من ضابط الجمارك إلى تطبيق Gemini
الصحافة المستقلة في براثن القمع الحكومي ووعود وقيود الإنترنت والذكاء الاصطناعي
أوقفني ضابط الجمارك في مطار القاهرة لأني أحمل جهاز فاكس. "يا أستاذ، ما ينفعش، لازم تصريح من الأمن". عاد الفاكس معي لواشنطن حيث كنت أعمل ولم يصل لهدفه سوى بعد شهور، عندما اصطحبه صديق أكثر مهارة مني في التعامل مع السلطات، وأوصله لصحفي زميل في القاهرة. جرى كل ذلك قبل ثلاثين عامًا.
بالنسبة لنا كصحفيين ومهتمين بالمعرفة في بلادنا، كانت تحدياتنا آنذاك من أجل الحصول على المعلومات والتقارير بسرعة ودقة تحديات معظمها سياسية ثم تقنية ثم أخلاقية، ذلك لو تمكنّا من العمل في مؤسسات تمنحنا الحد الأدنى المعقول من الأجور وتحلينا بحدٍ أدنى من الشجاعة والإيمان بمبادئ مهنية واضحة.
وعندما بدأ الإنترنت ينتشر بقوة وبسرعة في أواخر التسعينيات، تحسنت قدراتنا على الاتصال وتتبع المعلومات، وتغير العالم بسرعة ونما الأمل في أن العصر الرقمي سيفتح بابًا جديدًا واسعًا لحرية واستقلال الإعلام.
حلمنا أن التقدم التقني سيخفف بشدة قبضة القمع السياسي وتحكمات رأس المال. لم تعد هناك حاجة لبنية تحتية للطباعة الورقية أو لإقامة أبراج إرسال ضخمة، إذ صار ممكنًا أن يتلقى المستمعون بثًا إذاعيًا أو يقرأون تحقيقات صحفية من أي مكان في العالم.
كانت هذه قفزة حقيقية وأهم بكثير من الانفتاح الإعلامي الذي حدث مع ظهور محطات تليفزيونات الأقمار الاصطناعية من الجزيرة وأخواتها، إذ إن هذه التليفزيونات كانت تتحدى قرارات الحكومات في الرياض والقاهرة وتصل من واشنطن والدوحة حتى بيوت شبرا، ولكنها كانت تستلزم استثمارات ضخمة للغاية تقف وراءها حكومات أخرى لها أغراض سياسية.
وصل الأمل لذروته في سنوات الربيع العربي 2010-2012 عندما صارت منصات السوشيال ميديا الشعبية مثل فيسبوك وتويتر وغيرها ساحات للحشد والتأييد والتنظيم وتبادل المعلومات المفتوحة والنشر الإعلامي. ولم تعد الحكومات قادرة على إيقاف بث الإنترنت رغم أنها تفعل هذا أحيانًا في حالات الطوارئ السياسية الضخمة متحملة النتائج متزايدة التكلفة مع الوقت لقطع الشبكات حيث تتوقف المصارف ويصيب شبه شلل قطاعات خدمية واسعة، بل والعديد من الأنشطة الحكومية ذاتها.
من الحشد إلى الحجب
سرعان ما استعادت الحكومات القمعية في منطقتنا المنكوبة بعض أدوات الضغط، عن طريق ملاحقة من ينشرون على الإنترنت سواء بحجب مواقعهم ذاتها أو باعتقال ومعاقبة من يشاركون آراءهم كتابة أو تصويرًا أو صوتًا على السوشيال ميديا، وفق قوانين مطاطة تفتقر لقواعد المشروعية، إذا رأى رجال الأمن أنهم يمثلون خطرًا سياسيًا، أو "أخلاقيًّا". ومع هذا استمر الإنترنت منفذًا هائلًا للصحفيين والصحافة المستقلة.
مرور القراء والمتابعين مباشرة على المواقع يقل لصالح السوشيال ميديا وصفحات البحث
لكن شركات الإنترنت الكبرى في السنوات القليلة الماضية انضمت بشكل غير مباشر لهذه الحكومات في وضع قيود وتنظيمات للصحافة والإعلام المستقل أفقدتها بعضًا من بريقها الأولي وقللت من مساحات الحرية فيها وذلك بعد أن صار ارتباط وسائل الإعلام بها أقرب لفخ يصعب الفكاك منه.
