كيف قدَّس عمرو دياب صوته

لا يضاف قبل صوته أي فعل من أفعال التفضيل، فهو ليس أقوى صوت، ولا الأكثر طربًا، بل كان محط سخرية الجميع في بداية مشواره، خاصة أنه كان يشق طريقه في وجود أسماء كان من المتوقع تواجدها في الصف الأول لسنوات وسنوات.

الأمر لا يحتاج أن تكون من أشد متابعي عمرو دياب لتعلم أن هناك شبه اتفاق ضمني في سوق الأغنية المصرية على أن "عمرو دياب لو نزّل شريط فاضي هيكسر الدنيا" ربما ترى في الأمر غرورًا مبالغًا فيه من متابعي الفنان الذي لا يكل ولا يمل من العمل، أنصحك بكتابة "عمرو دياب لو نزّل شريط فاضي" في محرك البحث الخاص بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، مع وعد بأن النتيجة ستبهرك.

غريب أن يتحول الفنان إلى ماكينة لا تتوقف عن النجاح بينما جمهوره يخلص له حتى لو تكاسل، هو يحظى بهذه الثقة، ولكن الأهم أن تلك الثقة لم تجعله ساكنًا ولا تبدو مؤثرة على عمرو دياب، فهو ما زال يعمل، لم يهدأ مثل أبناء جيله الذين تحولوا إلى أبطال "نوستالجيا" مواليد التسعينيات، وبقى هو ينافس من كانوا أطفالًا يستمعون له وتحولوا إلى نجوم شباب يحلمون بمكانة عمرو دياب، واحدة من تلك الزوايا التي يرى بها البعض عمرو دياب هي زاوية المنافسة من طرف واحد، فهو ظل ينافس العديد من الأسماء إلى أن وصل به الأمر أن لا يوجد من ينافسه، أبناء جيله ابتعدوا وليس من اللائق مقارنته بالجيل الجديد.

يبحث الجميع عن تلك الخلطة التي تجعل من مطرب نجم الوطن العربي الأول، وهو لا يضاف قبل صوته أي فعل من أفعال التفضيل، فهو ليس أقوى صوت، ولا الأكثر طربًا، بل كان محط سخرية الجميع في بداية مشواره، خاصة أنه كان يشق طريقه في وجود أسماء كان من المتوقع تواجدها في الصف الأول لسنوات وسنوات، غرد وحيدًا خارج السرب مُقَدِّسًا صوته بالطريقة التي وجدها الأنسب له، والتي دفعته لدخول موسوعة جينيس كأكثر مغن عربي حصد جوائز الموسيقى.

يمكن ملاحظة هذا التقديس عن طريق عدة عناصر أبرزها وأهمها أن المطرب صاحب الـ 31 ألبومًا لم يعتمد في ألبوماته على "كورال" كان دائمًا يدون على أغلفة شرائط الكاسيت "أصوات كورال: عمرو دياب"​.

غلاف ألبوم عمرو دياب "معدي الناس" أصوات كورال عمرو دياب، جملة لا يمل عمرو من ذكرها في أغلفة ألبوماته.

ملحوظة قد تبدو ساذجة، فأي مستمع مهما بلغ تدني مستوى قدراته في سماع الموسيقى يمكن أن يستنتج أن من يردد خلف عمرو دياب هو عمرو دياب نفسه، لا يستحق الأمر تدوين تلك الملحوظة على أغلفة ألبوماته عامًا بعد عام، إلا أنها كانت واحدة من تفاصيل عديدة قدس بها عمرو دياب صوته، وحتى لا نقع تحت طائلة التعميم، فعدد الأغنيات التي استعان فيها عمرو دياب بكورال لا تتعدى الـ 10 أغنيات في تاريخه، واحدة كان الكورال أطفالًا "أنا مهما كبرت صغير" وأخرى كانت "لا لا" والتي استعان فيها بشعراء وملحني وموزعي ألبوم "أحلى وأحلى" للغناء ككورال.


