حبّ وكراهيّة.. عن العلاقة بيننا وبين علامات الترقيم

كما تشدُّ الغُرزُ هيكلَ القماش بعضه إلى بعض، وتُسبِغُ عليه شكلاً، تُعيننا علامات الترقيم على رَتْقِ كلماتنا بعضها ببعض، واهبةً لكتابتنا قَواما.

ترجمة لمقال ستيفن سْبِكتور* بموقع ليتراري هپ

دَعونا نواجه الأمر: الكتابةُ ليست سلوكًا طبيعيًّا. فرغم أن أسلافُنا ربّما بدأوا في الكلام قبل حوالي خمسين ألفًا إلى اثنين مليون عام. غير أنّ الكتابة لم تُخترع إلا منذ خمسة آلاف عامٍ فقط. ومرّت ثلاثةُ آلاف عام منها قبل أن يبدأ البشر في استخدام نظامٍ يتألَّفُ من نِقاطٍ صغيرة، تطوَّر تدريجيًّا ليصيرَ ما نعرفه الآن بنظام "علاماتِ الترقيم" المعاصر. ثمّ تطلَّب الأمر قُرونًا كي تتطور ممارسة الترقيم.

وكي نعطي مثالاً مُوضحًا: لنقُلْ أنّ البشريّة تواجدت لمدة 24 ساعة. بالمقاييس التقليديّة؛ مرّت ثلاثةٌ وعشرون ساعةً قبل أن يخترع النّاس الكتابة. ولم يبرُز الترقيم حتّى اقتربَ الوقت من منتَصف الليل.

إذن، من وِجهةٍ نَظرٍ تاريخيّة، يُعَد نظامنا الترقيميُّ المعاصِرُ تطوُّرًا بالغ الحداثة، وهو ما يجعله عُرضةً للتغيير. الأكثر من هذا؛ ممارساتنا الترقيمية مبعثُها تقليدَيْن اثنين متباينين: أحدهما يهدف إلى إضفاء منطق قواعِديّ (نحويّ)، بينما الآخرُ يحاوِلُ إعادة إنتاج إيقاعاتِ الحديث. ولقد ورِثنا كِلتا المُقارَبَتَيْن. فأنتَ تُريد للمعنى الذي ترومُ الإفصاح عنه أن يكون واضحًا، بالطَّبع، لكنّك ترغبُ لجُمَلِك أن تبدو طبيعيّةً كذلك. إنّها قضيّة تمييز التُّوازُن المطلوب، بالنسبة للوضوح والصُّواب، وبالنسبة لأسلوبك الشخصيّ. لذا فالترقيم فنٌّ، تماما كما هو عِلم. فغالبًا ما يكون لك مطلق الحريّة لتقرير اختياراتك- وهذا سببٌ في أنّ النّاس ليسوا على يقينٍ دَومًا بكيف يقومون بالترقيم.

أسباب للكراهية

لو حدث ذات مرّة وانتابك القلق تجاه الترقيم، فأنت قَطعًا لستَ وحدَك. فتِلك العلاماتُ المزعجةُ الصغيرة قادت حتّى بعض الكُتّاب العِظام إلى الجنون. فـوليام وردسورث وتشارلوت برونتي مثلًا، كانا يطلبان من ناشريهما أن يُصحِّحوا أخطاء الترقيم في نصوصهما. ولورد بايرون الذي نعت نفسه بـ"يدٌ تعيسة في عملية الترقيم"، كان يستعلمُ عن أيّ شخصٍ باستطاعته أن يُساعده في وضع الفَاصِلات.

لقد أرهق الترقيمُ وأزعجَ كذلك كتابًا مشاهير آخرين. الفاصلاتُ العُليا في الإنجليزيّة (') هي مَصدرٌ مضمون للتوتُّر. كان جورج برنارد شو يزدريها ويصفها بالـ "عُصيَّات خرقاء"، ورفض استخدام الكثير منها في مسرحيّته بيجماليون. ونرى ذلك في مقاطع من الحوار مثل "هذه ليست كتابة سليمة ,That aint proper writing"و "هلا جلست ,Wont you sit down" و"من قال أني لم أفعل؟ ?Who said I didnt". (نلاحظ أن كلمات ain't و won't وdid't كُتِبَت جميعها دون فاصلات عليا).

