أثارت شهادة علنية نشرتها مُخرجة أفلام تسجيلية وطبيبة سابقة قضت فترة تكليفها بقسم النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية، موجة من الغضب على السوشيال ميديا، بعدما كشفت عن وقائع وصفتها بـ"الانتهاكات الممنهجة" ضد النساء، شملت التحرش بالمريضات أثناء الولادة، والاعتداء البدني، والامتناع عن تقديم الرعاية الطبية الطارئة لأسباب أخلاقية واجتماعية.
وفيما تداولت حسابات الشهادة التي وصفت المكان بـ"الموبوء"، ردت النقابة العامة للأطباء ببيان طالبت فيه بـ"تحويل الادعاءات إلى شكاوى رسمية"، محذرة في الوقت ذاته مما اعتبرته "مساسًا بمجهودات الأطباء أو التعميم".
ونقلت المخرجة والطبيبة السابقة أمنية سويدان، في شهادتها وقائع مأساوية لما يحدث داخل أروقة المستشفى الجامعي العريق، مستشهدة بأربعة مواقف قالت إنها "لن تُمحى من ذاكرتها".
وتضمنت شهادة أمنية سويدان، التي تخرجت في كلية الطب عام 2020 ثم اتجهت إلى صناعة الأفلام، اتهامًا مباشرًا لأحد الأطباء بالتحرش الجنسي بـ"فتاة في التاسعة عشرة من عمرها" لدى صراخها خلال عملية ولادة لأول مرة، من خلال فحصه عنق الرحم بطريقة تضمنت إيذاءً وعنفًا جسديًا بذريعة "تأديبها على الصراخ"، وسط ضحك طاقم التمريض.
كما أشارت إلى واقعة أخرى لاعتداء طبيب بـ"الصفع" على وجه امرأة أخرى أثناء الولادة، وتعدي ممرضة لفظيًا عليها، مؤكدة أنها لدى صدمتها وزميلتها من الموقف "خدنا تريقة من الدكتور والممرضة إن ياعيني كتاكيت وقلبها خفيف".
وامتدت الاتهامات لتشمل "الامتناع العمدي" عن علاج حالة تعرضت لمحاولة اغتصاب ووصلت للمستشفى بتهتك في الرحم ونزيف، بدعوى أن هيئتها الواضحة من "لبسها والسجاير اللي معاها" تؤكد أنها لا تستحق المساعدة، فضلًا عن رفض التعامل مع حالة إجهاض غير مكتمل لامرأة معنفة بدعوى غياب "قسيمة الزواج".
ولفتت أمنية سويدان إلى أن هذه الحالة الأخيرة كانت مهددة بأن "يحصلها تسمم حمل والبهوات رافضين يقدمولها خدمة طبية لحد ما تبعت حد يجيب قسيمة جواز لولا إني دخلتها على مسؤوليتي الشخصية وعملتلها التذكرة اللي اتطلب إن يتكتب عليها جملة مهينة (اشتباه حمل سفاح)".
ولم تقتصر الشهادة على الحالات الفردية، بل تطرقت إلى ما يُعرف بـ"العنف التوليدي" الممنهج، مثل إجراء شق العجان، وهو الإجراء الطبي الذي يتم اللجوء إليه أثناء الولادة الطبيعية بهدف توسيع فتحة المهبل لتسهيل مرور رأس الطفل ويتم خلاله عمل قطع جرحي في النسيج العضلي الممتد بين فتحة المهبل وفتحة الشرج، فضلًا عما يسمى بغرزة الزوج وهو الإجراء الذي يتم خلاله تضييق فتحة المهبل.
وأوردت ضمن الانتهاكات أيضًا ممارسات الضغط بالكوع على رحم الأم "لتحفيز نزول المشيمة بعد الولادة عشان معندناش وقت نستنى 20 دقيقة لحد ما تنزل طبيعي أو عالأقل ندي أوكسيتوسين".
كما اتهمت الطبيبة بعض الكوادر الطبية بإجراء عمليات قيصرية غير ضرورية لتحقيق عوائد مادية "عشان نلم أقساط شاليه العلمين" أو إجبار حالات على الولادة الطبيعية في ظروف لا تسمح بذلك، بالإضافة إلى الامتناع عن إدخال حالات حرجة للعناية المركزة إلا بموافقة كتابية من "الزوج أو الأب أو الأخ"، ورفض الاعتداد بموافقة الأم.
من جانبها، أصدرت نقابة الأطباء بيانًا أكدت فيه متابعتها لما أثير، مشددة على أن "التعامل مع أي ادعاءات يجب أن يكون عبر القنوات الرسمية المختصة". وأوضحت النقابة أنها لم تتلقَ حتى اللحظة أي شكوى موثقة بشأن هذه الوقائع، داعية الطبيبة أو المتضررين للتوجه إلى النقابة أو إدارة جامعة الإسكندرية أو النيابة العامة.
ورغم تأكيد النقابة على محاسبة أي مقصر يثبت تجاوزه بـ"حزم وشفافية"، إلا أنها أبدت رفضها القاطع لـ"التشكيك في دور الأطباء المصريين"، معتبرة أن المستشفيات الجامعية تؤدي دورًا محوريًا في علاج الملايين. وحذر البيان من "التعميم" الذي قد يسيء لجهود آلاف الأطباء الذين يعملون في ظل تحديات كبيرة.
وتأتي هذه الشهادة في غضون أزمة شهدها المستشفى مؤخرًا على خلفية قرار إداري مثير للجدل منع أطباء الامتياز من دخول غرف العمليات والطوارئ، وهو ما فجّر موجة غضب واسعة بين الأطباء الذين اعتبروا القرار "هدمًا لرسالة المستشفى التعليمي" وتكريسًا لتردي الأوضاع داخل المرفق الجامعي، وهو ما دفع إدارة المستشفى لاحقًا إلى التراجع عن القرار واستحداث معايير تنظيمية جديدة تسمح بتواجد أطباء الامتياز داخل غرف العمليات.
وإلى ذلك، طالبت مبادرة "رعاية طبيّة آمنة للنساء" الجهات الرسمية بالتحقيق في الوقائع الواردة بشهادة المخرجة والطبيبة أمنية سويدان، وإعلان نتائجها للرأي العام، مشددة على أن هذه الادعاءات تعكس "حاجة ملحة لإقرار تشريع يجرّم العنف التوليدي بكافة أشكاله".
ودعت المبادرة، التابعة لمؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، إلى ضرورة تعميم "مدونة السلوك المهني" داخل كل المنشآت الصحية لضمان حماية خصوصية المريضات ومنع الوصم أو التمييز بحقهن، مع تفعيل آليات رقابية وتدريبية تضمن تقديم رعاية صحية تحفظ الكرامة الإنسانية وتنهي سياسة الإفلات من العقاب في التجاوزات المهنية المرتكبة ضد النساء أثناء الحمل والولادة.