مباراة "كرة شاطئية" تستدعي معارك الحجاب والأوليمبياد

كادت مباراة المنتخب المصري للكرة الطائرة الشاطئية (سيدات) أمام نظيره الألماني، التي أقيمت في إطار منافسات دورة الألعاب الأوليمبية المقامة في ريو دي جانيرو البرازيلية، أن تمر دون أثر يذكر كباقي مشاركات مصر في الأوليمبياد، لولا أن واحدة من اللاعبتين المصريتين بالمنتخب كانت ترتدي الحجاب.

آثار ارتداء المصرية الشابة دعاء غباشي لغطاء الرأس الإسلامي تعليقات كثيرة في وسائل إعلام محلية وعالمية، باعتبارها عضوة في فريق يمارس اللعبة في بطولة دولية كبرى، دون ارتداء الزي التي تشتهر به اللعبة وهو "البكيني" بل وبحجاب غطى رأسها. اعتبرت بعض وسائل الإعلام الغربية أن ظهور اللاعبة المصرية بهذا الزي عليها يعكس التنوع الثقافي الذي اجتمع تحت مظلة الأوليمبياد.

في المقابل كان لكثير من المصريين رأي آخر يبتعد عن الاحتفاء بالتنوع الثقافي، إذ آثارت المباراة التي انتهت لصالح الفريق الألماني تعليقات ساخرة من ملابس عضوات الفريق المصري، حتى أن البعض وصف المنتخب بفريق "كارينا"، نسبة إلى ماركة الملابس الشهيرة التي تلجأ إليها غالبية المحجبات في مصر.

انتقادات مصريين لمنتخب الكرة الشاطئية المصري

وفي المقابل كان هناك مصريون آخرون منشغلون بالدفاع عن عضوات الفريق المصري.


تزامن انشغال مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي المصريين بالهجوم على اللاعبات المصريات أو الدفاع عنهم، مع احتفاء بلاعبة أخرى محجبة في الدورة الأوليمبية نفسها، وهي لاعبة الشيش الأمريكية ابتهاج محمد. إلى جانب ظهور جدل حول اللاعبة السعودية المحجبة جود فهمي من منافسات الجودو، وإن لم يتركز الجدل حول حجابها، ولكن لانسحابها من الدورة لتجنب ملاقاة لاعبة إسرائيلية. وإن أعلنت دولتها في بيان رسمي أن الانسحاب جاء بسبب الإصابة، لا لموقف سياسي رافض للتطبيع.

غباشي ليست أولى اللاعبات المصريات التي شاركن في دورة الألعاب الأوليمبية بالحجاب، ولعل أبرز المشاركات السابقات كانت لاعبة الخماسي الحديث آية مدني، وذلك في أوليمبياد لندن 2012، وذكرت مدني أنها تعرضت لمصاعب تتعلق بزي السباحة الذي كان يفرض عليها إظهار الرقبة والذراعين والساقين أسفل الركبة.

"لندن 2012".. دورة المعارك

الحجاب ليس حديث الظهور في الدورات الأوليمبية. فقبل "ريو 2016" شاركت رياضيات من بلاد عربية وإسلامية في دورات مختلفة مرتديات للحجاب، لكن كثيرًا ما رافق ذلك معارك وهجوم من أبناء مجتمعاتهن، ووصل الأمر أن وُصفت اللاعبة السعودية وجدان شهرخاني بـ "عاهرة الأوليمبياد"، وفقًا لصحيفة "ديلي ميل" البريطانية، وذلك بعد هجوم رجال الدين عليها لمشاركتها في الدورة الأوليمبية الصيفية في لندن عام 2012. انتقاد شهرخاني من رجال الدين - رغم أنها ارتدت الحجاب - كان لمجرد ممارستها للرياضة، هذا الذي عدّه بعض المتدينين تشبهًا بالرجال. ولكن الهجوم على وجدان انتهى بموافقة الجهات الرياضية الرسمية في المملكة على المشاركة النسائية الأولى لها، ولكن مع مراعاة تعليمات رجال الدين، إذ وضعت شرطًا بالالتزام بالزي الشرعي، وعدم الاختلاط بالرجال.

وجدان شهرخاني أثناء المباراة

في المقابل كان مسؤولو التحكيم للعبة الجودو بالأوليمبياد يعارضون التزام الفتاة السعودية بالحجاب أثناء اللعب حرصًا على سلامتها، لأن اللعبة تتسم بكثرة الشد والجذب أثناء المباراة، وانتهى الأمر بالاتفاق على ارتداء غطاء رأس محكم دون الرقبة، وفقًا للصحيفة نفسها.

يبدو أن الصراعات لفرض الحجاب على اللجنة الأوليمبية ليس بصعوبة إقناع أهل البلاد المحافظة بمشاركة المرأة في المناسبات الرياضية. قبل أوليمبياد لندن 2012 تعرضت العداءة الأفغانية تامينا كويستاني للكثير من المصاعب باعتبارها المرأة الوحيدة الممثلة لبلدها أفغانستان في المنافسات. ولاقت العداءة التي كانت تبلغ من العمر وقتها 23 عامًا، والتي شاركت في الدورة بالحجاب انتقادات من رجال بلدها الذي يسيطر عليها حكم الملالي والجماعات الدينية، وعلى رأسها حركة طالبان.

وفي حديث لها مع وكالة رويترز، حكت كويستاني عن ما لاقته في بلدها بعد إعلان اعتزامها المشاركة في الأوليمبياد، حد طرد سائق تاكسي لها من سيارته عندما علم أن وجهتها هي الاستاد للتدريب. هذا الاستاد الذي كان ينتظرها فيه متظاهرون أتوا خصيصًا لملاقاتها بهتافات عدائية ضد إصرارها على ممارسة الرياضة.

عقبات اللوائح ومساحات الإنجازات

بعيدًا عن قرارات اللجنة الأوليمبية الدولية، التي أفسحت المجال منذ أعوام للمحجبات للمشاركة دون محاذير في الدورات، كان الحجاب يمثل عائقًا، لكن ليس من منطلق القيود المجتمعية، بل لطبيعة بعض اللعبات، مثل اللعبات القتالية كالجودو، وفي لعبة أخرى هي كرة القدم.

أما عن اللعبة التي آثارت مباراتها الجدل الحالي، الكرة الطائرة الشاطئية، فمنذ تحولت إلى لعبة أوليمبية عام 1996، وضع الاتحاد الدولي خيارين لارتداء الملابس في المنافسات النسائية، سواء ارتداء مايوه "قطعة واحدة" أو "البكيني"، وكانت الغلبة للثاني في المنافسات، إذ لا يلجأ اللاعبين للزي الأول إلا في الطقس البارد فقط.

وفي عام 2012، وقت أوليمبياد لندن، سمح الاتحاد الدولي لممارسي اللعبة بارتداء الشورت والقميص ذي الأكمام، احترافات لأعراف الدول التي تتسم مجتمعاتها بالمحافظة.

ووسط الصراعات التي تخوضها الرياضيات المسلمات سواء مع المؤسسات الرياضية العالمية من أجل ارتداء الزي الذي يناسبهن أو مع مجتمعاتهن نفسها، كانت هناك مساحة صغيرة للإنجازات، كما كان الحال مع العداءة البحرينية رقية الجسرة، التي استطاعت في أوليمبياد بكين 2008، الفوز بذهبية سباق 200 متر، بعد أولى مشاركاتها بالحجاب في أوليمبياد أثينا 2004.