كانت أول القيود سياسات المحتوى التي تمنع أو تقيَّد نشر محتوى يخالف قواعد وضعتها الشركات الكبرى مثل Meta وجوجل وتويتر/إكس، وما زالت جوانب عديدة من هذه السياسات تفتقد للوضوح أو المشروعية وتتسم في أحيان كثيرة بالتمييز ضد المجتمعات الأضعف، سواء سياسيًا أو ثقافيًا أو اجتماعيًا أو طبقيًا أو تلك المنتمية لجماعات لغوية خارج نطاق الإنجليزية وحفنة أخرى من اللغات الغربية.
وثانيًا بدأ مرور القراء والمتابعين مباشرة على مواقع المؤسسات والصحفيين على الإنترنت يقل لصالح مرورهم على الصفحات والموضوعات المنشورة على السوشيال ميديا ومحركات البحث (جوجل بالأساس)، ويعني هذا ببساطة اعتمادًا مفرطًا على حسن نية وسياسات هذه المنصات ومحركات البحث في إبراز أو تهميش هذه المحتويات، وأيضًا تقاسم الدخل من الإعلانات الرقمية مع أصحابها، وهو تقاسم يشكو كثيرون من أنه ظالم للصحافة ويفتقر للشفافية حيث تسيطر الشركات الكبرى على الأرقام والبيانات.
الوسيلة تملك الرسالة
صارت الإعلانات الرقمية أحد مصادر الدخل المهمة وتقارب الثلث من إجمالي دخل الناشرين الصحفيين في العالم، كما يصل الدخل من الشراكات والإعلانات مع المنصات لنحو 12% من إجمالي الدخل وفقًا للاتحاد العالمي للصحف والناشرين. وتدعي دراسة أمريكية في جامعة كولومبيا أن منصات التواصل الاجتماعي لو قامت بتوزيع منصف للعائد الاقتصادي من نشر المحتوى الصحفي لدفعت للناشرين في الولايات المتحدة فقط نحو 13 مليار دولار في عام 2022 على سبيل المثال.
كما يتواصل انخفاض عدد الزوار لمواقع المؤسسات الصحفية والصحفيين حيث يكتفي عدد متزايد بقراءة ملخصات جوجل أو الإطلاع على ما تنشره السوشيال ميديا من مقتطفات.
يؤثر هذا الأمر على الدخل المباشر لهذه المواقع من الإعلانات حيث تتحدد قيمتها بناء على أعداد الزوار وسلوكهم على الصفحات، كما أنها قد تؤثر على قرارات المؤسسات المانحة والداعمة للصحافة المستقلة الصغيرة والمتوسطة. وصارت المنصات تحتفظ بالمتصفحين لديها وانخفض معدل دخولهم على الصفحات الصحفية الأصلية بنسبة 30% منذ عام 2022.
حتى صفحات هذه المؤسسات الإعلامية على السوشيال ميديا فإن الشركات الكبرى عن طريق خوارزمياتها المتعددة تتحكم في عدد المشاهدين لحد كبير إذ ترتب المحتوى الذي يراه كل مستخدم على صفحته (سواء كان قادمًا من الأصدقاء أو ممن يتابعهم أو موضوعًا بصفة إعلانية على صفحة المستخدم) وباتت المؤسسات الإعلامية والصحفيون يحتاجون لدفع رسوم من أجل تنشيط المحتوى ونشره على أمل أن يفوق الدخل المادي والمعنوي من الانتشار هذه الأموال المدفوعة للمنصات.
الذكاء الاصطناعي قادم
ليست كل القيود مالية، فهناك أيضًا قيود سياسية. تشير تقارير ودراسات متعددة، على سبيل المثال، لتقييد المحتوى الفلسطيني على السوشيال ميديا تحت أغطية قانونية مثل مكافحة الإرهاب ومنع التحريض على العنف أو نشر المحتوى العنيف، وهي سياسات تفتقر في أحيان كثيرة للشفافية والمصداقية وإمكانات التحدي والمراجعة الفعالة.
السوشيال ميديا صاحبة سطوة وسلطان أكثر مخاتلة بسبب تركز معظم شركاتها الكبرى في الولايات المتحدة
والتحدي الأخير الداهم هو أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي حيث ينتشر المحتوى المنتج اصطناعيًا، الذي هو في نهاية المطاف إعادة تدوير وبناء على محتوى أصيل وأصلي جرى نشره على الإنترنت من قبل. وتمثل ملخصات نتائج البحث عن جوجل التي تظهر أعلى صفحة البحث إحدى نتائج هذا التحول حيث يقدم Gemini، وهو نموذج التوليد اللغوي الضخم الخاص بجوجل، هذا الملخص والذي ساهم في انخفاض عدد الزوار القادمين من أشهر محرك بحث للمواقع الإعلامية في الربع الأول من هذا العام بنسبة 9%. ويتخوف ناشرون من أننا قد نكون في طريقنا لما يسمونه صفر نقرات ويكتفي المستخدمون بملخصات جوجل وملخصات السوشيال ميديا.
