تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2025
كاميرات المراقبة في المدارس تهدف لحماية الطلاب

إعادة إنتاج القسوة.. كيف نكسر دائرة العنف في المدارس؟

منشور الأحد 15 آذار/مارس 2026

في مدينة دمنهور، ولدت شيماء حمدي وتعلمت لتصبح اليوم معلمةً تأسيس أطفال في مرحلة الطفولة المبكرة.

تعرضت شيماء في سنواتها الأولى في التعليم لتجارب من التخويف والتهديد، ما ترك في نفسها أثرًا لا يزول؛ "مانستش يوم شكل مدرّسي في إعدادي اللي كان بيخوفنا دايمًا بالعصاية عشان يخلينا نعمل أي حاجة زي إننا ننتبه معاه أو نجاوب على الأسئلة"، تقول لـ المنصة.

زرعت تلك التجارب الخوف بداخل المعلمة ذات الـ29 سنة، وظل يؤرقها سؤال كيف نغيّر التجربة التعليمية القاسية، ومن هنا بدأ شغفها الحقيقي بتعليم الأطفال بأسلوبٍ خالٍ من العنف؛ فلم تكتف بدراسة علم الاجتماع في جامعة دمنهور، لكن واصلت اجتهادها لتحصل على دبلومة تربوية وأخرى في الصحة النفسية للطفل.

من حظ شيماء أنها بدأت مسيرتها العملية في حضانة تنتهج سياسة مختلفة عن الوعي الجمعي السائد الذي يربط التعليم بالضرب والتخويف؛ تعتمد على الحب والاحتضان أساسًا للتعامل مع الأطفال؛ "ده خلاني أسعى لتطوير نفسي وآخد ورش تدريبية ودورات متخصصة تمزج التربية الإيجابية بالعملية التعليمية".

تبدو طموحات شيماء في تعميم سياسة تعليمية تنبذ العنف، مرتبطة بالواقع اليومي للأطفال في المدارس وما تشهده بشكل شبه يومي من حوادث عنف؛ تختلف درجاتها وممارساتها، ما يفتح الباب لأسئلة حول طبيعة العنف في المجتمع المصري، وهل يشعر الأطفال بالأمان داخل أسرهم؟ وبالتبعية داخل المجتمع أم أن الأمان بات امتيازًا وليس حقًا؟ وما الجهود الفعلية التي تبذلها الدولة لتمكين الأصغر سنًا من حياة طبيعية؟ وهل هناك علاقة طردية بين العنف ضد النساء وتصاعد العنف ضد الأطفال؟

الإجابة بوضوح على السؤال الأخير، أنه لا يمكن فصلهما؛ فالعنف ضد النساء داخل الأسرة يشكل الإطار النفسي والاجتماعي الذي ينشأ فيه الأطفال ويعيد إنتاج نفسه داخل المجتمع والمدرسة. إذ تُظهر الدراسات النسوية والخبرات ودراسات الصدمة أن العنف لا يتوقف عند حدوده الخاصة لكنه يمتد الى المجال العام، لتصبح المدرسة واحدةً من المساحات التي يعاد فيها تمثيل ما تعلمه الأطفال عن السلطة والخوف والطاعة.

بيئة العنف المركب

قضية النساء جزء لا يتجزأ من المعركة الأوسع ضد العنف البنيوي. وركزت الكتابات النسوية مثل لطيفة الزيات ونوال السعداوي على أن وضع النساء يمثل مؤشرًا كاشفًا لطبيعة المجتمع، حيث يكون جسد المرأة وعقلها أولى ساحات القهر.

يعيش ضحايا الاعتداء الجنسي تبعات الاعتداء عليهم طوال حياتهم

وتطرح الناشطة النسوية الأمريكية بيل هوكس في كتابها كل شيء عن الحب فرضية أن إنهاء العنف ضد الأطفال يظل مستحيلًا دون وقفه ضد النساء، لأن الصغار يتعلمون معنى السلطة والحب داخل منازل تشرعن القسوة.

