كايروكي.. التكرار كنز لا يفنى

تحاول الفرقة دائما الحفاظ على اللون الموسيقي الذي تميزت به أغانيها، لا تحاول التجريب ولا تقربه، فلا نجد في أغاني كايروكي أي محاولة لمزج أي ألوان أو قوالب موسيقية متباينة، أو حتى محاولات جادة لتجريب آلات موسيقية جديدة إلا في أضيق الحدود

عادة ما يصاحب أي إصدار موسيقي أو ألبوم جديد مجموعة من المراجعات النقدية التي تهتم بتحليل الموسيقى والكلمات، ربما لم يتنشر هذا الاتجاه عربيًا بعد؛ ولكن السنوات الأخيرة بدأت تشهد تغيرًا في هذا الاتجاه.

ورغم مرور أكثر من أسبوعين على صدور الألبوم الخامس لفريق كايروكي باسم"نقطة بيضا"، الذي صدر يوم 11 يوليو/ تموز الجاري على شكل أغاني مصورة عبر قناة الفريق الرسمية على موقع يوتيوب؛ إلا أن الألبوم لم يحظ سوى بمراجعة نقدرية واحدة نشرتها المنصة، وذلك رغم الانتشار الكبير الذي حققته أغانيه.

بعد أقل من يوم واحد على إطلاق الألبوم على يوتيوب، حققت أغنيته الرئيسية "نقطة بيضا" أكثر من مليون مشاهدة، بحسب موقع التحرير الإخباري. هذا الرقم تضاعف اثناء إعداد هذا التقرير للنشر ليصل إلى مليوني مشاهدة لهذه الأغنية وحدها، الأمر الذي يُحسب للفريق ويميزه وسط باقي فرق المشهد الموسيقي المستقل في مصر.

لكن هذا التقرير لا يقدم مراجعة نقدية للألبوم، لكنه محاولة للوقوف على الأسباب التي جعلت فريق كايروكي مستمرًا في النجاح والانتشار، رغم حداثة تجربته نسبيًا بالمقارنة بكثير من الفرق الأخرى في المشهد الموسيقي المستقل في مصر.

بداية ثورية

تبدأ القصة مع انتشار من يطلق عليهم فرق الأندرجراوند في العقد الثاني من الألفية الجديدة، فرغم أن المشهد الغنائي المستقل في مصر ليس ظاهرة حديثة، بل هو ظاهرة متحققة وتتجدد منذ ستينات القرن الماضي، إلا أن الانتشار الحقيقي والنجاح وسط شرائح مختلفة ومتباينة من الشباب كان في الألفية الجديدة مع ميلاد مساحات عرض ومسارح مثل "ساقية عبد المنعم الصاوي" ومسرح الجنينة، وغيرها من الساحات التي أتاحت لهذه الفرق الظهور رغم مساحاتها المحدودة وتواضع قدرتها على استقبال أعداد كبيرة من الجمهور.

اقرأ أيضًا: نبيل البقلي.. رحلة الحب والسلام

في تلك الفترة التي سبقت ثورة 25 يناير، لم يكن هناك وجودٌ يذكر لكايروكي في هذا الوسط الذي يعتمد على مجموعة معينة من جمهور "وسط البلد".

اختلف الوضع تمامًا بعد يناير 2011، التي نتج عنها زيادة كبيرة في أعداد مستخدمي الإنترنت في مصر، ليصبح موقعا يوتيوب وساوند كلاود ومعهما شبكات التواصل الاجتماعي، وسيطًا رئيسًا للقاء الفرق الموسيقية بجمهورها. وأدى هذا إلى انتقال الفرق الموسيقية المستقلة في مصر إلى صدارة المشهد الفني، خاصة مع اهتمام وسائل الإعلام بهذه الفرق التي تقدم "أغاني مختلفة" تعبر عن مزاج "الشباب" الذي كان موضع الاهتمام الرسمي والإعلامي في تلك الفترة التالية على الثورة.

