أحمد خالد توفيق.. الكاتب الضد

بينما كان أدهم صبري شخصًا قويًا ووسيمًا ولديه إمكانيات تجعله أقرب للإنسان الكامل؛ كان بطل سلسلة "ما وراء الطبيعة" شخصية خاصة فهو "بطل ضد"

توفى مساء أمس الدكتور أحمد خالد توفيق، أحد أبرز الكتاب المصريين المعاصرين، والذي عُرف بسلاسل رواياته التي صدرت عن المؤسسة العربية للطباعة والنشر والتوزيع.

وُلد أحمد خالد توفيق في طنطا عام 1962 وتخرج من كلية الطب عام 1985، وصار من أعضاء هيئة التدريس بجامعة طنطا. ولكن مسار حياته تغيّر في بداية التسعينيات، وكان هذا إيذانًا بتغير المسار الثقافي لجيل بأكمله. بدأ خالد توفيق كتابة سلسلة "ما وراء الطبيعة" في عام 1992 بكتاب "مصاص الدماء وأسطورة الرجل الذئب".

كانت السلسلة التي تصدر عن دار "المؤسسة العربية الحديثة" بمثابة "الضد" لكل ما تمثله السلسلة الشهيرة "رجل المستحيل" لنبيل فاروق، فبينما كان أدهم صبري – الموازي المصري لشخصية جيمس بوند – شخصًا قويًا ووسيمًا ولديه إمكانيات تجعله أقرب للإنسان الكامل، كان بطل سلسلة "ما وراء الطبيعة" شخصية خاصة- رغم أن السلسلة كلها تستعين بثقافة أدب الرعب الغربي- فهو "بطل ضد" يظهر على الغلاف الذي يرسمه إسماعيل دياب عجوزًا، أصلع الرأس، ضعيف البنية، ليتطابق مع الصورة التي كتبها عنه أحمد خالد توفيق.

خلق أحمد خالد توفيق توازنًا مع نبيل فاروق في "المؤسسة العربية الحديثة" التي توجه كتبها للمراهقين. ولكن خالد توفيق تفوق على نبيل فاروق في تأثيره الممتد على الشباب حتى بعد توقفهم عن قراءة هذه النوعية من الكتب والخروج إلى كتب جديدة، تتيح لهم ذلك ثقافة خالد توفيق التي يُضَمِّنها في كتبه والتي تدفع الشباب إلى قراءة كتب أكثر عن عناصر الرعب والأدب الغربي التي يذكرها في السلسلة.

الاستعانة بعناصر متعلقة بالمضمون من أدب الرعب العالمي يوازيه أيضًا اهتمام بعناصر أسلوبية من تلك الروايات، فعل سبيل المثال كانت استعانته بتقنية الرسائل في "أسطورة آكل البشر" موازية لاستعانة الكاتب الأيرلندي برام ستوكر بها في روايته "دراكولا".

هو هنا لا يمارس أدب رعب صرف، قائم على التطهر الناجم عن الخوف. هو يجعلك تقترب من الرعب ولكنه يتوقف عنه لصالح الواقع والأسس العلمية

يستخدم أحمد خالد توفيق في سلسلته الأسلوب المنفصل- المتصل، المعتاد في سلاسل المؤسسة العربية في التوزيع، وربما في مسلسلات التلفزيون الأجنبية، شخصية رئيسية "رفعت إسماعيل"، تسرد ذكرياتها الممتدة من الستينيات من القرن الماضي، إلى جانب شخصيات تعاود الظهور كحبيبته الأسكتلندية ماجي، ثم تظهر مع كل عدد شخصيات جديدة ومغامرة جديدة.

كون السلسلة موجهة إلى المراهقين والشباب يجعل المؤلف حريصًا على أن لا تنزلق في مآزق أخلاقية وألا يجعل هناك أي إمكانية لتجاوز الحدود، فقصة حب رفعت إسماعيل مع "ماجي" الأسكتلندية تبدو قصة حب عذرية تمامًا، وربما يظل تدخين رفعت إسماعيل للسجائر في بداية الروايات هو العنصر الأخلاقي المختلف عليه الوحيد في الروايات. يقول أحمد خالد توفيق في مقابلة تلفزيونية معه بقناة سي بي سي أنه توقف عن ذكر السجائر في الروايات عندما عرف أن هناك مراهقًا يدخن السجائر محاكاة لرفعت إسماعيل. ذلك الحياد الأخلاقي النسبي هو الذي جعل السلسلة محتفَى بها بين تيارات كبيرة ومتناقضة في أوساط الشباب.

فكرة محو الأساطير تظل فكرة أساسية في سلسلة "ما وراء الطبيعة"، فنحن نمضي مع الأسطورة حتى نكتشف في النهاية أن لها أسسها الواقعية، وأن عناصر الرعب التي تحتويها ليست سوى خداع عن طريق الوهم والحواس. هو هنا لا يمارس أدب رعب صرف، قائم على التطهر الناجم عن الخوف. هو يجعلك تقترب من الرعب ولكنه يتوقف عنه لصالح الواقع والأسس العلمية. عملية تبديد الأساطير تعطي انطباعًا أن تلك الأشياء التي نخشى منها ليست في الحقيقة مخيفة إن نظرنا لها بما يكفي، هذا قد يضفي ثقة كبيرة على الشباب والمراهقين الذين يبدأون طريقهم في القراءة وفي الحياة. وهنا يدعم خالد توفيق أكثر الحس التربوي والتعليمي في الروايات.

ربما يصعب على الناقد الكلاسيكي أن يضع أحمد خالد توفيق ضمن أبرز كتّاب العربية، ولكنه استطاع تحقيق ذلك بدون الحاجة إلى نقاد. كان بمثابة مدرسة غير نظامية أخرجت العديد من الكتاب والمترجمين

كتب خالد توفيق سلاسل ناجحة أخرى مثل فانتازيا التي تضم "بطلة ضد" أيضًا، هي عبير. و"سافاري" التي استفاد فيها من تجربته كطبيب. بالإضافة إلى ترجماته المختصرة للعديد من الروايات الكلاسيكية العالمية.

في نهاية حياته اتجه خالد توفيق لكتابة الروايات غير الموجهة للمراهقين كـ "يوتوبيا" و"السنجة"، ورغم إنها لم تحظ بالاستقبال النقدي الكافي إلا أنها حظت بالاحتفاء الجماهيري، وتُرجمت "يوتوبيا" للإنجليزية والفرنسية والألمانية.

ربما يصعب على الناقد الكلاسيكي أن يضع أحمد خالد توفيق ضمن أبرز كتّاب العربية، ولكنه استطاع تحقيق ذلك بدون الحاجة إلى نقاد. كان بمثابة مدرسة غير نظامية أخرجت العديد من الكتاب والمترجمين، والأهم من ذلك أثرت على جيل كامل من القراء، وربما نحتاج إلى نظرة فاحصة لنعرف حجم هذا التأثير ونتائجه.