بينما تشير الطبيبة النفسية والمؤلفة جوديث هيرمان في كتاب الصدمة والتعافي إلى أن الأطفال الذين ينشأون في بيئات تهان فيها النساء لا يرثون الصمت فقط، بل يرثون الصدمة ذاتها، ويعيدون تمثيلها إما ضحايا أو فاعلين.

يأتي في المقدمة الطفلات والقاصرات في المناطق الأكثر تهميشًا كالريف والعشوائيات وذوات الإعاقة، واليتيمات وبنات العاملين في الاقتصاد غير الرسمي والمهاجرات واللاجئات غير النظاميات وبنات وأبناء النساء المعنفات، والغائبات عن التعليم. مع هؤلاء لا يكون العنف حدثًا عارضًا، بل تجربة مركبة يتقاطع فيها الجندر مع الفقر والتهميش الجغرافي والاجتماعي ما يضاعف من احتمالات الانتهاكات ونقص الحماية. 

يعد الفقر بمفهومه الشمولي أحد أكثر العوامل تأثيرًا في رفع مؤشرات العنف المجتمعي بل والرضوخ له والتطبيع معه، إذ يعيش ربع أطفال مصر في فقر متعدد الأبعاد وفق تقرير "التحليل الوطني لفقر الأطفال متعدد الأبعاد" الصادر عن اليونيسف 2018. 

فيما أظهرت دراسة أجريت بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومارس/آذار 2024 في صعيد مصر تعرض الطفلات ذوات الإعاقة لعنف منهجي يفوق ما يتعرض له الأطفال الذكور من نفس الفئة، مدفوعًا بالفقر وانخفاض مستوى تعليم الوالدين، بينما كان الجناة في أغلب الحالات من داخل الأسرة أو محيطها القريب.

إعادة إنتاج العنف 

تؤكد نظرية عالم الاجتماع بيير بورديو على أن السياسات العامة لا يمكن أن تبنى على تصورات النخب، لكن على مشاركة الفاعلين داخل واقعهم. وفي هذا الإطار، تصبح المدرسة مجالًا لإعادة إنتاج علاقات القوة السائدة داخل المجتمع، لا سيما حين تغيب عنها أدوات الحماية.

الأطفال الذين يواجهون عنفًا داخل الأسرة يدخلون المدرسة وهم أكثر هشاشة وأكثر قابلية للتعرض لانتهاكات جديدة

وإذا كانت المدرسة تعيد إنتاج علاقات القوة، فإن مؤشرات العنف المسجلة رسميًا تكشف حجم هذا الاختلال. وكشفت بيانات المجلس القومي للأمومة والطفولة أن خط نجدة الطفل تلقى خلال الفترة من يوليو/تموز إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2024 10 آلاف و331 بلاغًا، منها 9 آلاف و128 بلاغًا عن أطفال في حالات خطر، بما يعادل 88% من إجمالي البلاغات.

توزعت هذه الحالات بين اعتداءات جسدية، واستغلال، وعنف نفسي، وإهمال، واعتداءات جنسية، فالأطفال الذين يواجهون عنفًا داخل الأسرة يدخلون المدرسة وهم أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للتعرض لانتهاكات جديدة داخل مؤسسة تعاني أصلًا من ضعف بنيتها الحمائية.

ويزداد هذا الخطر في ظل غياب قانون شامل يجرم العنف الأسري، ما يحد من قدرة الأطفال والفئات الأضعف على الإبلاغ، ويبقي مساحات واسعة من العنف خارج الرصد المجتمعي، فضلًا عن ضعف القدرة على إنفاذ القانون، إذ ترصد منى عزت المديرة التنفيذية لمؤسسة النون لرعاية الأسرة مواد في قانون العقوبات كالمادة 306 التي تجرم العنف ضد الأطفال باختلاف أشكاله وتعمل الدولة على تعديلاها منذ عام 2014 من حيث تغليظ العقوبة.

