طرف خيط خيالات المربع

ينتشر "المربع" تدريجيًا ويثبت أقدامه باختلافه وخطاه المغايرة في الموسيقى والكلمات، وفي التعبير عن هموم الناس وتساؤلاتها الحياتية.

الانطباع الأول لمن يسمع فريق "المربع" هو الإعجاب بموسيقى الروك، بصخبها أو هدوئها، والتي يؤدونها بشكل مميز، مما جعل لهم بصمة في هذا النمط الموسيقي ضمن الأندرجراوند العربي، بينما يصعب تمييز كلماتهم، خاصة من أول مرة.

كما أن الموسيقى تخفي بعض الكلمات أحيانًا. لكن الإبهام الأكبر هو فيما وراء الكلمات؛ حيث أنها تدعو للتفكير في المعنى الذي يكشف عن هموم ومعاناة المجتمع العربي بشكل عام. لذا يعد "المربع" فريقًا يحتاج إلى سماعه بدقة، وأكثر من مرة، لمعرفة محتواه الموسيقي والشعري، فلن تستطيع الحكم عليه دون التدقيق والإمعان، بالإضافة إلى التخيل.

نشأ "المربع"، في عام 2009 في الأردن، من أربعة أعضاء لهم خلفيات موسيقية من قبل وهم محمد عبد الله في الغناء والباص الكهربي وكتابة الكلمات، وطارق أبو كويك في الغناء والجيتار وكتابة الكلمات، وعدي شواقفة في الجيتار الكهربي والكيبورد والإلكترونيات والإنتاج الموسيقي، بينما يلعب ضرار شواقفة الدرامز والطبول، ويقوم بعمل الإخراج للفيديوهات. وقد اصدروا ألبومين هما "المربع" (2012)، و"طرف الخيط" (2016). وعلى جانب آخر يقوم عدي شواقفة حاليًا بالإعداد لأول ألبوم لمشروع خاص به بفرقة سماها "غائم جزئي".

يعرف أعضاء الفريق في صفحتهم الرسمية "المربع" بأنه "نافذة نرى من خلالها أشياء نريد التعبير عنها. يمكنكم التخيّل ماذا نرى في هذا الجزء من العالم". هذا هو البعد المعنوي الذي يضعه الفريق لاسمه، بينما كان وجود أربعة أعضاء/أضلاع يمثل البعد المادي له، لكن فى أواخر عام 2014 انسحب طارق أبو كويك من الفريق، ليصبحوا ثلاثة، لكنهم استمروا بنفس الاسم المعنوي، وإن سئلوا عن الضلع الرابع فإنهم أحيانا ما يجيبون بأنه الجمهور.

طارق أبو كويك المنسحب من الفريق كانت له مشاركة مهمة في ألبومهم الأول، سواء في الموسيقى أو في الغناء والكتابة، فكانت مشاركته في أغنيات "تحت الأرض"، و"يا زين"، و"ليكون وحدا تاني". وكان يعد إضافة جيدة للفريق، خاصة في إضافته لموسيقى الراب التي يجيدها. لكنه يقوم الآن بمشواره الفني وحده، ويعرّف نفسه باسم "الفرعي"، ويصدر كلمات وموسيقى الأغنيات وحده. كما كانت له مشاركات مع فرق "السبعة وأربعين"، و"زمن الزعتر". وكان آخر ألبوماته هو "الرجل الخشبي" (2017).

شق الفريق طريقًا خاصًا به يميزه، فوضح تأثرهم بالثورات العربية وبفساد بالأنظمة السياسية واتهامها للشعوب الثائرة.

الكلمة الأهم في تعريفهم لأنفسهم هي كلمة التخيل، حيث أن في كلماتهم دائمًا غائبًا يخاطبونه، أو غائبًا خاطبهم ويردون عليه. وتحمل ردودهم بعضًا من الأمل، وكثيرًا من التساؤل. مجهولية الشخص المقابل تجعل المستمع يفكر فيمن هو، وأحيانًا يظهر الشخص المقصود كأنه يوجه الحوار لمسؤول سياسي أو حكومي، وأحيانًا يحمل بعض الغموض، مما يثير التساؤل إن كان الطرف الآخر هو عموم الناس أم أنه شخص ما يحاورونه.