لا حلول سهلة، فالسوشيال ميديا صاحبة سطوة وسلطان أكثر مخاتلة وأصعب مواجهة أحيانًا من الدول والحكومات بسبب تركز معظم شركاتها الكبرى في الولايات المتحدة، وعدم خضوعها الكامل أو الواضح لترتيبات القانون الدولي أو بعض القوانين المحلية، وعدم شفافية السياسات والخوارزميات، وكونها في نهاية المطاف معنية أكثر بالدخل والربح من الحفاظ على مناخ من المصداقية والاستمرارية يستلزم وجود مؤسسات إعلامية وصحفيين قادرين على العمل والنشر، ويحققون دخلًا يكفل لهم المواصلة ولا يكافحون سيلًا لا يقل من المعلومات المضللة والخاطئة التي تساهم هذه المنصات في نشرها بقوة.
من أهم الحلول التي سعت إليها شركات إعلامية كبرى مثل نيويورك تايمز أو دول قوية مثل كندا وأستراليا، هي التفاوض مع منصات التواصل ومحركات البحث من أجل تقاسم أكثر عدلًا لدخل الإعلانات. ومن المفاوضات الجارية العمل على وضع قواعد لما يعرف بزواحف نماذج الذكاء الاصطناعي Crawlers وهي برامج تزور المنصات الإعلامية بانتظام وتنسخ محتوياتها مجانًا من أجل أن تستعملها نماذج مثل چيميناي أو تشات جي بي تي أو كلود.. إلخ. تستهدف القواعد فرض رسوم على زيارة هذه الزواحف الإلكترونية، تقدر وفق حجم المادة التي تنقلها. وهذا مهم في ضوء أن برمجيات الزواحف تمثل 30% من زوار مواقع الإعلام.
نماذج بديلة
ما زال البعض يشيرون لنموذج BBC حيث تدعم الحكومات ورسوم الترخيص للمستمعين عمل وسائل الإعلام العام المستقل، ويؤكدون على استحالة الاعتماد على آليات السوق من إعلانات وبيع المحتوى لضمان الاستدامة الاقتصادية. ولكن هذا النموذج لا يصلح في بلادنا وعديد من بلاد الجنوب بسبب جنوح أنظمة الحكم للسيطرة، كما أنه بات يعاني في بقية العالم مع تصاعد التيارات اليمينية الانغلاقية والرافضة للدعم الحكومي لمثل هكذا مشاريع.
هناك طبعًا أفكار قد يراها البعض مثالية ولكن يتعين العمل عليها وهي اللجوء أكثر فأكثر للمنصات والتطبيقات مفتوحة المصدر والتشاركية للتخزين وتبادل البيانات للنجاة من احتكارات الشركات الكبرى، ولكن هذا طريق طويل ويمكن السير فيه بالتوازي مع الطرق والمقترحات الأخرى لإصلاح وغل سلطة وهيمنة الشركات الكبرى.
لا شك أن التقنيات الجديدة تقدم إمكانات أوسع وأعمق من أجل تحرر العمل الصحفي الجاد والمستقل (المستقل عن الحكومات واحتكارات الأسواق) مقارنة بما كان عليه الحال عندما عجزت عن إيصال جهاز فاكس لصديقي الصحفي في مصر في التسعينيات.
وهناك كثير من العمل والنضال الذي نحتاج القيام به جميعًا من أجل مواجهة الشركات المهيمنة على هذه التقنيات وكسر احتكاراتها وهيمنتها بسبل متنوعة منها ابتداع واستعمال تقنيات جديدة، والأهم مواصلة الكتابة والتصوير والنشر بكل السبل المتاحة حتى لا تصير الأصوات المسيطرة على سرديات العالم في العقود القادمة تحت هيمنة حفنة من الشركات ومنتجاتها وخوارزمياتها وعدد قليل من مالكيها من المليارديرات الرجال من عينة إيلون ماسك وجنسن هوانج.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