اقرا أيضًا: موسيقى الثمانينات مع ملوك الحصريات

مثّل ذلك فرصة ذهبية للفرق المستقلة لفرض سيطرتها على المشهد الفني في مصر. لكن تلك الفرق المستقلة لم تُحسن التقاط تلك الفرصة لعجزها عن استخدام تلك الظروف والوسائل الجديدة في التسويق والترويج، وهو ما نجح فيه "كايروكي" في الوقت الذي فشلت فيه فرق أخرى أقدم وأنضج في تجربتها الموسيقية، كوسط البلد ومسار إجباري وعمدان النور وغيرها. فقد أحسنت فرقة كايروكي استغلال تلك لظروف الجديدة بشكل مثالي.

استثمرت الفرقة جيدًا في نجاح أغنية "صوت الحرية" التي صدرت في زخم الثورة عام 2011، ولم ينقضي العام قبل أن تصدر الفرقة أول ألبوماتها "مطلوب زعيم"، إلى جانب أغنية "يا الميدان" مع عايدة الأيوبي، في ذلك الوقت كان كثير من الشباب ما زالوا يتحسسون طريقهم في عالم وسط البلد المثقف وأغانيه البديلة، وكانت كايروكي حاضرة في انتظار هذا الكم الهائل من الشباب الذي يحاول الانفتاح على العالم خارج قنوات الفن الشائع mainstream.


وبخلاف الألبومات المتتالية لكايروكي؛ عززت الفرقة وجودها بالظهور في عدد من البرامج التلفزيونية ذات الجماهيرية العالية، مثل برنامج "البرنامج" لباسم يوسف، وبرنامج "صاحبة السعادة" لإسعاد يونس وبرنامج ميكروفون على شبكة قنوات MBC، وبرنامج "معكم منى الشاذلي".

استوعبت الفرقة مبدأً من أهم مبادئ التسويق الإلكتروني، وهو: "بادر جمهورك واذهب له حيث كان.. لا تنتظر من الجمهور أن يأتي إليك"، واستطاعت أن تنفذ ذلك المبادئ باستغلال تعدد قنوات وخيارات الجمهور على شبكة الإنترنت.

اقرأ ايضًا: سيد إمام.. مشروع مصري

استثمرت كايروكي جيدًا في الظهور للجمهور. فلم تكتف بالحفلات، بل تابعت إصدار ألبوم تلو الأخر، والمشاركة في الحملات الإعلانية، والظهور في البرامج التلفزيونية، والتعاون مع الفرق الأخرى بالإضافة إلى استهداف فئات مختلفة من الجمهور بعمل دويتوهات مع مطربين أو فرق أخرى.

تحافظ كايروكي على كلمات أغانيها بسيطة ومباشرة. وتعد كلمات أغاني كايروكي أقرب للشعارات أو الهتافات، التي يمكن للجمهور ترديدها بسهولة في الحفلات

لم تكتف كايروكي بالإنتاج؛ بل جاهدت لتسويق ما تنتجه حتى يجده الجمهور صدفة في أي مكان. فإن كنت لم تسمع عن كايروكي من قبل، فقد تصادفهم في أحد البرامج التلفزيونية، أو على شبكة الإنترنت بمواقعها المختلفة، وإن كنت لا تفضل الاستماع إلى موسيقى "الأندرجراوند" وتفضل مثلا الأغاني الشعبية؛ فقد تُصادف أغنيتهم مع عبد الباسط حمودة "غريب في بلاد غريبة"وأنت في التوكتوك، وإن كنت تفضل الإنشاد الديني، فأنت لا زلت في مرمى نيرانيهم، فقد تظهر لك اقتراحات بأغانيهم على يوتيوب وأنت تستمع مثلا إلى عبد الرحمن رشدي.

ولإثبات مدى فعالية أسلوب الفرقة في الترويج لنفسها؛ علينا أن نتذكر المطربة دنيا مسعود.