في الألبوم الأول أظهر الفريق هويته الموسيقية المختلفة عن بقية فرق الأندرجراوند داخل الأردن وخارجها في العالم العربي، واستطاع جذب المستمعين وتحقيق نجاح كبير. شق الفريق طريقًا خاصًا به يميزه، فوضح تأثرهم بالثورات العربية وبفساد بالأنظمة السياسية واتهامها للشعوب الثائرة، فيقدم "المربع" ردًا فنيًا على هذه الأنظمة منضمًا لصفوف الشعوب، "ومرسوم عليك، على وجهك في أجندة، بتشكّل فيك. مكشوف مين أكل حصتين، مين انبلى بالدين، معروف من وين التمويل، واللي استفاد بالضبط مين". وكانت في أغنياتهم عبارات عما يلهينا به الحكام، "توهمنا بمشروع مش مفيد، وتوعدنا بشرق جديد".

وفي أغنيات كأغنية "ما عندك خبر" كان توجيههم للمسؤول مباشرة عن عدم شعوره بالمواطن أو قدرته على اتخاذ قرار لمصلحة الشعوب، فكانت سخريتهم، "والغاز تغلّى و تخصخص، وإنت ما عندك خبر. والقدس اتحرّر واتطهّر، وأنت بعدك تعبد بالنار". وهكذا مرت بقية أغنيات الألبوم، فى حالة التمرد والمعارضة. كما عالج محمد عبد الله فى أغنية "تحت الأرض" مشكلته مع الدول العربية، حيث يحمل الجنسية الفلسطينية، خاصة أنه من غزة، وذلك ما يجعل سفره عائقًا للفريق للقيام بحفلات في الدول العربية، بينما يسهل تحركه لدول الغرب. على جانب آخر حملت أغنيتان فقط في الألبوم ملمحًا عاطفيًا هما "ليكون"، و"حدا تاني"، وقام بادائهما أبو كويك.


كان الألبوم الثاني لهم كطرف خيط أمسكوه من الوحي الذي جاءهم فسجلوه، يحمل بعض الأبعاد السياسية والفلسفية أحيانًا تأكيدًا على اتجاههم في الغناء، وظهورهم بشكل أنضج في الموسيقى والتعبير عن آرائهم، بينما يبتعدون عن الجانب الرومانسي أو العاطفي فهو ليس من أولوياتهم.

الإلهام هو دافع "المربع" للغناء، بما يجيء لعبد الله من وحي الكلمات، وللفريق بأكمله من موسيقى. فالإلهام هو ما يأسرهم ليصلوا لطرف خيط الحقيقة أو وجهة النظر، ولكنه يفقد مرة أخرى. هكذا هو الإلهام يعذب في مجيئه ثم ذهابه سريعًا، بينما لو التقطته يخدر ويسعد لإمساكه وتفريغه بالكتابة والغناء، هكذا غنوا وعبروا عنه.

في "إبعد شوي" يظهر أكثر أنهم رغم مملكتهم "القش" إلا أنهم يملكون الكنز معهم وداخلهم. هذا الكنز الذي يسعون ليظهر في أغنياتهم بالإلهام الذي ذكرناه، وبالذكريات أيضًا التي يحاول أن يستدعيها. وفي امتداد للخيال والوحي الذي يتمنون الوصول به لما هو (أبعد شوي)، تأتى كجزء ثان أغنية "أبعد شوي 2" للوصول للجنة فيما يرون طرقها بعدد البشر لتكون رحمتها "حلمت لما يفيض النهر، راح يوسع فينا ويمحي البر. يطمس فينا آثار القهر".