ورغم ذلك استخدم شو تلك الفاصلات في كتابة he'll وit's في نفس المسرحية، ربّما كي يتفادى الالتباس بينهما وبين كلمتي hell-جحيم، و its- ضمير الملكيّة لغير العاقل. لم يكُن شو يحمل الكثير من الاحترام لعلامة الشَّرطَة، فقد كان يُسمّيها "الملجأ العظيم لهؤلاء الكَسولين للغاية عن ترقيم النصوص".

أمّا جيرترود ستاين فقد تمادَت إلى حد هجَرَان استخدام جميع علامات الترقيم تقريبًا. كانت تقول إن "علامات الاستفهام ظريفة عندما تُستَخدَم لوَسْمِ الماشية"، لكن أثناء الكِتابة ينبغي أنّ يعرف أيُّ شخصٍ أنّ السؤال هو سؤال. إذن، مَن الذي يحتاجُ علامة الاستفهام؟

جيرترود ستاين - روائية وصحفية أمريكية 

كانت ستاين تعتقدُ أنّ علامات التعجُّبِ(!) والتنصيص (") قبيحةٌ وغيرُ ضروريّة. وكانت تعتَبرُ الفاصلات(,) كياناتٍ ذليلة. وتعتقد أنّ علامة النُّقطتَيْن المتعامِدَتَيْن (:) والفاصلة المنقوطة (؛) هي أساسًا فاصلاتٌ مُتغطرِسَة.

رّبما يعتقد بعضُ الناس اليوم أنّ الفاصلات كياناتٌ ذليلة، لكن كثيرين مِنّا يشعرون أنه يمكن الاستغناء عنها في تغريدات تويتر والرسائل النصيّة وغيرها من الرسائل المتبادلة عبر الإنترنت. فكما يقول الُّلغويُّ جون ماكورتَر، فالمراسلة النّصيّة "حديثٌ بالأصابع"، لا ضرورة لديها أن تتوافق مع أعرافَ الكتابة الرسميّة. وغالبًا ما يظنُّ النّاس أنّهم ليسوا في حاجة لاستخدام الفاصلات في رسائلهم الرقمية القصيرة.

تُضيفُ آنّْ كورزان، أن الأقواس الهلالية()، والأقواس المعقوفة(")، يُعادُ توظيفها في التغريدات والنصوص، لكن الفاصلات لا: فالقوسان المعقوفان بإمكانهما الآن الإيحاء بالجِدّيّة أو بالغضب، والقوسان الهلاليّان يُجرى استخدامهما الآن لإيصال شعورٍ بالتشكُّكِ أو التعاسة. أما الفاصلات فصارت علاماتٌ تفيدُ الرّسميّة في سياقٍ غير رسميّ، لكن يتمّ التخلُّص منها. يطرح ماكورتر أنّنا لو تعاملنا جميعًا دون استخدام الفاصلات حتى في الكتابة الرسميّة؛ فلن ينقص كلامنا الكثيرُ من الوضوح.

متخصِّصو القواعد التقليديّون، أمثال وليام سترنك جونيور وإلوين بروكس وايت في كتابِهما الشهير "عناصر الأسلوب The elements of style" وجّهانا لاستخدام الفاصلات في سياقاتٍ مُحدَّدَة. غير أنّ ماكورتر يرفض أن تكون تلك السياقات بمثابة قواعد، ويُضيف: سترانك ربّما كذلك كان يلبس الجُرموق (حذاء طويل الرقبة يُرتَدَى فوق الحذاء الأصلى لحمايته. وانقطع استخدامه في عشرينات القرن الماضي).

(!)

علاماتُ التعجُّب كانت حاضرةً في استخدامنا بصورتها المعاصرة طوال أكثر من 600 عام. لكنّ كثيرًا من الكُتّاب والمعلِّقين جرى تحذيرهم من أن استخدامها يمثِّلُ أكثرَ من مُجرَّدَ كونه فَشَلٍ في الأسلوب؛ بل هو علامةٌ على فساد الذوق كذلك، وربّما حتّى على هوان الشخصية. يقول ف. سكوت فيتزجيرالد "علامةُ التعجُّب تُشبِه الضَّحك على النُّكتة التي ألقيتَها بنفسِك".

