مع اتساع الصراع في الشرق الأوسط جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ودخول حزب الله على خط المواجهة الأسبوع الماضي، يعود السؤال القديم إلى الواجهة مجددًا داخل لبنان؛ ما موقع حزب الله في هذه الحرب؟ وماذا عن سلاحه داخل الدولة؟
فالحزب الذي نشأ عام 1982 في خضم الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وتمكن خلال العقود التالية من تثبيت نفسه كقوة عسكرية وسياسية مؤثرة، يجد نفسه اليوم أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ تصعيد إقليمي متسارع، وضربات أمنية متلاحقة، إلى جانب انقسام لبناني داخلي متجدد حول دوره وسلاحه.
مصدر قيادي في حزب الله قال لـ المنصة إن مسيرة الحزب منذ تأسيسه لم تحظَ يومًا بإجماع داخلي كامل، موضحًا أن "المقاومة في بداياتها واجهت رفضًا داخليًا وخيارات تطبيعية، ولم يكن الالتفاف الشعبي حولها واسعًا كما أصبح لاحقًا".
من المقاومة إلى قوة إقليمية
حسب المصدر الذي طلب عدم نشر اسمه، واجه الحزب خلال تسعينيات القرن الماضي محطات حساسة كادت تدخل لبنان في صدام داخلي. ويستعيد حادثة جسر المطار عام 1993 عندما أطلق الجيش اللبناني النار على متظاهرين من جمهور الحزب احتجاجًا على اتفاق أوسلو، ما أدى إلى سقوط قتلى.
ويقول إن قيادة الحزب آنذاك حاولت احتواء الأزمة، إذ دعا الأمين العام للحزب حينها حسن نصر الله إلى "الصبر وعدم الانجرار إلى الفتنة".
يؤكد المصدر أنه مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 سعى الحزب إلى طمأنة اللبنانيين، خصوصًا في القرى التي تعاون بعض سكانها مع الاحتلال، مضيفًا أن "المقاومة سلّمت الملف الأمني للدولة ولم تتولَّ إدارة الأمن بنفسها".
لكن حرب يوليو/تموز 2006 شكلت، وفق المصدر، نقطة التحول الأبرز في علاقة الحزب بإسرائيل، إذ كرّست ما يسميه الحزب "معادلة الردع"، وهو ما انعكس في سنوات من الهدوء النسبي على الحدود الجنوبية حتى عام 2023.
حرب غزة تفتح جبهة لبنان
مع اندلاع الحرب في غزة عقب عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، فتح حزب الله جبهة الجنوب اللبناني في اليوم التالي، مستهدفًا "تشتيت الجهد العسكري الإسرائيلي وتخفيف الضغط عن غزة"، مع محاولة إبقاء المواجهة دون مستوى الحرب الشاملة "مراعاة للوضع الداخلي اللبناني"، حسب المصدر.
لكن هذه المرحلة كشفت أيضًا، حسب المصدر، عن اختراقات أمنية كبيرة داخل الحزب، مع اغتيال عدد من قادته نتيجة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي.
ويشير المصدر إلى أن تلك الاختراقات أدت إلى ضربات كبيرة، بينها "مجزرة أجهزة البيجر" في سبتمبر/أيلول 2024، إضافة إلى قصف اجتماع لقيادة قوة الرضوان في الضاحية الجنوبية لبيروت.
مع تصاعد المواجهة، تحولت الجبهة الجنوبية إلى حرب مفتوحة استمرت أسابيع. وحسب المصدر حاولت القوات الإسرائيلية التوغل بريًا في الجنوب لكنها واجهت "مقاومة عنيفة".
ويقول إن القوات الإسرائيلية بقيت "66 يومًا على تخوم القرى الجنوبية رغم حشد سبع فرق عسكرية"، قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وقّعته الدولة اللبنانية ووافق عليه الحزب.
لكن القصف والاغتيالات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية استمرت رغم الاتفاق، إذ رصدت قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أكثر من عشرة آلاف خرق إسرائيلي للاتفاق، كما سجّلت وزارة الصحة اللبنانية نحو 634 سقطوا جرّاء الهجمات الإسرائيلية وأكثر من 1586 آخرين.
في المقابل يؤكد المصدر أن الحزب التزم ببنود الاتفاق وتعاون مع الجيش اللبناني الذي انتشر بكثافة في الجنوب، مضيفًا أن الحزب "سلّم مخازن السلاح التي يُعثر عليها للجيش".
سلاح الحزب.. الخلاف الذي لا ينتهي
رغم ذلك تبقى قضية سلاح حزب الله النقطة الأكثر حساسية في الداخل اللبناني، فبينما يرى الحزب أن سلاحه جزء من منظومة الدفاع عن البلاد في مواجهة إسرائيل، تطالب قوى سياسية لبنانية بحصر السلاح في يد الدولة.
في الضاحية الجنوبية لبيروت يقول كريم، وهو اسم مستعار لشاب لبناني في العشرينات من عمره، إن الحزب بالنسبة له يمثل "خط الدفاع الأول عن لبنان"، مضيفًا أن تسليم سلاحه "سيعني تقديم جنوب لبنان لإسرائيل على طبق من فضة".
وأوضح كريم لـ المنصة، الكثيرون من سكان الضاحية "لا يثقون بأن الجيش اللبناني قادر وحده على مواجهة إسرائيل".
في المقابل، ترى ليلى، وهو اسم مستعار لشابة تعيش في بيروت، إن استمرار وجود سلاح خارج مؤسسات الدولة يهدد استقرار البلاد، معتبرة خلال حديث لـ المنصة أن "حصر السلاح بيد الدولة هو الضمانة الوحيدة لمنع تكرار الحروب الأهلية".
ومطلع مارس/آذار الجاري، دخل حزب الله على خط المواجهة المباشرة مع إسرائيل مجددًا، وأطلق صواريخ ومسيّرات باتجاه مواقع عسكرية داخل الأراضي المحتلة، قال إنها جاءت إسنادًا لإيران وثأرًا لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو ما رد عليه جيش الاحتلال بسلسلة غارات جوية واسعة على لبنان.
وكان الهجوم هو الأول الذي يشنه حزب الله على إسرائيل منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، رغم استمرار الخروقات الإسرائيلية بالضربات المتتابعة في لبنان بداعي "قصف إرهابي حزب الله".