توابع "رحلة الدير".. جثامين ضحايا وأمن غائب وغضب باق

"عاوزين منا إيه تاني، سيبونا في حالنا بقى. صورتوا في طنطا وصورتوا في اسكندرية إيه اللي حصل؟ أدينا بنموت هنا تاني، والحكومة هتصرف شوية تعويضات، وكمان 40 يوم هيقتلوا مننا شوية تانيين".

في عصور الاضطهاد الأولي للكنيسة القبطية، خلال الاحتلال الروماني لمصر، كان الأنبا صموئيل المعترف، على موعد مع محنة التعذيب، لتمسكه بإيمانه الأرثوذكسي، ففقد إحدى عينيه، وتعرض للكثير من الاختبارات الإلهية التي صمد فيها جميعها على إيمانه، رغم تعرضه المتكرر للتعذيب، والتهديد بالقتل والموت كي يترك إيمانه. وبعد أكثر من 1600 عام من محنته؛ وقف دير القديس القبطي شاهدًا على محنة اعتراف أخرى، حين قتل منتمون لتنظيم الدولة الإسلامية 28 مواطنًا يدينون بالمسيحية معظمهم من الأطفال والنساء، كانوا في طريقهم لدير الأنبا صموئيل المعترف بمركز لعدوة بالمنيا، لرفضهم التحول عن إيمانهم.

الهجوم هو الثالث على أقباط مصريين داخل حدود البلاد، بعدما قام تنظيم الدولة الإسلامية بهجومين أولهما على الكنيسة البطرسية بالعباسية في ديسمبر/ كانون ثان الماضي، وخلال قداس أحد السعف في أبريل/ نيسان الماضي.

وهو الهجوم الثاني الذي يستهدف أقباط مصريون خارج حدود دور العبادة، بعد الهجمات التي قام بها تنظيم ولاية سيناء "التابع لتنظيم الدولة الإسلامية" ضد أقباط العريش، مضطرًا إياهم للنزوح من شمال سيناء.

الرحلة

في حوالي الحادية عشرة والنصف ظهرًا بتوقيت القاهرة، بدأت الأخبار حول هجوم مسلح على عربات تقل أقباطًا في محافظة المنيا في الانتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي وكالات الأنباء والفضائيات الأجنبية، وسط صمت طال من وسائل الإعلام المصرية. كان هذا بعد ساعتين تقريبًا من وقوع الهجوم، بحسب شهادات الناجين.

يقول جرجس: "إحنا هنا معندناش فُسح. الأسر والأطفال فسحتها الوحيدة هي زيارة الدير".

جرجس عبدالملاك أحد أفراد الكشافة في مطرانية مغاغة بالمنيا، قال لـ"المنصة" إن الحادث وقع في العاشرة صباحًا، حين استهدف مسلحون ملثمون حافلة "ميني باص" في طريقها للدير. "أطلقوا النار على الأتوبيس ليجبروه على التوقف بعد إصابة العجلات".

وأضاف جرجس أن من كانوا بالحافلة لم يفهموا ما يجري، حتى وجدوا 3 سيارات دفع رباعي يستقلها المسلحون العشرة تقترب منهم، وقام المسلحون بإنزال الرجال من الأتوبيس وطالبوهم بترديد الشهادتين لإعلان إسلامهم، فلما رفضوا أطلقوا عليهم النيران، ثم استولوا على الأموال والمشغولات الذهبية من النساء. وقبل أن يرحلوا لاحظوا قدوم سيارة ميكروباص وأخرى ربع نقل، فقاموا بالاختباء وقاموا بتكرار نفس السيناريو مع ركاب المركبتين اللتان تصادف أن إحداهما كانت تقل أطفالا.

بحسب شهادة جرجس التي تتفق مع شهادات الناجين، كانت الحافلة الأولى تضم أسرًا من قرية "دير حنا" بمركز الفشن ببني سويف، وأن منظم الرحلة كان عائدًا من الولايات المتحدة، فقام بجمع أبنائه وأحفاده للقيام بهذه الرحلة. بينما ضمت المركبة الثانية "الميكروباص" رحلة لأطفال من كنيسة بمركز بني مزار بالمنيا، أما المركبة الثالثة فكانت سيارة ربع نقل تضم عمال ذاهبين للعمل بالدير.

