السيسي وترامب
-

نص كلمة السيسي في القمة العربية الإسلامية الأمريكية 21/5/2017

منشور الخميس 25 مايو 2017

بسم الله الرحمن الرحيم..

أخي صاحب الجلالة الملك سلمان بن عبد العزيز، خادم الحرمين الشريفين، وعاهل المملكة العربية السعودية الشقيقة. فخامة الرئيس دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،

اسمحوا لي في البداية أن أنقل إليكم تحية من مصر بمسلميها وأقباطها وحضارتها الممتدة عبر آلاف السنين. وأرضها التي كانت ملتقى للإسلام والمسيحية واليهودية. وإسهاماتها البارزة في تاريخ الإنسانية والعلم، حتى أصبحت رمزًا من رموز الاعتدال والوسطية والتنوير.

إن إجتماعنا اليوم فضلًا عن أهميته السياسية يحمل قيمة رمزية غير خافية على أحد، إذ يعكس عزمنا الأكيد على تجديد الشراكة بين الدول العربية والإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية؛ قاطعًا بذلك الطريق على أوهام دعاة صراع الحضارات، الذين لا يتصورون العلاقة بين الشعوب إلا كصراع يقضي فيه طرف على الآخر، ويعجزون عن إدراك المغزى الحقيقي لتنوع الحضارات والثقافات وما يتيح ذلك من إثراء للحياة وللتجربة الإنسانية من خلال إعلاء قيم التعاون والتسامح وقبول الآخر واحترام حقه في الاختلاف.

ولعلكم تتفقون معي في وجود مصلحة أكيدة لنا جميعًا في ترسيخ هذه القيم الإنسانية، كما أن لنا أيضًا دورًا أساسيًا في التصدي لمسببات الشقاق والصراع والتطرف. وأقصد تحديدًا خطر الإرهاب، الذي بات يمثل تهديدًا جسيمًا لشعوب العالم أجمع.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو..

إن مواجهة خطر الإرهاب واستئصاله من جذوره، يتطلب إلى جانب الإجراءات الأمنية والعسكرية، مقاربة شاملة تتضمن الأبعاد السياسية والأيديولوجية والتنموية، وهنا يكون السؤال الحقيقي الذي يحتاج لمعالجة جادة وصريحة، هو كيف يمكن تفعيل هذه المقاربة الشاملة على أرض الواقع ووفقًا لأي أساس؟

ولتسمحوا لي هنا أن أطرح أربعة عناصر ضرورية في ذلك السياق.

أولًا: إن الحديث عن التصدي للإرهاب على نحو شامل يعني مواجهة جميع التنظيمات الإرهابية دون تمييز. فلا مجال لاختزال المواجهة في تنظيم أو اثنين. فالتنظيمات الإرهابية تنشط عبر شبكة سرطانية تجمعها روابط متعددة في معظم أنحاء العالم تشمل الأيدولوجية والتمويل والتنسيق العسكري والمعلوماتي والأمني. ومن هنا، فلا مجال لاختصار المواجهة في مسرح عليات واحد دون آخر، وإنما يقتضي النجاح في استئصال خطر الإرهاب، أن نواجه جميع التنظيمات الإرهابية بشكل شامل ومتزامن على جميع الجبهات.

وفي هذا السياق، تعلمون جميعًا أن مصر تخوض يوميًا حربًا ضروسًا ضد التنظيمات الإرهابية في شمال سيناء. نحقق فيه انتصارات مستمرة وتقدمًا مضطردًا. نحرص على ضبط وتيرته ونطاقه، بحيث يتم استئصال الإرهاب بأقل خسائر ممكنة، مع الحفاظ على أرواح المدنيين من أبناء شعبنا العظيم.

إن معركتنا هي جزء من الحرب العالمية ضد الإرهاب. ونحن ملتزمون بهزيمة التنظيمات الإرهابية. وحريصون على مد يد العون والشراكة لكل حلفائنا في المعركة ضد تل التنظيمات في كل مكان.

