن يحتكم القراء والنقاد إلى النصوص، معزولة عن مؤلفيها غير المطالبين بإبراز شهادات ميلاد تثبت السن، أو بطاقات المهنة. وهناك مهن تشق طرقًا لأصحاب مواهب متواضعة. كان في وزارة الداخلية المصرية مسؤول مستريح، لا يمر يوم من دون نشر صورته، أو أخبار عن كتبه وأغانيه ومسرحياته المنشورة والمعروضة. وأنقذتنا من سطوته ثورة 25 يناير، فانتهى سجينًا، ونُسي قبل موته. وما أسرع استجابة قرون استشعار نقاد التراحيل. عدة الشغل جاهزة، تتبع ما يكتبه النجوم من القضاة ومحققي التراث والصحفيين ومدرسي التاريخ والآداب.

في مصر يكبر الشعراء والفنانون في النور، أمام الأعين، في ونس عمومي، ووعود وأحلام بالتحقق. يحتمون بشيء ما، أكبر من الشللية والعلاقات والمنافع، ربما يسمى "الضمير الثقافي". لا أحد يملك تعريفًا نهائيًا لهذا الضمير. من فرط الشعور به، والاطمئنان إلى ما يمثله، صار حقيقة تستغني عن التعريف. جرّب أن تعرّف: الثقافة، الوعي، الحداثة، التحقق، الهوية. قبل أن يصدر الشاعر ديوانه الأول، يكون قد نشر قصائده هنا وهناك، وحظي باعتراف الجماعة الثقافية. وكذلك القاص والروائي والناقد. وأما من يهبط فجأة، فعليه ألا يكون أقل من النابغة الذبياني أو ساراماجو. ولا يبالي الضمير الثقافي بالموضة، أو الأضواء، ولا يعترف بأرقام المبيعات، أو شباك تذاكر السينما. ما عدا الإبداع باطل.

تنفرد الجوائز المصرية بأعجوبة. هي جوائز تتراكم بالتقادم، تقادُم الشخص نفسه من دون أن يقدم شيئًا باستثناء التقدم الإجباري في السن، واتساع حِجره.

تشغلني البدايات، والنمو الذكي للطموح، ومسارات الموهبة في تحدّيها وعثراتها ونهوضها. أتأمل تترات الأفلام القديمة؛ لمعرفة التراتب، وفذلكات النهايات والمصائر، بما في ذلك تغيُّر الأسماء: كان الممثل سيف عبد الرحمن بطلًا لأفلام أخرجها يوسف شاهين، منها فجر يوم جديد والعصفور. كان اسمه "سيف الدين". ولم تسعفه الموهبة، فتغير الاسم وحدود الأدوار إلى ما انتهى إليه سيف عبد الرحمن. وخلا ملصق فيلم سيد درويش من اسم عادل إمام؛ لصغر دوره. وفي فيلم عايدة لأم كلثوم كان المونتير "صلاح سيف"، هو نفسه المخرج صلاح أبو سيف الذي أصبح رائدًا للأفلام الواقعية. وقبل أن يخرج شادي عبد السلام فيلم المومياء كان مهندسًا للديكور ومصممًا للملابس. لا نجم يتنزل من السماء، إلا لو كانت ضمائر المانحين منهكة.

لجوائز الدولة في مصر مسارات يغلب عليها أحيانًا رضا أمني، أو محاباة شلة وظيفية أخشى أن يكون لها ارتباط ما بالرضا الأمني. فائز عربي بجائزة كبرى من مصر قابل الوزير، وحكى أغرب حوار يمكن أن يسمعه ضيف فائز. صارحه الوزير بأن جهاز الأمن اعترض على اسمين "لكنه وافق على اسمك فورًا". لم يغضب الرجل. الفلوس مفتاح السعادة، والجائزة فلوس وأضواء. وحكاية الأمن لن يعرفها إلا الوزير ودائرة صغيرة محيطة بأسرار الكهنوت. وقد تموت التفاصيل بموت أطرافها.