الأطفال الثلاثة الناجين  - صحيفة وطني

"لو رأيت الرعب في وجه الأطفال الثلاثة [الناجين] لاستطعت أن تفهم ما جري في الاعتداء"، هكذا التقط "مايكل نجيب" صديق جرجس الحديث قائلًا: "الأطفال الثلاثة كانوا في ميكروباص الرحلة، لكنهم نجوا من الموت والإصابة بمعجزة لا نعرف ماهيتها إلى الآن. وهم لم يستطيعوا أن يتحدثوا كثيرًا، فملامحهم كانت تجسيدًا حيًا لمعنى الرعب، وحملتهم الإسعاف إلى مستشفى مغاغة العام التى لا تبعد كثيرًا عن المطرانية. وحين فحصهم الأطباء ولم يجدوا فيهم إصابات ظاهرة؛ أرسلوا لنا يطلبوا استلامهم لأن أولياء أمورهم لم يكونوا معهم، وبالفعل قمنا بتسلمهم، وكانت ملابسهم غارقة في الدماء وكذلك أجسامهم، ولم ينطقوا إلا بعد حضور ذويهم"

يقول جرجس: "إحنا هنا معندناش فُسح. الأسر والأطفال فسحتها الوحيدة هي زيارة الدير".

تعرض كثير من الصحفيين الذين توافدوا على المستشفى لتغطية الحادث لرفض غاضب من الأقباط، يأسًا من أن تقود التغطيات الإعلامية لأية تحركات توقف الهجمات المتكررة ضد المواطنين المسيحيين.

غضب قبطي

"عاوزين منا إيه تاني، سيبونا في حالنا بقى. صورتوا في طنطا وصورتوا في اسكندرية إيه اللي حصل؟ أدينا بنموت هنا تاني، والحكومة هتصرف شوية تعويضات، وكمان 40 يوم هيقتلوا مننا شوية تانيين".

الكلمات الغاضبة التي نطق بها كامل محروس، عم أحد المصابين المنقولين إلى مستشفي مغاغة العام، تكررت أمس كثيرًا على ألسنة أفراد أسر المصابين، والعائلات القبطية المجتمعة أمام مستشفى مغاغة، في حديثهم للصحفيين. تعرض كثير من الصحفيين الذين توافدوا على المستشفى وفي محيطها لتغطية الحادث، إلى هذا الرفض الغاضب من الأقباط للتعاون معهم، يأسًا من أن تقود التغطيات الإعلامية للأحداث لأية تحركات توقف الهجمات المتكررة ضد المواطنين المسيحيين.

وأضاف كامل "الرئيس بيقول إن اللي ضربونا من ليبيا، وإنهم عارفين مكانهم وضربوهم بالطائرات، طيب ليه مضربوهمش من الأول؟ ولا لازم يدخلوا 1000 كيلو جوا الحدود يضربونا وبعدين نبقي نرد عليهم، هو المسيحي مالوش تمن في البلد دي؟"

"إزاي دولة راح 28 شخص من أبناءها متعلنش الحداد؟ ولم تؤجل قناة واحدة عرض مسلسلات رمضان بسبب الحادث"، واصفًا شعوره بقوله "أنا أشعر أننا كأقباط لا قيمة لنا حتى تحزن علينا الدولة".

ما قاله كامل يعكس حالة الغضب الشديدة لدى الأقباط، الذين يودعون ضحايا جدد لعمليات إرهابية، بعد أسبوع واحد من أربعين الضحايا الذين سقطوا في تفجير كنيستي مارجرجس بطنطا والمرقسية بالاسكندرية. هذا الغضب تُرجِم إلى مظاهرات غاضبة قطعت الطريق أمام المستشفى الذي يرقد فيه جثامين الضحايا، كما قطعت الطريق الزراعي وشريط السكك الحديدية، ومنعت زيارة رئيس الوزراء والمحافظ للمستشفي للاطمئنان على المصابين.

