تصاعدت أزمة الناشط السياسي علاء عبد الفتاح، وبعد أن رحب بوصوله إلى لندن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، عاد ليصف بوستات عبد الفتاح القديمة التي أعادت نشرها حسابات على إكس، من بينها حسابات لمشاهير وسياسيين، عقب وصوله إلى بريطانيا الجمعة الماضي، بأنها "بغيضة للغاية".
وقال ستارمر على إكس، أمس الاثنين، إنه "مع تصاعد معاداة السامية والهجمات المروعة الأخيرة، أعلم أن هذا زاد من معاناة الكثيرين في المجتمع اليهودي بالمملكة المتحدة"، مشيرًا إلى أن حكومته تتخذ خطوات لمراجعة ما أسماه بـ"الإخفاقات المعلوماتية في هذه القضية".
بوست ستارمر جاء ردًا على خطاب وزيرة الخارجية إيفيت كوبر الموجه إلى لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، الذي تبرأت فيه من علمها بشأن بوستات علاء عبد الفتاح القديمة المتهم فيها بـ"معاداة السامية".
"إخفاق غير مقبول"
في خطابها، قالت كوبر إن "رئيس الوزراء ونائبه وأنا غير مطّلعين على تلك التغريدات التاريخية، ونعتبرها بغيضة".
"من الواضح أن هذا كان إخفاقًا غير مقبول" قالت كوبر، قبل أن تشير إلى ما أسمته "تصاعد معاداة السامية في بريطانيا والعالم"، لافتة إلى شعورها بقلق بالغ "لأن الظهور غير المتوقع لهذه التغريدات التاريخية، إلى جانب البوستات التي نشرتها أنا وسياسيون كبار آخرون ترحيبًا بانتهاء هذه القضية طويلة الأمد ولم شمل علاء عبد الفتاح مع أسرته زاد من الضيق الذي تشعر به الجاليات اليهودية في المملكة المتحدة، وأعرب عن أسفي الشديد لذلك".
طلبت وزيرة الخارجية البريطانية من وكيل الوزارة الدائم "على وجه الاستعجال" مراجعة "أوجه القصور الخطيرة في تدفق المعلومات" ليس في قضية علاء عبد الفتاح وحدها، لكن بشكل أوسع "لإجراء العناية الواجبة في قضايا القنصليات وحقوق الإنسان ذات الطابع البارز التي تتحمل الوزارة مسؤوليتها، لضمان أن تعمل تلك الأنظمة على نحو صحيح مستقبلًا" وفق نص الخطاب.
وأخذت كوبر تبرر تقديم وزارتها المساعدة في قضية عبد الفتاح أثناء احتجازه في مصر، وقالت "أُثيرت على مدار سنوات طويلة جدًا مخاوف متكررة بشأن حقوق الإنسان، ليس فقط من قبل حكومات بريطانية متعاقبة، بل أيضًا من قبل قادة دول من مختلف أنحاء العالم. وبالنسبة لمزدوجي الجنسية في بلدهم الآخر الذي يحملون جنسيته، فإن السياسة تقضي بتقديم مثل هذه المساعدة عندما تكون هناك مخاوف بشأن حالات هشاشة معينة أو قضايا حقوق إنسان".
ويَحمِل عبد الفتاح الجنسية البريطانية منذ 2021 عن طريق والدته الأكاديمية ليلى سويف التي حصلت عليها بولادتها في بريطانيا عام 1956.
خطاب كوبر للبرلمان وتعليق ستارمر عليه لا يأتي بمعزل عن اعتذار علاء عبد الفتاح عن بوستاته القديمة، وصدمته مما وصفه بـ"التشكيك في نزاهته وقيمه والطعن فيهما".
"أنا مصدوم لأنّه في اللحظة التي أُعيد فيها لمّ شَملي مع عائلتي للمرة الأولى منذ 12 عامًا، أُعيد نشر عدد من تغريداتي القديمة"، قال علاء عبد الفتاح.
وأضاف في بوست على فيسبوك صباح الاثنين "عند مراجعة هذه التغريدات اليوم، تلك التي لم يُحرَّف معناها بالكامل، أفهم فعلًا مدى صدمتها وما قد تسببه من أذى، ولهذا أقدّم اعتذارًا واضحًا وصريحًا لا لبس فيه. فقد كانت في معظمها تعبيرات عن غضب وإحباط شاب في سياق أزمات إقليمية كبرى (الحروب على العراق ولبنان وغزة)، وفي ظل تصاعد عنف الشرطة ضد الشباب المصري. وأشعر بندم خاص إزاء بعض التغريدات التي كُتبت في سياق مشاحنات وإساءات إلكترونية، من دون اكتراث بكيف يمكن أن تُقرأ أو تُفهم من قبل الآخرين. كان ينبغي لي أن أكون أكثر وعيًا"، متراجعًا عن كتاباته السابقة.
ربما لن يشفع لعلاء عبد الفتاح اعتذاره أمام موجة بلاغات ومطالبات بترحيله إلى مصر ونزع الجنسية البريطانية عنه، إذ تسمح قوانين المملكة المتحدة لوزير الداخلية بتجريد أي شخص من جنسيته إذا قرر أن ذلك "يخدم الصالح العام". كما يمكن تجريد أي بريطاني يحمل جنسية مزدوجة من جنسيته. وإذا أدين علاء عبد الفتاح بجريمة جنائية، فقد يواجه الترحيل الفوري إذا جرد من جنسيته البريطانية.