سجل المربع "البث الحي" للحياة التى يرونها من نافذتهم، عما يحدث في الأوطان العربية، من تنازع على الحكم. حتى أن الأغنية شملت كلمات كالحرامي والعدو والثورة والدم، وعبرت عما وصلنا إليه من كثرة هذه الأحداث أننا "معًا إستسغنا الألم". ويدرك كاتب اﻷغنية في لحظات الحكمة، ليطلقها مما رآه "ياريتني عرفت من الأول إنه الجنة طريقها سلّم و العدل خيال صبياني". تبدو الجمل متقطعة في الأغنية كمانشيتات الأخبار، أو بين الرؤية للواقع والحرب الذهنية للمواطن التي يمثلها في إدراكه أنها كانت "هرمون عبيط مشتاق لحضن الثورة الدافي." هكذا كان يحلم ثم استفاق في نهاية الأغنية بجملة سيد درويش الأثيرة "أهه ده اللي صار وآدي اللى كان مالكش حق تلوم عليا."

يمكن أحيانًا اعتبار الضلع الرابع للمربع هو الطرف الغائب أو المجهول في كل معادلة/أغنية لهم فالأغنيات الحوارية أو القصصية لها طرف خفي.

يسري الألبوم في خط درامي معين عن الأوضاع السياسية العربية، والتي أصبحت حياتنا اليومية المعتادة فنجد عبارات "الهتاف المعارض"، "طرف تالت"، "الجهل بالدين"، في أغنية "شبر مي"، كما في "100 مليون ميل"، يتحدثون عن دورة الحياة المعادة في صراع الفن والدين والاتهامات بالعمالة والإيمان والكفر، "مئة ألف مليون عميل، مؤمنون بما يختلقون، وزمرة من الكفرة يتفكرون". تتسم الموسيقى في الأغنيتين السابقتين خاصة بموسيقى إلكترونية ذات صخب، وطريقة غناء مختلفة عما قدموه من قبل في تجديد وتطور يسعون إليه وإن كان مستغربًا على المستمع.

يمكن أحيانًا اعتبار الضلع الرابع للمربع هو الطرف الغائب أو المجهول في كل معادلة/أغنية لهم فالأغنيات الحوارية أو القصصية لها طرف خفي، كأغنية "الراعي"، "قالولي ليش بتتمرد بكرة تتعود". كذلك في أغنية "المختلفين"، التي تثير تساؤلات عديدة عمن يُخاطب "وينك وويني ووين المختلفين"، فلا يوجد معنى صريح للأغنية، ولا يمكن تحديد نوع الاختلاف، "يمكن مش مسموح، مش زي ما علٌموك لو نويت أوصلّك حتى لو بيّنت بعيد".


في أغنية "بديش أعرف أنا من وين" تشترك معهم فى الغناء نعمت بطاح، ويدور الحوار فيها ردًا على استجواب ظاهري من الكلمات كأنه تحقيق من شرطة لمواطن ليس عنده جواب حتى تنفذ جهة التحقيق عزل الإعلام الموالي، ويحدد موعدًا على شط النيل في حال قبول الشرط، في لمحة من السخرية، أو كأنها كما نقول "في المشمش"، ولكن الغموض ما زال مستمرًا لا يمكن الإمساك بالقصد الحرفي حتى أني رأيت الأغنية بشكل آخر. أراها فى يوم 28 يناير 2011 بارتباط الكلمات عن المكان "شط النيل" ذلك المشهد العظيم يوم التجمع البشري الثوري على كوبري قصر النيل حين حضر آلاف المصريين من كل الجهات في مواجهة الشرطة والنظام لإزاحته بكل مؤيديه وإعلامه.

ينتشر "المربع" تدريجيًا ويثبت أقدامه باختلافه وخطاه المغايرة في الموسيقى والكلمات، وفي التعبير عن هموم الناس وتساؤلاتها الحياتية. ويؤدي الفريق عددًا من الحفلات في أوروبا والوطن العربي لمزيد من الانتشار والنجاح، إن أتاحت لهم الدول الفرصة دون عوائق. كما أنهم اعتمدوا في إصدار ألبومهم الأخير على مشروع التمويل الجماعي، كالسائد خلال السنوات الأخيرة في موسيقى الأندرجراوند، حتى يستطيعون الظهور بالشكل اللائق، ولأن شركات الإنتاج تبحث عن شكل وصوت فقط، دون المحتوى، بينما يولي "المربع" أولوية هامة للكلمات التي يوجهونها. ويُنتظر من "المربع" المزيد من الأغنيات بلغتهم المشكلة بتميز وموسيقاهم الروك والإلكترونيك التي يسعون في تطويرها.