دافيد مارش، الذي يعمل بالتحرير لصالح جارديان البريطانية يقولُ شيئًا مُماثِلًا: عندما تستخدمُ جريدةٌ علامةَ التعجُّب في عنوان الصفحة، فإنّ ذلك يعني دومًا "انظروا، لقد كتبنا شيئًا مُضحِكًا".

الطبيب والأديب لويس توماس، كتب أنّ رؤية علامات الاستفهام "أمرٌ يُشبِه أن تُجبَرَ على مشاهدة ابن أحدهم، وهو يتقافزُ صعودًا وهبوطًا في حجرة المعيشة على نحوٍ جنونيّ، وهو يصيح كي يجذب انتباهَك". يختتم توماس كلامه ويقول إن كانت الجملة تُفصِح عن معنىً مُهمّ، فهي ليست في حاجةٍ لعلامةٍ كي تُشير لهذا.

لاين تروس، مؤلِّف الكتاب الأفضل مبيعًا "يأكل يطلق النّار يُغادر"، يقول إنّه في عائلة علامات الترقيم، تُعَد"علامةُ التعجُّب كالأخ الكبير المصاب بمرض فرط النشاط ونقص الانتباه، الذي يكون شديد التهيُّجِ ويُكسِّرُ الأشياء وينفجرُ في الضَّحِك".

إيلمور ليونارد، السيناريست وكاتب روايات الجريمة العظيم، خَلُصَ إلى أنّ إحدى القواعد الأساسيّة للكتابة الجيّدة، أنّه: غير مسموحٍ أن يتجاوز عدد علامات التعجُّب المستخدمة أكثر من علامتين أو ثلاثة في كلِّ مئة ألف كلمة من النّص. هؤلاء الذين يستخدمون الكثير من علامات التعجُّب في رسائلهم الرقميّة ربّما يجدون صعوبةً في تصديقِ هذا، لكن لوقتٍ طويل لم يكن لدى مُستخدمي الآلة الكاتبة مِفتاحٌ لتلك العلامة. وإنّ أصرّ النّاس على استخدام علامة تعجُّب، كان يطبعون نُقطَة، ثم يعودون في النَّص مسافة للوراء، ويضيفون فاصلة عُليا(').

لقد أزعجَتْ الفاصلةُ المنقوطة العديد من الكُتّاب. بعض المؤلِّفين كانوا يمقتونها فعلاً. كورت فونيجوت قال إنّ القاعدة الأولى في الكتابة الإبداعية هي "لا تستخدم الفاصلة المنقوطة". كان يطلِق عليها "الخَنثيات اللائي يمثلن لا شيء على الإطلاق، كلُّ ما يفعلنه هو إظهار أنّكَ ذهبتَ إلى الكُلِّيّة". هذا طرح شديد القسوة. لكن جيمس ج. كيلباترك حاول أن يروِّض هذا الراي في عامود صحفي له قال فيه إنّ الفاصلة المنقوطة سَمِجةٌ وذميمة، وأنّها "أكثر علامات الترقيم التي اختُرِعت جُبنًا، وتخنُّثًا، وأكثرها- حَرفيًّا- تفاهةً على الإطلاق".

إدجار دوكتورو كان يشمئِزُّ كذلك من الفاصلات المنقوطة، وكورماك ماكارثي الحائز على جائزة بوليتزر، كان يبذل ما في وُسعه للتخلُّص منها جميعًا. وقد تطوَّعَ ذات مرّة لتحرير سيرة فزيائيٍّ شهير- وبقدر ما، نجح في التخلص من جميع الفاصلات المنقوطة وعلامات التعجُّب.

على كلِّ حال، لست بحاجة لأن تكون كاتبًا كي تكره الفاصلات المنقوطة. فرئيس صحيفة نيويورك سيتي "فيوريللو لاجوارديا" كان يُسمّي البيروقراطيين الذي ابتدَعوا تقاليدَ الروتين "الفِتية المنقوطون".

