انتقد تقرير حقوقي حديث صادر عن الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، ما وصفه بـ"التوسع الخطير" في تطبيق عقوبة الإعدام داخل التشريعات المصرية؛ إذ رصد التقرير وجود 105 تهم تستوجب الإعدام، تتوزع على 85 مادة في 10 قوانين مختلفة، تشمل القوانين المدنية والعسكرية على حد سواء.
كما انتقد التقرير، الصادر أمس الاثنين، بعنوان "لماذا نطالب بإلغاء عقوبة الإعدام في مصر؟"، إصرار السلطات على التمسك بالعقوبة القصوى في ظل واقع حقوقي متدهور، مشيرًا إلى أن مصر احتلت المرتبة الثالثة عالميًا في تنفيذ أحكام الإعدام عام 2020 بعد الصين وإيران وهو ما اعتبره التقرير "يثير مخاوف جدية حول الحق في الحياة في ظل عوار منظومة العدالة".
وفي تقريرها السنوي الأخير، الصادر الشهر الماضي، نوهت منظمة العفو الدولية إلى تضاعف وتيرة تنفيذ الإعدام تقريبًا في مصر خلال عام 2025 بتسجيل 23 حالة مقابل 13 في العام السابق، بالتوازي مع قفزة بنسبة 35% في عدد الأحكام الصادرة التي بلغت 492 حكمًا، مشيرًا إلى استمرار صدور هذه الأحكام عبر محاكمات جماعية وقضايا إرهاب "لا تستوفي المعايير الدولية للعدالة"، ما جعل مصر ضمن 17 دولة فقط عالميًا، وواحدة من 7 دول عربية و3 إفريقية لا تزال تتمسك بتنفيذ العقوبة القصوى.
وإزاء ذلك، أكد تقرير الجبهة المصرية أن خطورة الوضع القانوني لعقوبة الإعدام في مصر، تكمن في ورودها في نصوص تشريعية "فضفاضة" تتجاوز الجنايات التقليدية لتشمل طيفًا واسعًا من الجرائم السياسية.
ووفقًا لرصد تشريعي تضمنه تقرير الجبهة المصرية، يتصدر قانون العقوبات قائمة التشريعات التي تقر عقوبة الإعدام بورودها في 42 مادة من مواده، يليه قانون القضاء العسكري بـ17 مادة "أصبحت تُطبق بشكل متزايد على المدنيين" حسب التقرير.
وأظهر الرصد التشريعي أيضًا، ورود عقوبة الإعدام في 12 مادة بقانون مكافحة الإرهاب، وهو ما انتقده التقرير مؤكدًا أنه "يساوي في عقوبة الإعدام بين ارتكاب الجريمة وبين مجرد التحريض أو الشروع فيها"، معتبرًا أن ذلك الوضع التشريعي تسبب في صدور أحكام إعدام جماعية تفتقر للتدقيق في المسؤولية الفردية لكل متهم، واصفًا الأمر بـ"تسييس العدالة تحت غطاء ما يُسمى العدالة الناجزة".
وشملت قائمة التشريعات التي تتضمن عقوبة الإعدام، قوانين مكافحة المخدرات "4 مواد"، الأسلحة والذخائر، الطيران المدني، وحتى قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية.
ولم ينكر التقرير وجود ضمانات قانونية تسبق وتلحق صدور أحكام الأعدام، منها ما أقره القانون من إلزامية لصدور حكم الإعدام بإجماع آراء القضاة أعضاء الدائرة، فضلًا عن ضمانة عرض الحكم على مفتي الجمهورية لاستطلاع رأيه الشرعي في تطبيق العقوبة، ثم ما يقره القانون من إلزام للنيابة العامة بعرض أحكام الإعدام مباشرة على محكمة النقض.
لكن التقرير، أكد أن هذه الضمانات تحولت في كثير من الأحيان إلى "إجراءات شكلية"، مشيرًا إلى أن ضمانة "إجماع آراء القضاة" تظل حبيسة مدونات الأحكام دون وسيلة للتأكد من موافقة أعضاء الدائرة كتابيًا.
وتابع "بينما تحوّل دور مفتي الجمهورية إلى إجراء بروتوكولي محكوم بمهلة زمنية ضيقة لا تتجاوز عشرة أيام، وهي مدة لا تكفي فنيًا لمراجعة دفوع المتهمين في قضايا معقدة تضم مئات الأوراق".