أمام مستشفى مغاغة العام عقب الهجوم - صحفي محلي - المنيا 

"الريس بيقول إن اللي ضربونا من ليبيا، وإنهم عارفين مكانهم وضربوهم بالطائرات، طيب ليه مضربوهمش من الأول؟... هو المسيحي مالوش تمن في البلد دي؟"

عماد سمير أحد الشباب الذين وجدوا أنفسهم يهتفون أمام المستشفي بـ"ارفع إيدك فوق الصليب أهو". عصام واحد من مئات الأقباط الذين تجمعوا أمام المستشفى، دون أن يكون لهم أقارب من بين الضحايا أو المصابين، لكنهم تحركوا غضبًا من تكرار الاعتداءات: "صور الأطفال تغضب أي شخص. لا أتصور أن هناك شخصًا يمكنه قتل طفل. لا أتصور أن يرفع أحد السلاح في وجه طفل بعد أن يطلب منه نطق الشهادتين، أو أن يطلق النار على طفل رضيع".

لكن قتل الأطفال لم يكن السبب الوحيد لغضب عماد، فهو يرى أن تعامل الدولة مع الهجوم "لم يكن على المستوى المطلوب": "إزاي دولة راح 28 شخص من أبناءها متعلنش الحداد؟ ولم تؤجل قناة واحدة عرض مسلسلات رمضان بسبب الحادث"، واصفًا شعوره بقوله "أنا أشعر أننا كأقباط لا قيمة لنا حتى تحزن علينا الدولة".

غياب التأمين

انتقد الأنبا أغاثون إهمال تأمين الدير، مشيرًا إلى أن رحلات السياح يتم تأمينها والإخطار بها من القاهرة، لتقوم قوة أمنية بمرافقتها وتأمينها في الطريق ولكن رحلات المواطنين المصريين الأقباط لا تلق أي اهتمام.

يعد الحادث الأخير بمثابة نقلة نوعية للعمليات التي تستهدف الأقباط في مصر، فعلى عكس الهجومين السابقين، لم ينتظر المسلحون تجمع الأقباط في أحد دور العبادة في مناسبة دينية، بل هاجموا تجمعًا شبه روتيني، في طريق لا يخضع للتأمين الذي تخضع له الأديرة والكنائس.

الأنبا أغاثون أسقف مغاغة والعدوة، قال لـ"المنصة" إن المساحة الشاسعة للصحراء حول دير الأنبا صموئيل ربما أغرت المهاجمين باختيار المترددين عليه كهدف، خاصة وأن الطريق للدير غير ممهد، ولا يزيد عن كونه مدقًا رمليًا لا يتيح لسيارات زوار الدير الهرب.

وانتقد الأنبا أغاثون إهمال تأمين الدير رغم قيمته الدينية والأثرية، وتنوع زواره بين سائحين أجانب ومواطنين مصريين أقباط، مشيرًا إلى أن رحلات السياح يتم تأمينها والإخطار بها من القاهرة، لتقوم قوة أمنية بمرافقتها وتأمينها في الطريق إلي ومن الدير، ولكن رحلات المواطنين المصريين الأقباط لا تلق أي اهتمام، مطالبًا بوضع حراسة أو حماية على الدير.

القانون هو الحل

وصرح الأنبا مكاريوس أسقف المنيا لوسائل الإعلام، أن "الحادث الارهابي جاء نتيجة الفتاوى التكفيرية التى تدمر المجتمع، وتقسم ما بين المصريين". متهمًا من يصدرون فتاوى تكفير الأقباط بالمسؤولية عن هذه الهجمات "مُصدر الفتوى التكفيرية يتحمل وزر ما جرى اليوم كما يتحمله القاتل".

وطالب الأنبا مكاريوس بمحاسبة كل من يكفِّر الطرف الآخر من مسلمين أو مسيحيين "لأن كلمة التكفير تعطي التصريح لمن يسمعها سببًا ومبررًا للقتل، وتعمل على تفتيت وحدة المصريين".

وشدد الأنبا مكاريوس على أن العدالة الناجزة التي تحاسب القتلة هي السبيل الوحيد للوقوف ضد الإرهاب، وكذلك إعمال القانون.