وأسباب للمحبة

عندما نتحدَّث، نستخدمُ علاماتٍ غيرَ مَنطوقة كي تُساعدَنا على إيصال ما نودُّ قَوْله. نفعل ذلك دون تفكير، فنحن نتوقَّفُ أو نغيِّرَ نبرة حديثنا أو درجات علو وانخفاض الصوت وتفخيمه أو ترقيقه، سرعة تدفق الكلام. نستعينُ كذلك بتعبيرات الوجه والنظرات، بإيماءات اليد وإشاراتٍ أخرى. كل هذا يُسانِدنا في التعبير عن عن فَحوى كلامنا. لكن عندما نكتب، ليس في وُسعنا القيام بهذه الأشياء، يعوِزُنا طقمٌ مختلفٌ من الأدواتِ بدلاً من هذا، وهُنا يأتي دورُ علامات الترقيم.

يعينُنا الترقيم على استبدال الإشارات غير المنطوقة التي نستخدمها عند التحدُّث. إنّها مجرد نِقاط، خَربشات، علامات شَطب. لكن لولاها لتناثرت كِتابتُنا فوق الصفحة، ولتعيَّنَ على القرّاء أن يبذلوا جهدًا مضنيًا ليكتشفوا ماذا نُريدُ أن نقول.

تساعدنا علامات الترقيم على إيضاح ما نود قوله. تُسعفنا في وضع نظامٍ داخل الجُمَل وفيما بينها. تؤسِّسُ إيقاع كِتابتنا، وتنقل صورة واضحة لوقفات وتوكيدات ما نقول. باستطاعة علامات الترقيم أن تنقل الغموض، الإثارة، الترقُّب، الإلحاح، الشّك، الدراما، وحتى توقيت الحِسّ الساخر. إنّها نافعة أيضًا كتوجيهات للتحدُّث على المِنصّة: فعلامة الاستفهام بإمكانها الإيحاء بانعطافةٍ في نبرة صوت المتحدِّث. والأقواس تستطيع أن تكون المكافِئ للمناجاة. وعلامة التعجُّبِ بإمكانها أن تُدلِّلَ على تصاعُدِ صوتٍ مندهِش.

يقول خبير اللغة روبرت ألين، أنّ الترقيمَ بالنسبة للكِتابةِ، كالحياكةِ للملابس. فكما تشدُّ الغُرزُ هيكلَ القماش بعضه إلى بعض، وتُسبِغُ عليه شكلاً، تُعيننا علامات الترقيم على رَتْقِ كلماتنا بعضها ببعض، واهبةً لكتابتنا قَواما. إنّها مُماثَلةٌ معقولة، بما أنّ الغَزْل شأنٌ هام في التَّفصيل والكِتابة. فأنتَ تريد من استخدامك للترقيم وآليات الكتابة أن يعززا ما ترغب في قوله، لا أن ينحرِفا عنه. كُلّما قلّت مُلاحظة القارئ لها في النص؛ كلما كان وجودها ناجحًا. لكن، أليسَ من العسير أن تحيك الكلمات بعضها ببعض؟ وكم منّا يمكن أن نعدهم حائكين مهرة؟

إليكَ الحقيقة: القواعد الأساسيّة في عملية الترقيم ليست عسيرة، هذا شأن يرتبط جزئيًا بأسلوبك الخاص. في عام 1939 ذكر كتاب قواعدَ شهير إن عملية الترقيم "ثُلُثَيْها يحكمه القواعد، والثُلث يحكمه الذَّوقُ الشخصي". لستُ على يقين من أنه بإمكاننا تقدير هذا على نحو يتّسم بالدقة، إلا أنّ مُمارستنا للترقيم تمنحنا نِطاقًا واسعًا لاتخاذ خياراتنا الشخصية. كما أنّ بعضَ أعظم الكُتّاب يعتبرون اختياراتِهم جانبًا جوهريًّا من فَنّهم.


(*) أستاذ اللغة الإنجليزيّة، وأستاذ كُرسي في جامعة Stony Brook، نشر ثمانيةَ كُتبٍ تُعالِج موضوعاتٍ شتّى: كاللغة والسياسة والأديان.