ونوه التقرير إلى أن الانتهاكات التي أفرزها تطبيق عقوبة الإعدام امتدت لتشمل ما وصفه بـ"قسوة التنفيذ ومخالفة الضوابط الإنسانية في الأيام الأخيرة للمحكومين"؛ حيث وثقت الجبهة استمرار نهج "سرية التنفيذ" وحرمان الأهالي من حق الزيارة الأخيرة المنصوص عليه قانونًا، وصدمهم لاحقًا باتصالات تطلب منهم استلام الجثامين من المشرحة.
كما توقف التقرير أمام واقعة إعدام 9 أشخاص في نهار شهر رمضان عام 2021، معتبرًا ذلك خرقًا صريحًا للمادة 69 من قانون تنظيم السجون التي تحظر التنفيذ في الأعياد والمناسبات الدينية، فضلًا عن رصد حالات لإعدام قاصرين تم تقدير أعمارهم أمنيًا بشكل خاطئ أو احتساب السن من تاريخ القبض بدلًا من وقت وقوع الجريمة.
وردًا على ما قد تواجهه فكرة إلغاء عقوبة الإعدام من رفض مجتمعي مرتبط بالتخوف من تقليص الردع، قال المدير التنفيذي للجبهة المصرية لحقوق الإنسان أحمد عطا الله، إن هناك قطاعات مجتمعية واسعة متمسكة بالعقوبة وتراها الأداة الوحيدة لتحقيق القصاص "ده حقيقي فيه قطاعات بتعتبر إن الإعدام بيحقق الردع، وبتحيله لفكرة (مَن قتل يُقتل)"، لكنه يؤكد أن الواقع الاجتماعي يثبت أن هذه الجرائم لا تتراجع، خاصة تلك المرتبطة بضغوط اقتصادية أو ما يُعرف بـ"جرائم الشرف".
وأوضح عطا الله، في تصريحات لـ المنصة، أن أزمة تطبيق عقوبة الإعدام في مصر تكمن أيضًا في افتقاره لوحدة المعايير "الموضوع مش مسطرة واحدة، إذ يظهر تباين واضح بين المحافظات، ففي المناطق ذات الطابع المحافظ يميل القضاة للتوسع في أحكام الإعدام خاصة في قضايا الشرف، على عكس مناطق أخرى قد لا تنتهي فيها نفس الجريمة بذات الحكم.
وحذر من خطورة ترك مصير "الحق في الحياة" خاضعًا بالكامل للسلطة التقديرية للقضاة وتوجهاتهم الشخصية.
وانتقل عطا الله للحديث عن الإشكالية التشريعية، مؤكدًا أن الأزمة في مصر تتجاوز جرائم القتل التقليدية لتشمل ترسانة من القوانين الفضفاضة "إحنا بنتكلم عن أكتر من 100 مادة قانونية بتتيح الإعدام على أفعال مختلفة، وبعضها قوانين ليها خلفيات سياسية واضحة"، معتبرًا أن هذا التوسع التشريعي يقلص من جدوى الضمانات القانونية المتاحة للمتهمين ويجعل العقوبة أداة للتنكيل في بعض السياقات.
وأكد أن مطلب المنظمات الحقوقية الحالي يتسم بالمرحلية "فبعيدًا عن المطلب العالمي بإلغاء العقوبة تمامًا، تركز الجبهة على ضرورة تعليق تنفيذ العقوبة مؤقتًا"، داعيًا إلى فتح حوار مجتمعي حقيقي تشارك فيه كافة المكونات، وفي مقدمتها المجتمع الحقوقي المستقل، للوصول إلى"أطر تشريعية أكثر تقدمية" توازن بين العدالة وبين الحفاظ على الحقوق الأساسية للإنسان.
وفي هذا السياق، طالب التقرير بضرورة فتح نقاش علني وشفاف بمشاركة المجتمع المدني لتسمية الجرائم "الأشد خطورة" بدقة واستبعاد ما دونها، مع ضرورة تعليق تنفيذ الأحكام الصادرة بالفعل في القضايا التي شابتها عيوب جوهرية في إجراءات المحاكمة، وصولًا إلى تعليق العمل بالعقوبة بشكل مؤقت كخطوة انتقالية نحو إلغائها أو قصرها على أضيق الحدود تماشيًا مع الاتجاهات العالمية المعاصرة.