لسنوات حاولت دنيا مسعود إعادة إحياء التراث والفلكلور المصري، ولم تُوفَّق أغانيها في الانتشار، لكن في سبتمبر 2016 تم عرض فيلم "لف ودوران" من بطولة أحمد حلمي الذي قام بغناء أغنية "بتناديني تاني ليه" التراثية، لتصبح الأغنية الأكثر انتشارا في مصر في ذلك الوقت، رغم أن دينا مسعود كانت قد قدمت هذه الاغنية بالفعل وتعد من أشهر ما قدمته. ويمكن من خلال استخدام مؤشر جوجل لقياس اتجاهات عمليات البحث Google trend أن نرى كيف أثر ظهور هذه الأغنية في عمليات البحث عن المطربة دنيا مسعود في نهاية 2016.

كل ما تفلعه كايروكي منذ 2011 وسبب لها الانتشار الواسع كفرقة موسيقية مستقلة، هو أنها تحاول كسب أرضية جديدة، والوصول لفئات مختلفة من الجمهور المصري لتحقيق انتشار أوسع، ويمكننا من خلال الألبوم الأحدث للفرقة "نقطة بيضا" الوقوف على العناصر التي تعتمد عليها كايروكي بشكل مباشر لتحقيق هذا الهدف.

بساطة التكرار

تحاول الفرقة في كل أغانيها أن تنتج جمل لحنية بسيطة وجذابة، سهلة الحفظ، ليستطيع الناس تذكرها، مثل الجملة الافتتاحية لأغنية "نقطة بيضا". فهي جملة غير معقدة من الناحية الفنية، تتكون من متتالية من أربع نغمات فقط، سهلة الحفظ والأداء.


تحاول الفرقة دائما الحفاظ على اللون الموسيقي الذي تميزت به أغانيها، لا تحاول التجريب ولا تقربه، فلا نجد في أغاني كايروكي أي محاولة لمزج أي ألوان أو قوالب موسيقية متباينة، أو حتى محاولات جادة لتجريب آلات موسيقية جديدة إلا في أضيق الحدود، كما لا تحاول الفرقة حتى استخدام أساليب عزف مختلفة يمكنها أن تغيِّر من اللون الموسيقي.

في سبيل هذا، تحافظ كايروكي على كلمات أغانيها بسيطة ومباشرة. وتعد كلمات أغاني كايروكي أقرب للشعارات أو الهتافات، التي يمكن للجمهور ترديدها بسهولة في الحفلات، لخلق حالة من التفاعل بينهم وبين الجمهور.

قد تكون الكثير من الجمل والمواضيع المستخدمة في أغاني كايروكي عبارة عن كليشيهات بلا عُمق مثل جملة "جسمي أصبح سجن.. وأنا فيه محبوس.. مكنة دايرة وأنا ترس من التروس" من أغنية "هدنة".


لكن على الرغم مما تبدو عليه هذه الكلمات من بساطة و"ابتذال" لدى شريحة من الجمهور؛ تظل مثل هذه الجمل غير مطروقة في الأغنيات المصرية التجارية، وغير معتادة بالنسبة لفئات كثيرة من الجمهور المصري، فهي على خفتها كلمات معبرة وشجاعة، لا يجرؤ أحد أن يتغنى بها في الظرف السياسي والفني الحالي، الأمر الذي أدى مؤخرا إلى رفض الرقابة لأربعة أغاني من الألبوم الجديد، بسبب الكلمات، ليضطر الفريق إلى طرح الألبوم مصورا على قناته الرسمية على يوتيوب بدلا من طرحه في الأسواق بالشكل التقليدي.

بالنسبة لكثير من الشباب في مصر، يُعَدّ هذا التصرف تحديا لسلطة الدولة، ومتسقًا مع الكلمات والمواضيع والرسائل التي تحملها أغاني فريق كايروكي. ويمكن ملاحظة مدى احتفاء الجمهور بكلمات أغاني الفريق في التعليقات على الأغاني على موقع يوتيوب.

أما بالنسبة لأهم أسلوب تتبعه الفرقة في تحقيق الانتشار هو الاعتماد على الدويتو، بداية من أغنيتهم مع هاني عادل "صوت الحرية"، ثم عايدة الأيوبي في أغنية "يا الميدان". لكن في السنوات الثلاث الأخيرة، اتجهت الفرقة لاستهداف فئة أوسع وأكبر من الجمهور المصري عبر الدويتو، وهو جمهور الأغاني الشعبية.