كانت رواية خافية قمر لمحمد ناجي مرشحة، عن استحقاق وبالإجماع، لجائزة الدولة التشجيعية (1994)، واستعصت الجائزة. وفي صيف 2014 قابلت محمد ناجي في زيارته الأخيرة لمصر، وأخبرني بأن مقرر لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة الدكتور علي الراعي تحمس للرواية، لكنه اصطدم برفض جابر عصفور الذي قال له "على جثتي أن يفوز محمد ناجي". سرّ لم يعرفه علي الراعي، ولا محمد ناجي حتى وفاته. ناجي من مدينة سمنّود، وكانت قديمًا تابعة لمركز المحلة الكبرى، ثم استقلت وهي الآن مركز مثل المحلة. قلت له "ربما لأنك من سمنّود، وجابر من المحلة. وأنا من سمنّود!".

فتحتُ رواية قلوب منهكة فلم أجد اسم دار للنشر. الإهداء مباشرة ويليه النص. وفي 2 يوليو/ تموز 2006 كتب يوسف الشاروني في الأهرام مقالا عرّف فيه بالمؤلف الفائز الذي "بدأ مشواره الأدبي على كبر، فهو من مواليد عام 1947.. ينتمي إلى سلالتين: سلالة العسكريين.. وسلالة الحقوقيين"، أما الرواية فتتناول شريحة من يهود مصر، والصراع على ابن يتنازعه أبوه المسلم وأمه اليهودية، "إشارة للصراع على السلطة في منطقتنا الشرق أوسطية". لم أناقش الشاروني في طبيعة هذا الصراع. كأن المقاومة الفلسطينية منذ وعد بلفور، والحروب المستمرة على عدة جبهات عربية، خناقة على السلطة!

تنفرد الجوائز المصرية بأعجوبة. هي جوائز تتراكم بالتقادم، تقادُم الشخص نفسه من دون أن يقدم شيئًا باستثناء التقدم الإجباري في السن، واتساع حِجره. تصاعُد الجوائز بمسمياتها لا يرتبط دائمًا بما يحققه الكاتب من إنجازات نوعية. تكفيه الإضافات العمرية والجوائزية. في الشباب ينال الجائزة التشجيعية. وفي الكهولة يمنحونه جائزة التفوق. ومن دون أن يضيف شيئًا تكون الشيخوخة مرادفة لجائزة الدولة التقديرية. ويتواصل الكسل، فيفوز في أرذل العمر بجائزة النيل، وربما يتقدم إليها ويتسلم قيمتها المالية ورثته.

تخضع جوائز الدولة للتصويت. مظهر ديمقراطي مضلل. الأعضاء أنفسهم يصوتون على كل المتنافسين في القوائم القصيرة، في الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية. بعضهم لا تكفي معرفته بالتخصص الآخر للحكم على إنجاز المرشح. وقبل التصويت تخضع الأسماء لمفرزة لجان الفحص. وكانت لحظة 25 يناير استثناءً ديمقراطيًا في انتخاب مقرري لجان المجلس الأعلى للثقافة، والأقسام العلمية بالكليات، وعمداء الكليات، ورؤساء الجامعات. وبصعود قوى الثورة المضادة، عاد نظام التعيين، ومن ثماره لجنة استبعدت الشاعر محمد سليمان من القائمة القصيرة التي تم التصويت عليها للفوز بجائزة الدولة التقديرية. وضمت القائمة القصيرة ستة منهم كمال رحيّم الذي فاز.

أما لجنة فحص جائزة التفوق فاستبعدت مبدعين منهم محمد إبراهيم طه وماجد يوسف ومسعود شومان ويسري حسان. واختارت قائمة قصيرة تضم أربعة أسماء بينها الشاعر إبراهيم داود الذي لم ينصفه التصويت. وبقيت الإشارة إلى أن رئيس اللجنة هو الكاتب يوسف القعيد. اقرأوا مقالاته الغزيرة؛ لتسألوا الله حُسن الخاتمة.