الأمر لا يتوقف عند تلك الملحوظة البسيطة التي لم يتخل عنها عمرو دياب طوال مشواره، بل أيضًا على إصراره على بدء ألبوماته بصوته قبل حتى عزف الموسيقى.

فعلها في 8 ألبومات متتالية تبدأ بألبوم "ميال" وتنتهي بألبوم "يا عمرنا" اعتمد عمرو البداية الهتافية فيها جميعًا، بمراجعة بسيطة لتلك الألبومات سنجد ألبوم "شوقنا" يبدأ بأغنية "انتي اللي عارفة" والبداية لصوت عمرو وهو يهتف "لو كنتي يوم باقية عليا كدا زي زمان".

ثم ألبومات "شوقنا"، "حبيبي"، "ما تخافيش" والتي كانت بدايتها جميعًا بالأغنية التي حمل اسمها الألبوم، تنوع الدخول ما بين الهتافي والناعم، لكن القاعدة التي اتبعها عمرو ولا جدال فيها أن صوته يسبق الموسيقى.

في ألبوم "ميال" يبدأ عمرو بـ "من كام سنة وأنا ميال ميال" بدون مقدمة موسيقية، وكذلك فعل في ألبوم "حبيبي" حتى وإن اكتفى بأن يبدأ بصوته ناعمًا يغني كلمة واحدة وهي "حبيبي" ويرد عليه بعدها "الساكس" وتبدأ الموسيقى، وبالمثل ألبوم "ما تخافيش" كانت البداية بصوت عمرو الهادئ يسبق الموسيقى.

ثم ألبوم "أيامنا" والبداية بأغنية "الماضي" وصوت عمرو هو البطل كالمعتاد وهو يهتف "ما بلاش نتكلم في الماضي"، وأخيرًا ألبوم "يا عمرنا" بنفس الطريقة يبدأ عمرو بصوته يليه عزف على العود.

ثم جاء ألبوم "ويلوموني" ليكسر عمرو القاعدة، ويجعل الموسيقى تسبقه في دخول الألبوم، يذكر أن ذلك الألبوم لم يحقق النجاح المرجو، مما جعل عمرو يسرع في طرح ألبومه الثاني "راجعين"، والسبب هو أن ألبوم "ويلوموني" نافسه في ذلك الوقت ألبوم "حبينا" للقطب الثاني للأغنية المصرية وقتها محمد فؤاد والذي تألق بأغنية "هودعك"، والتي استطاعت حجز مكانة مميزة في قلوب جمهور الأغنية المصرية وقتها.

من بعدها اعتمد عمرو الدخول الهتافي حتى في وجود مقدمة موسيقية لا تتجاوز الـ 30 ثانية، وأحيانًا يعود عمرو ليجعل الافتتاحية بصوته مثل ألبومات "نور العين" و "ليلي نهاري" وأخيرا ألبوم "معدي الناس"، البطل دائمًا هو صوت عمرو دياب، ثم يأتي بعد ذلك ما يأتي.

تقديس عمرو دياب لصوته لا يتوقف، فهو المطرب الذي حافظ على تواجده على المسرح ولم يتراجع مثلما تراجع بقية أبناء جيله، فهو يحب دائمًا أن يبقى صوته في المقدمة، يصر عمرو دياب على بقاء صوته حي بقوته، فهو لم ينجرف إلى موضة الـ "بلاي باك" كما انجرف لها الكثيرون، يقفز على المسرح متحديًا سنوات عمره، مجهود بدني مصاحب للمجهود الصوتي لا يقدر عليه من هم أصغر منه سنًا بسنوات كثيرة، يصر على التحرك بحرية على خشبة المسرح، يحتل مكان العازفين ويقدم لجمهوره مهارات أخرى بجانب الغناء، وكأنه يعلن أن هتافه "من كام سنة وأنا.. ميّال ميّال"، الذي يشاركه فيه جمهوره، ما زال حيًا حتى الآن.