العنصر الثاني، هو أن المواجهة الشاملة مع الإرهاب، تعني بالضرورة مواجهة كافة أبعاد ظاهرة الإرهاب فيم يتصل بالتمويل والتسليح والدعم السياسي والأيديولوجي. فالإرهابي ليس فقط من يحمل السلاح، وإنما أيضًا من يدربه ويموله ويسلحه، ويوفر له الغطاء السياسي والأيديولوجي.

ودعوني أتحدث بصراحة وأسأل أين تتوفر الملاذات الآمنة للتنظيمات الإرهابية لتدريب المقاتلين، ومعالجة المصابين منهم، وإجراء الإحلال والتبديل لعتادهم ومقاتليهم؟ من الذي يشتري منهم الموارد الطبيعية التي يسيطرون عليها؟ كالبترول مثلًا. من الذي يتواطأ معهم عبر تجارة الآثار والمخدرات؟ ومن أين يحصلون على التبرعات المالية؟ وكيف يتوفر لهم الوجود الإعلامي عبر وسائل إعلام، ارتضت أن تتحول لأبواق دعائية للتنظيمات الإرهابية؟

إن كل من يقوم بذلك هو شريك أصيل في الإرهاب. فهناك بكل أسف دول تورطت في دعم وتمويل المنظمات الإرهابية، وتوفير الملاذات الآمنة لهم. كما أن هناك دولًا تأبى أن تقدم ما لديها من معلومات وقواعد بيانات عن المقاتلين الإرهابيين الأجانب، حتى مع الإنتربول.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،

ثالث عناصر الرؤية المصرية لمواجهة الإرهاب، هي القضاء على قدرة تنظيماته على تجنيد مقاتلين جدد، من خلال مواجهته بشكل شامل على المستويين الأيديولوجي والفكري. فالمعركة ضد الإرهاب هي معركة فكرية بامتياز، والمواجهة الناجحة للتنظيمات الإرهابية، بحيث يجب أن تتضمن شل قدرتها على التجنيد واجتذاب المتعاطفين بتفسيرات مشوهة لتعاليم الأديان، تخرجها عن مقاصدها السمحة، وتنحرف بها لتحقيق أغراض سياسية.

ولعلكم جميعًا تذكرون، أنني طرحت منذ عامين مبادرة لتصويب الخطاب الديني، بحيث يفضي ذلك لثورة فكرة شاملة، تظهر الجوهر الأصيل للدين الإسلامي السمح، وتواجه محاولات اختطاف الدين ومصادرته لصالح تفسيرات خاطئة، وذرائع لتبرير جرائم لا مكان لها في عقيدتنا وتعاليم ديننا.

إنني أتابع تنفيذ هذه المبادرة مع المؤسسات الدينية العريقة في مصر، وعلى رأسها الأزهر الشريف، بما يمثله من مرجعية للإسلام الوسطي المعتدل. وبالتعاون مع قادة الفكر والرأي في العالمين العربي والإسلامي واثقًا أن هذا الجانب لا يقل أهمية عن المواجهة الميدانية لاستئصال التنظيمات الإرهابية.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،

أخيرًا، وليس آخرًا، لا مفر من الاعتراف بأن الشرط الضروري الذي يوفر البيئة الحاضنة للتنظيمات الإرهابية، هو تفكك وزعزعة استقرار مؤسسات الدولة الوطنية في منطقتنا العربية.

وليس بخافٍ عليكم أننا واجهنا في الأعوام الأخيرة محاولات ممنهجة وممولة تمويلًا واسعًا لتفكيك مؤسسات دولنا، وإغراق المنطقة في فراغ مدمر، وفر البيئة المثالية لظهور التنظيمات الإرهابية واستنزاف شعوبنا في صراعات طائفية وعرقية.

إن ملء الفراغ الذي ينمو وينتشر فيه الإرهاب، يستلزم بذل كل الجهد، من أجل استعادة وتعزيز وحدة واستقلال وكفاءة مؤسسات الدولة الوطنية في العالم العربي. بما في ذلك تلبية تطلعات وإرادة الشعوب نحو النهوض بالدولة، من خلال تكريس مسيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والوفاء بمعايير الحكم الرشيد، واحترام حقوق الإنسان، وترسيخ مفاهيم دولة القانون، والمواطنة، واحترام المرأة، وتمكين الشباب.