غير أن تتبع صحيح مصر أول أمس لمصدر الحملة الإلكترونية ضد علاء عبد الفتاح التي بدأت عقب وصوله إلى بريطانيا خلصت إلى أن مَن بدأها هم مدونون داعمون للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، مستخدمين بوستاته المؤيدة للمقاومة الفلسطينية، قبل أن تظهر مشاركات من عدد من أعضاء البرلمان البريطاني ومشاهير وصحفيين معروفين بتوجهاتهم المؤيدة لإسرائيل.
حتى دخلت على خط الحملة "حسابات مصرية يجمع بينها دعمها للرئيس عبد الفتاح السيسي"، وفق صحيح مصر.
واستخدمت الحملة بوستات نشرها علاء عبد الفتاح على إكس بين عامي 2010 و2012، وتضمنت عبارات من بينها "عزيزي الصهيوني، لا تتكلم معي، أنا شخص عنيف أدعو إلى قتل كل الصهاينة، بمن فيهم المدنيون".
ماذا يعني أن تكون بريطانيًا؟
القضية تتجاوز علاء عبد الفتاح، إذ يشير تحليل أجراه معهد أبحاث السياسة العامة/IPPR إلى ارتفاع عدد الأشخاص المؤمنين بأن البريطانيين يجب أن يولدوا في المملكة المتحدة، وأن الهوية البريطانية صفة فطرية، ناتجة عن الأصل العرقي والنَسب، وليست مكتسبة.
وبينما أكدت الحكومة البريطانية حق علاء عبد الفتاح في الحصول على الدعم القنصلي كأي مواطن بريطاني آخر، أظهر تحليل IPPR أن 36% من المشاركين في استطلاع للرأي يعتقدون أنه يجب أن يولد الشخص في بريطانيا ليكون بريطانيًا حقًا، وذلك ارتفاعًا من 19% في عام 2023، ما يكشف عن ارتفاع في دعم الخطابات اليمينية المتطرفة حول الهوية الوطنية وتصاعد موجة القومية العرقية في بريطانيا.
في الأشهر الأخيرة، حذر سياسيون بارزون من تصاعد الأفكار القومية العرقية، التي ينتشر الكثير منها عبر الإنترنت. وذكرت الجارديان مؤخرًا أن المحتوى السياسي اليميني المتطرف كان يظهر ضمن أكثر خمسة مواضيع تداولًا على السوشيال ميديا في معظم الأسابيع، وذلك وفقًا لملخصات أسبوعية بتكليف من الوزراء.
ويرى تحليل، نشرته الجارديان أمس الاثنين، أن نهج حزب الإصلاح البريطاني وحزب المحافظين تجاه قضية عبد الفتاح يُظهر كيف تغير نطاق الخطاب السياسي السائد حول قضايا الهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي.
وتعرض كلا الحزبين اليمينيين لانتقادات حادة خلال العام الماضي لتأييدهما سياسات من شأنها أن تؤدي إلى ترحيل جماعي للمهاجرين المقيمين بشكل قانوني في المملكة المتحدة بزعم أن هذه السياسات غرضها "ضمان أن تكون المملكة المتحدة متماسكة ثقافيًا".
وحول احتمال سحب الجنسية من علاء عبد الفتاح الذي لم يحصل عليها إلا في 2021، يبقى القرار من صلاحيات وزير الداخلية، وعلى ندرته يظل أمر وارد الحدوث بشرط ألا يكون إصدار مثل هذا الأمر سيجعل الشخص "عديم الجنسية"، وهو ما لا ينطبق على عبد الفتاح الذي لا يزال يحتفظ بجنسيته المصرية.
ومع تصاعد الحملات ضده، ترى The Spectator، وهي منصة إخبارية وثقافية بريطانية محافظة، أن أشخاصًا مثل عبد الفتاح "ليسوا بريطانيين إلا بالمعنى الإداري"، وتزعم أنه "من البديهي سحب الجنسية البريطانية منه وترحيله"، وقالت "لعل هذا يفتح بابًا لنقاش أوسع وأكثر واقعية حول من نرغب في مشاركة بلادنا معه".
ما يؤكد أن الحملة على علاء عبد الفتاح ليست مجرد هجوم بسبب بوستاته القديمة وأنها جزء من حملة أوسع يشنها اليمين البريطاني على المهاجرين، ربط The Spectator في موضوعها بعنوان "هل يمكن سحب الجنسية البريطانية من علاء عبد الفتاح؟"، بإصدار المملكة المتحدة ما يقارب 270 ألف جنسية بريطانية في عام 2024 وحده.
وقولها "في الواقع، منحنا جنسيات منذ عام 2022 أكثر مما منحته اليابان منذ عام 1967. إذا كان للجنسية البريطانية أي معنى، فعلينا أن ندرك أنها أكثر من مجرد ورقة، وعلينا أن نتساءل كم من المواطنين البريطانيين الجدد يحملون آراءً خطيرة وغير مواتية للصالح العام مثل آراء عبد الفتاح".
وخلال سنوات حبسه، عانت أسرة علاء عبد الفتاح ظروفًا صعبةً من أجل إخلاء سبيله بعد تجاوز المدة القانونية لحبسه، إذ دخلت والدته إضرابًا عن الطعام أوصلها إلى مرحلة حرجة كادت تعصف بحياتها، كما طرقت أبوابًا عدة منها رئاسة الجمهورية لإطلاق سراحه، حتى تمكنت من ذلك قبل ثلاثة أشهر.