انتقدت ولاية كاليفورنيا قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتعلق بانسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية، وأعلنت أمس الجمعة، أنها ستصبح أول ولاية أمريكية تنضم إلى شبكة الاستجابة العالمية لتفشي الأمراض التابعة للمنظمة.
وأمس الأول الخميس، أكملت الولايات المتحدة انسحابها الرسمي من المنظمة بعد عام من إعلان ترامب إنهاء التزام واشنطن الذي استمر 78 عامًا مع الوكالة الأممية، في خطوة أثارت تحذيرات واسعة من تداعياتها على الصحة العامة في الداخل الأمريكي وعلى المستوى العالمي.
ووصف حاكم كاليفورنيا، جافين نيوسوم، قرار الانسحاب الأمريكي بأنه "متهور"، محذرًا من أنه سيُلحق الضرر بملايين الأشخاص.
وقال في بيان "لن تتحمل كاليفورنيا تبعات الفوضى التي سيحدثها هذا القرار، سنواصل تعزيز شراكاتنا العالمية، وسنظل في طليعة التأهب للصحة العامة، بما في ذلك عبر عضويتنا في شبكة الإنذار والاستجابة التابعة لمنظمة الصحة العالمية".
وتضم الشبكة أكثر من 360 مؤسسة فنية، وتعمل على الاستجابة لحالات الطوارئ الصحية عبر نشر خبراء وموارد في الدول المتضررة، وكانت فاعلة خلال أزمات كبرى، من بينها جائحة كوفيد-19.
وبررت إدارة ترامب قرارها بما وصفته بـ"إخفاقات" منظمة الصحة العالمية في إدارة جائحة كوفيد-19، مشيرة إلى أن الانسحاب جاء نتيجة تقييم طويل لأداء المنظمة خلال الأزمة الصحية الأكبر في العقود الأخيرة.
وبموجب أمر تنفيذي وقّعه ترامب في اليوم الأول من ولايته الرئاسية الجديدة عام 2025، دخل قرار الانسحاب حيز التنفيذ، فيما قالت وزارتا الصحة والخارجية الأمريكيتان، في بيان مشترك، إن تعامل الولايات المتحدة مع المنظمة سيكون "في نطاق محدود" يقتصر على الجوانب الفنية اللازمة لاستكمال إجراءات الانسحاب.
ونقلت رويترز عن مسؤول صحي حكومي أمريكي لم تسمه، قوله إن واشنطن "لا تخطط للمشاركة بصفة مراقب، ولا تعتزم الانضمام مجددًا"، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستعمل مستقبلًا بشكل مباشر مع الدول الأخرى، بدلًا من التعاون عبر منظمة دولية، في مجالات مراقبة الأمراض وأولويات الصحة العامة.
وفي جنيف، قال شهود عيان لرويترز إن العلم الأمريكي أُزيل من أمام مقر منظمة الصحة العالمية، في إشارة رمزية لاكتمال الانسحاب، الذي يأتي ضمن سلسلة خطوات اتخذتها واشنطن خلال الأسابيع الماضية للانسحاب من منظمات أممية أخرى، وسط مخاوف من أن يسهم مجلس السلام الذي أنشأه ترامب مؤخرًا في تقويض منظومة الأمم المتحدة.
وأثار الانسحاب جدلًا قانونيًا وماليًا، إذ ينص القانون الأمريكي على ضرورة توجيه إخطار قبل عام من الانسحاب، وسداد جميع الرسوم المستحقة، التي تُقدّر بنحو 260 مليون دولار. غير أن مسؤولًا في وزارة الخارجية الأمريكية نفى وجود نص قانوني يُلزم واشنطن بسداد أي مبالغ قبل المغادرة.
في المقابل، أكدت منظمة الصحة العالمية أن الولايات المتحدة لم تسدد اشتراكاتها عن عامي 2024 و2025، مشيرة إلى أن الدول الأعضاء ستناقش في اجتماع المجلس التنفيذي الشهر المقبل كيفية التعامل مع انسحاب أكبر ممول للمنظمة.
وكانت الولايات المتحدة تساهم بنحو 18% من إجمالي تمويل المنظمة، ما تسبب انسحابها في أزمة حادة بميزانيتها، دفعتها إلى تقليص فريق الإدارة بنحو النصف، والتخطيط للاستغناء عن نحو ربع العاملين بحلول منتصف العام الجاري.
ورغم ذلك، قالت المنظمة إنها واصلت تبادل المعلومات مع الولايات المتحدة خلال العام الماضي، دون وضوح بشأن مستقبل هذا التعاون بعد الانسحاب الكامل.
وعلى مدار العام الماضي، حث خبراء الصحة العالمية إدارة ترامب على إعادة النظر في القرار. وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، في مؤتمر صحفي سابق هذا الشهر، "آمل أن تعيد الولايات المتحدة النظر وتعود إلى منظمة الصحة العالمية.. الانسحاب خسارة للولايات المتحدة وخسارة لبقية العالم".
من جانبه، اعتبر خبير قانون الصحة العامة بجامعة جورج تاون، لورانس جوستن، أن الخطوة ستُضعف الاستجابة العالمية لتفشي الأمراض الجديدة، وتُقيّد قدرة العلماء وشركات الأدوية الأمريكية على تطوير لقاحات وأدوية، واصفًا القرار بأنه "أسوأ قرار رئاسي" شهده في حياته.
ويقر مسؤولون في إدارة ترامب بأن بعض القضايا لا تزال عالقة، من بينها فقدان الوصول إلى بيانات صحية من دول أخرى، كانت تتيح لواشنطن إنذارًا مبكرًا بشأن أي أوبئة محتملة.
وأوائل الشهر الجاري، قال ترامب إن الولايات المتحدة ستنسحب من عشرات المنظمات الدولية والهيئات التابعة للأمم المتحدة، بما في ذلك معاهدة مناخية رئيسية وهيئة تابعة للأمم المتحدة تعنى بتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، لأنها "تتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية".
وتعكس خطوات ترامب توجهاته تجاه مؤسسات الأمم المتحدة، إذ شكك مرارًا في جدوى الهيئات الدولية وتكلفتها ومساءلتها ويرى أنها لا تخدم عادة مصالح الولايات المتحدة، في وقت أعلن فيه تشكيل ما سماه "مجلس السلام العالمي" الذي قال إن هدفه "إدارة النزاعات الدولية ومنع الحروب عبر مسارات بديلة للأمم المتحدة، تقوم على التفاوض المباشر، والصفقات السياسية، والضغط الاقتصادي، بدل الآليات متعددة الأطراف التقليدية".