مع سلاطين الشعبي

حرصت كايروكي على الغناء مع الفنان الشعبي عبد الباسط حمودة في أغنية "غريب في بلاد غريبة" خلال ألبومهم السابق "السكة شمال"، وطرحت الأغنية على الإنترنت قبل صدور الألبوم في عام 2014، لتصبح الأغنية واحدة من مكونات الشريط الصوتي للمناطق الشعبية في مصر في تلك الفترة.

لا تريد كايروكي المنافسة في الغناء الشعبي، كل ما تريده هو الوصول لجمهور طارق الشيخ أو جمهور عبد الباسط حمودة. وقامت الفرقة بتصميم البناء الموسيقي للاغاني كي "تبدو" شعبية فقط.

وفي الألبوم الأخير "نقطة بيضا"، قدم الفريق دويتو مع واحد من أنجح مطربي الغناء الشعبي وهو طارق الشيخ في أغنية "الكيف". هذه المرة أرادت كايروكي الاستفادة من الشعبية الواسعة التي يتمتع بها طارق الشيخ خاصة في أوساط ستئقي الميكروباص ما يضمن وصول الأغنية لفئات جديدة من الجمهور.

اقرأ ايضًا: الغناء الشعبي من عدوية إلى شيبة.. لف وارجع تاني

لكن هنا يبرز سؤال: هل استطاعت كايروكي أن تغير من جلدها الموسيقي ليتناسب مع فئات الجمهور الذي تسعى للوصول إليه، وهو هنا جمهور الغناء الشعبي؟

الحقيقة أن كايروكي عملت على قولبة الأغنية الشعبية لتناسب اللون الموسيقي للفريق. فبعد حفل ريد بُل ساوند كلاش لكايروكي في عام 2014، حينما شارك المطرب الشعبي حكيم الفرقة في الغناء، لم تستطع الفرقة مجاراة حكيم الذي سيطر على المسرح تماما، وتراجع أمير عيد (المغني الرئيس للفرقة) ولم يشارك حكيم الغناء أو الترديد. حينها عرفت كايروكي أن اللعب في الموسيقى الشعبية دون سيطرة لن يكون في صالحهم.


في أغنيتي "غريب في بلاد غريبة" و"الكيف" مع عبد الباسط حمودة، وطارق الشيخ - على الترتيب- اكتفت كايروكي بإضافات بسيطةفي توزيع الأغاني لإضفاء الطابع الشعبي، فقد اعتمدت الفرقة على إيقاع المقسوم المشهور وتشكيلاته، إلى جانب جمل موسيقية معزوفة بالكيبورد على طريقة "الأفراح الشعبية"، بينما بقي لحن الأغنية نفسه قيدًا يضمن إبقاء صوت المغني الشعبي الذي يشارك الفرقة تحت السيطرة.

لا تريد كايروكي المنافسة في الغناء الشعبي، كل ما تريده هو الوصول لجمهور طارق الشيخ أو جمهور عبد الباسط حمودة الذي لم يسمع عن كايروكي من قبل، وقامت الفرقة بتصميم البناء الموسيقي للاغاني كي "تبدو" شعبية فقط، ليكون استدعاء نجوم الغناء الشعبي للمشاركة في الغناء أمر منطقي، ويخدم الغرض الذي وضعته الفرقة لتقديم هذه الأغاني.


في النهاية، قد نتفق ونختلف كثيرا على تجربة كايروكي فنيا، ولكن لا يمكن أن ننكر نجاح الفرقة وارتفاع أرقام المشاهدات للألبوم الجديد، والأهم من ذلك هو النظر إلى كيف يمكن للفرق الموسيقية والغنائية المستقلة في مصر أن تستفيد من تجربة كايروكي من الناحية التسويقية، والوقوف على الأسباب والأساليب التي أدت لانتشار كايروكي.