إبر سنجر.. صراع الكرة والمال في ملعب السويس

نحن الآن في عام 1966. في شهره الأول. يناير أو كانون الثاني بلسان الشوام. الأعين تتجه صوب السويس أرض الأبطال. هناك يرسو (المركتون). يخت ضخم عملاق ينتظر بداخله الثري اليوناني أوناسيس. وفي الطريق إليه من القاهرة مساعده عباس البغدادلي ترافقه الفنانة الإيطالية جينا بولو.

الإيطالية جينا بولو فور وصولها القاهرة.

أوناسيس دعا جينا لرحلة على اليخث تنطلق من السويس وتنتهي في مالطا. أراد للرحلة أن تكون سرية لكن ما إن وطأت قدما الفاتنة الإيطالية القاهرة حتى ذاع الخبر وبدأ الصحفيون والمصورون في المطاردة.

بطلنا محمود عبد الهادي الصحفي بجريدة آخر ساعة كان في طريقه إلى السويس هو الآخر يرافقه المصور فاروق إبراهيم؛ لم يذهبا لالتقاط صور الثري والفاتنة ومتابعة بدايات تلك الرحلة المثيرة. ذهبا للسويس لمتابعة حدث آخر اشتعلت بسببه المحافظة في تلك الأيام.

آلاف من أبناء السويس اجتمعوا. لم يذهبوا لمشاهدة (المركتون) بل توجهوا إلى الملعب. وهناك كانت المواجهة.

اقرأ أيضًا: مصر والمغرب.. ذكريات الصبا المُرة

تمرد وإضراب

كتب عبد الهادي: "صباح الخير عزيزي قارئ مجلة آخر ساعة، ربما تتناول اليوم فطورك مصاحبًا بكوب من القهوة من أجل الذهاب للعمل متيقظًا بعد الانهماك بمتابعة تقرير الدوري الممتاز بعددنا الأخير، أحدثكم اليوم من مدينة الأبطال (السويس) بتقرير عن متلازمة البقاء والهبوط. منتهى العناد والإصرار أن يكون للمدينة فريقان، يتحاربان ويتنازعان، رفض تام أن ينضما بناد واحد يمثل المحافظة التي يعيش بها آلاف المجانين بكرة القدم".

"رأيت معظم جماهير الكرة في كل أقاليم الجمهورية العربية تقريبًا بحكم عملي برصد أندية مصر عام 1966، لم أجد جمهورًا متحمسًا ويعشق الكرة بجنون مثل الجمهور السويسي. ببساطة سترى منظر إسراع أحد الجماهير ناحية الضربة الركنية أو رمية التماس فيتلقف الكرة ويبصق عليها لفك النحس، ولكن اليوم ببداية تقريري بالملعب الآذان تقريبا مُحصنة بكميات لا بأس بها من قطن المحلة أو القطن الإنجليزي الأرخص لمنع سماع سيل الشتائم المنهمر على اللاعبين بسبب إعلانهم الإضراب والعصيان على الإدارة لوقف الرواتب".

كان اتحاد السويس يحتل المركز الأخير في المسابقة بعد انتهاء الدور الأول. لا ينافسه على الهبوط سوى جاره فريق القناة ابن الإسماعيلية ومعهما فريق الطيران. لم يحقق السويس في الدور الأول سوى انتصار ًا واحدًا وتعادلين.

انتشر الأمر بين اللاعبين الذين لا يحصلون على مسحتقاتهم كاملة. تحول فريق السويس إلى مجموعة من التجار. يجنون المال من بيع إبر سنجر ولا يلعبون الكرة.

أجواء الحرب

سبق هذا الإضراب أزمات متعددة عبر سنوات. تراجعت نتائج الفريق وهبط للدرجة الثانية ثم الثالثة. حاولت الإدارة البحث عن حل سريع. قررت الاستغناء عن معظم اللاعبين أو تسريحهم بلغة الكرة، والسبب في ذلك أنهم "لا يدينون بالولاء للسويس. فهم ليسوا من أبناء المحافظة".

اعتمد النادي على تشكيل سويسيّ بنسبة 100%. أبناء المحافظة تسلموا الراية وعادوا بالفريق للدوري الممتاز هذا الموسم (1965-1966). في تلك الفترة كانت الأنباء الواردة من الشرق تفيد بتزايد التوتر عند خليج العقبة. إسرائيل لم تخفِ أطماعها في التوسع. كانت السويس تتأهب للحرب، وتعلم أنها ستكون في الواجهة إذا دقت الطبول.

تُجار الحروب أو الـ War dogs كما يطلق عليهم بالإنجليزية ينشطون في تلك الأجواء. والأزمة أنهم كانوا من لاعبي الفريق الذين وثقت بهم الإدارة. كانوا من أبناء السويس.

والقصة بطلها نوع من الإبر المستخدمة في ماكينات الخياطة (إبر سنجر). حيث قام أحد لاعبي الفريق أثناء زيارته للقاهرة بشراء وتوريد العديد من هذه الإبر المصانع التي تحتاجه بالسويس. وكان هذا النوع (سنجر) لا يباع إلا مُهربًا. جنى اللاعب من هذه الصفقة أموالًا طائلة.

انتشر الأمر بين اللاعبين الذين لا يحصلون على مسحتقاتهم كاملة. تحول فريق السويس إلى مجموعة من التجار. يجنون المال من بيع إبر سنجر ولا يلعبون الكرة. وحين ثارت الجماهير عليهم وأصبحت تسبهم في كل التدريبات والمباريات. عاند اللاعبون أكثر وقاموا بعقد صفقات توريد الإبر داخل أرض الملعب.

اقرأ أيضًا: طفولة مارادونا.. سنوات اللهو والمجد

لم يكن أمام الإدارة إلا تسريح اللاعبين مرة أخرى. قررت جلب العديد من اللاعبين من خارج المحافظة. ومن أبرز المنضمين سيد طرخان وحسن وهبة من الإسماعيلي ببادرة طيبة من عثمان أحمد عثمان رئيس الدراويش وقتها. وانضم من الزمالك محمد شرشر وحمدي فراج أملا في تحسين الترتيب بالجدول بدلا من المركز الأخير.

تحسنت نتائج الفريق. كان قريبًا من الاستمرار في الدوري الممتاز لكنّه هبط في نهاية المطاف بفارق نقطتين فقط عن الطيران.

بعد عام واحد. تحققت رغبة محمود عبد الهادي. فريقا اتحاد السويس والسويس اندمجا في كيان واحد يحمل اسم منتخب السويس. هذا المنتخب كتب صفحات عديدة من تاريخ المحافظة التي يعشق أبناؤها البصق على الكرة لجلب الحظ. قبل أن يوّدع المسابقة موسم (1999-2000) ويعود للمظاليم مرة أخرى.

وكان للسويس سفراء آخرون حملوا اسم المحافظة في الدوري الممتاز مثل غزل السويس الذي لعب موسمًا واحدًا وهبط بعده (2001-2002) وأسمنت السويس الذي لعب 4 مواسم بالممتاز قبل الهبوط عقب موسم (2007-2008).


الصور والمعلومات الواردة في التقرير نُشرت بالإصدار الرياضي لمجلة "آخر ساعة" عدد فبراير/ شباط 1966.