هنا الوردة.. قصيدة من نوع أخر

الرواية عبارة عن كتابة غير مصنفة، قصيدة من نوع أخر ، جاءت كمشهد سينمائي مشتعل بين أطراف عدة، عن جيل حالم لم يعد يفرق بين أحلامه وأوهامه التي تكسرت علي يد الواقع الصلد والنظم القمعية والموروثات الاجتماعية.

تتأرجح رواية "هنا الوردة" الصادرة عن دار الأداب عام 2016 للشاعر والكاتب الأردني أمجد ناصر، بين الفانتازيا والواقعية، بشكل يتطابق إلى حد كبير مع واقع نعيشه في بعض أجزائها، لتخرج في النهاية كمزيج روائي شاعري مفعم بجماليات البناء الأدبي المحكم، والبناء الشاعري الجمالي.

الهروب والحب، والتمرد، والديكتاتورية والثورة وخيبة الأمل، والشعر والطموح والنشوة والخوف، كلها أسست لبنية الرواية، المرشحة للقائمة الطويلة للبوكر العربية عام 2018، والمغلفة بلغة شاعرية جميلة.

اعتمد أمجد ناصر علي الفانتازيا في صنع أمكنة الرواية، واستخدم هذه الأماكن المُتخّيلة في بناء عمارته السردية للرواية، ففي البدء ينوه الكاتب إلى أن الأماكن والشخوص الواردة في الرواية هي من مخيلته وأي محاولة لمطبقاتها بالواقع هي مضيعة للوقت، وكأن استخدامه لهذه الأماكن المتخيلة تعبير عن ضيق الواقع بطُغاته وثورييه وأمكنته الحقيقية، مما اضطر الكاتب لصنع أمكنته الفانتازية بواقعية بعيدة في بنائها السردي عن الواقع الافتراضي.

شخصيات الرواية كلها تتناسل من الشخصية المحورية في الرواية وهي شخصية يونس الخطاط، فالكاتب يركز هنا على شخصية البطل التي تدور الحكايات حولها، وتبرز الأيدولوجيات والعقائد التي تتلاقى أو تتقاطع من خلالها، فالرواية تقترب من الرواية السياسية من خلال أحداثها مركزة على شخصية واحدة معبرة عن كل ماسبق ذكره.

شخصية يونس المتمردة والتي أعطاها الكاتب خصائص الشخصية الدونكيشوتية، هي شخصية تقرر مصيرها قائمة بذاتها ترفض الإملاءات الخارجية والنصائح الأبوية كإصراره على الزواج من ابنة قائد الحرس السابق والذي قتل أثناء إحدى محاولات اغتيال الحفيد، وكتركه الدراسة وانصرافه للشعر متمردًا على مهنة أبيه وأجداده، وانضمامه لتنظيم سري يقوم خلاله بمهام تتطلب التحلي بروح المغامرة.

لعبة التسويف

أمجد ناصر اعتمد على لعبة التسويف في روايته كلما شارفت الأحداث على الانفجار من خلال استعراض الشخصيات الثانوية في الرواية كشخصيات عائلة يونس ابن الخطاط الذي امتهن مهنة عائلتة المتوارثة، ووالدته التي تعاتبه دومًا على طيشه، وأخيه الذي يساعد والده في المهنة ذاتها.

وهناك أيضًا أصدقاؤه؛ أبو طويلة الذي يشاركة العمل في نفس التنظيم السري والذي يشاركه أيضًا ولعه بالشعر، وصديقه الحناوي الذي ينتمي لتنظيم آخر مناهض للحفيد وحكمه، وعقلة الإصبع وخلف الذي اختاره يونس لإيصال رسالته إلى رُلى يحكي فيها عن رحليه لمدة لا يعلمها بعد تورطه في اغتيال "الحفيد" وهو أسلوب اتبعه الكاتب لإيضاح الخطوط الرئيسية في الرواية ومساراتها وبناء معالم الحامية حتي وإن كانت مدينة متخّيلة.