وخلال السنوات القليلة الماضية قدمت مصر نموذجًا تاريخيًا لاستعادة مؤسسات دولتها الوطنية بشكل سلمي وحضاري عن طريق تفعيل الإرادة الشعبية الجارفة، التي رفضت جميع محاولات اختطاف الدولة المصرية العريقة. وتجريف هويتها الوطنية التي تشكلت على مدار زمان طويل، بطول تاريخ مصر الراسخ في الزمن.

ويستمر الشعب المصري بعد استعادته لدولته في بناء وزيادة كفاءة مؤسساته الوطنية متقدمًا يومًا بعد يوم، على مسار الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

كما تدّعم مصر بكل قواها كافة الجهود الرامية لتسوية أزمات المنطقة، بما يحافظ على وحدة وسيادة الدول الوطنية وسلامتها الإقليمية، وحمايتها من قوى التطرف والتشرذم الطائفي. وترفض رفضًا قاطعًا كل محاولات التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية والإسلامية، أو إزكاء وتأجيج الفتن الطائفية التي تمثل البيئة الخصبة لنمو الإرهاب، وانهيار الدولة الوطنية.

ودعوني أصارحكم بأن جهودنا في مكافحة الإرهاب والقضاء عليه، لا يمكن أن يكتب لها النجاح وتصبح واقعًا ملموسًا، إلا من خلال تسوية القضية الفلسطينية، عن طريق حل عادل وشامل ونهائي، على أساس مبدأ حل الدولتين ومرجعيات الشرعية الدولية ذات الصلة، بما يوفر واقعًا جديدًا لكافة شعوب المنطقة، تنعم فيه بالازدهار والسلام والأمان، فضلًا عن هدم أحد الأسانيد التي يعتمد عليها الإرهاب في تبرير جرائمه البشعة.

اقرأ أيضًا: وعود وإنجازات بلا تفاصيل مزعجة.. ما قرأناه في حوار الرئيس للصحف القومية (1)

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،

لقد أردت أن أشارككم العناصر الأربعة التي تقوم عليها رؤية مصر لدحر الإرهاب، إيمانًا بأنه الخطر الأكبر الذي يواجهنا جميعًا، وبأن المواجهة الشاملة معه على أساس المحاور الأربعة التي ذكرتها يجب أن تمثل أساسًا لمرحلة جديدة من التعاون بين دولنا وشعوبنا.

ويطيبُ لي أن اعرب عن تقديري، للرؤية الثاقبة للرئيس ترامب، الذي طرح منذ بداية ولايته سياسة صارمة إزاء التعامل مع التحديات الإرهابية، وأكدها أمامنا اليوم.

ولا يخالجني أدنى شك في أن الولايات المتحدة قادرة على المساهمة في إحداث النقلة النوعية المطلوبة دوليًا فيما يتصل بتنفيذ الاستراتيجية الشاملة التي تناولت عناصرها اليوم. بحيث يتم صياغة خطة عمل واضحة بإطار زمني محدد، تجتث الإرهاب من جذوره، تمويلًا وتسليحًا. وتحرم شبكاته من ملاذاتها الآمنة بما في ذلك من خلال التصدي الفعال للتيارات التي تحاول أن تختبئ، وتسوق نفسها ككيانات سياسية. وما هي إلا الحاضنة الطبيعية للإرهابيين، وللتغلغل في المجتمعات، ليتثنى لها استغلال الفرصة المواتية للانقضاض على الإرادة الشعبية، وممارسة سياساتها الإقصائية المتطرفة.

إن مصر كانت رائدة دائمًا في السلام، والانفتاح على مختلف الشعوب والثقافات. وسيبقى الشعب المصري دائمًا سبَّاقًا في مد يد التعاون والتواصل لجميع الأصدقاء والشركاء في المنطقة والعالم بأسره.

وفقنا الله جميعًا لما فيه خير شعوبنا،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وشكرًا.