عند وصول يونس قادمًا من مدينة السندباد محملًا برسالة من الأمين العام للتنظيم لعناصر التنظيم في الحامية يترصده شخص في محطة الحافلات وقد يظن القارئ أن الحبكة على وشك الإكتمال والرواية على وشك الانتهاء ولكن نجد الكاتب يعرج بنا إلى بيت الحناوي صديق يونس الذي يذهب إليه هاربًا من ملاحقه، لتنكشف شخصية جديدة من شخصيات الرواية، التي لا تحضر إلا مع شخصية يونس التي ارتكز عليها الكاتب في بنائه السردي لشخوص الرواية الأخرى.

رواية الأحلام المجهضة

تدور الرواية حول يونس، الخطاط الشاعر الثوري المتمرد عن أحلامه المجهضة، عن الواقع الصلد في بلاده التي عرفت في الرواية بالحامية.

نبدأ بمشهد نهاية يونس الخطاط خلال انتظاره الموت لاشتراكه في عملية اغتيال الحفيد، الموت هنا ليس موتًا واقعيًا ولكنه مجاز، هذا الحدث كان عنصرًا رئيسيًا فيه وراويًا له وشاهدًا عليه، فكما يقول أمجد ناصر إنه أفسد واحدة من حبكاته السردية بوضعة لهذا المقطع في مقدمة الرواية

ثم يتوقف السرد لنعود إلى حياة يونس الخطاط والذي ترتحل أسرته من مدينة السندباد إلى الحامية، وتستقر هناك وتستمر في عملها المتوارث، ولكن يونس يسلك مسلكًا آخر برغم ولعه بالشعر، ينضم يونس إلى تنظيم سري مناهض لحكم "الحفيد".

يذهب يونس في مهمه سرية إلي بلاد أجداده الأصلية السندباد مكلفًا بمهمة من قبّل التنظيم، ليوصل رسالة إلى أمينه العام المقيم هناك، ورغم ما تحمله الرحلة من مخاطر إلا أنه يعود سالمًا، ليكلف بمهمة اغتيال الحاكم "الحفيد" بمساعدة شابين سيوصلهم إلى أقرب نقطة تؤدي إلى المنصة التي يجلس عليها الحفيد في الحفل الوطني الكبير، ولكن العملية تفشل ورغم ذلك ينجو يونس.

يتولي التنظيم مسؤولية تهريبة خارج البلاد إلى دولة مجاورة تطل على بحر ما، وهنا تكتمل الحبكة السردية للرواية، إذ خلال انتقالهم بالسيارة من حدود الحامية إلى الجانب الأخر لحدود الدولة المجاورة، ينسلخ جسد رمزي من جسد يونس عائدًا مرة أخرى إلى الحامية وهو ترميز لخروج روح يونس منه روحه المتعلقة بأصدقائه في الحامية وبحبيته وزوجته رُلى، التي أرسل إليها رسالة مع صديقه خلف ولكنه لم يوصل الرسالة بعد اكتشافه ضلوع يونس في محاولة اغتيال الحفيد.

ولخروج الجسد ترميز آخر وهو الفشل والأحلام المجهضة لجيل كامل، الأمر لا يتعلق هنا فقط بيونس، الذي هو صورة لجيل الكاتب في الستينات والسبعينات خلال ذروة المد الثوري اليساري وفشلهم في بناء تنظيم سياسي قادر على مجابهة النظام والوصول للسلطة.

قصيدة من نوع أخر

تشعر وأنت تقرأ الرواية وكأنك أمام مقاطع شعرية مكتوبة بطريقة نثرية رائعة، وكأنها قصيدة روائية، قصيدة من نوع آخر، فالرواية يصعب تصنيفها كسيرة ذاتية أو رواية سياسية، رغم من إقترابها من هذا النوع وتضمينها إسقاطات على الجيل الذي عاش، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ثورة غير مكتملة، بمشاعر مضطربة سواء على المستويين العام والشخصي.

الرواية عبارة عن كتابة غير مصنفة، قصيدة من نوع أخر ، جاءت كمشهد سينمائي مشتعل بين أطراف عدة، عن جيل حالم لم يعد يفرق بين أحلامه وأوهامه التي تكسرت علي يد الواقع الصلد والنظم القمعية والموروثات الاجتماعية.