لكنها تعتقد أن ذلك غير كافٍ وأننا "نحتاج مع صياغة القوانين وتعديلاتها، مراقبة إدارية لتنفيذها، ورفع وعي الأسر بمفهوم التربية التي تعزز داخل الطفل حقه في حماية نفسه سواء داخل أسرته وعائلته أو في المدرسة والأماكن العامة" تقول لـ المنصة

المدرسة كمؤشر بنيوي لا حالات فردية 

لافتة لندوة "لا للتحرش"

تعكس الوقائع المتكررة داخل المدارس المصرية خلال الأعوام الأخيرة واقعًا بنيويًا يتجاوز فكرة "الحوادث الفردية"، فالتكرار الزمني والجغرافي لجرائم الاعتداء الجنسي والعنف داخل المدارس يشير إلى خلل عميق في منظومة الحماية لا يمكن أن نفصله عن النسيج الأسري والمجتمعي.

وبالرغم من أن الدستور المصري ينص في مادته 19 على أن التعليم حق يهدف إلى بناء الشخصية وترسيخ قيم المواطنة وعدم التمييز، فإن الواقع يكشف فجوة واسعة بين النصوص الدستورية والممارسة الفعلية داخل المؤسسات التعليمية.

يمكن فهم هذه الفجوة باعتبارها مشكلة لها مستويان؛ الأول أن التعامل مع وقائع العنف والاعتداء يظل في الغالب عقابيًا فقط؛ أي يركز على معاقبة الجاني. صحيح أن قانون العقوبات المصري يجرّم الاعتداء الجنسي والتحرش والعنف البدني، لكن ما يحدث داخل المؤسسات التعليمية غالبًا يقتصر على تحقيق إداري أو جزاء تأديبي.

في المقابل، لا يحصل الأطفال المتضررون على دعم نفسي متخصص أو برامج رعاية مستمرة تساعدهم على تجاوز أثر التجربة. وهنا تظهر المشكلة: العقاب وحده لا يكفي، إذا لم يصاحبه نظام واضح يضمن تعويض الضحايا نفسيًا واجتماعيًا، ويمنحهم فرصة حقيقية للتعافي.

المستوى الثاني يتعلق بغياب سياسات واضحة للتدخل المبكر والعلاج السلوكي داخل المؤسسات التعليمية، سواء كان في حالات العنف المتبادل بين الأطفال أو المراهقين وهو ما يعكس تصورًا مؤسسيًا للعنف باعتباره سلوكًا فرديا معزولًا يستوجب العقاب، لا ظاهرة اجتماعية تتطلب الاحتواء والعلاج لمنع التكرار.

يمكن للدولة أن تتبنى آليات تنفيذية تشاركية داخل المؤسسات بالتعاون مع المتخصصين من المجتمع المدني من لديهم خبرة متراكمة في تقديم الدعم النفسي

يشير خبراء إلى أن ما يحتاجه الأطفال في مثل هذه الحالات لا يقتصر على الإرشاد أو الأدلة الإجرائية بل يتطلب سرعة التدخل وتبني الدولة تنفيذ هذه المقترحات على نحو فعلي وملزم بما يضمن الحماية الفورية.

يصبح دور وزارة التربية والتعليم تأسيسيًا، بوصفها أحد أهم الفاعلين الرئيسيين في منظومة الحماية إذ عليها أن تعيد تشكيل بنيتها الفكرية والمؤسسية لتقديم دعم أصيل للأطفال في ظل واقع أسري ومجتمعي وتشريعي لا يزال عاجزًا عن حمايتهم.

هنا تبرز الحاجة إلى تدخلات نفسية واجتماعية لا تقل أهمية عن التشريع وهو ما تقترحه شيماء طنطاوي مديرة تنفيذية بالمشاركة في مؤسسة براح آمن لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي في المجال الخاص بقولها لـ المنصة "يمكن للدولة أن تتبنى آليات تنفيذية تشاركية داخل المؤسسات بالتعاون مع المتخصصين من المجتمع المدني من لديهم خبرة متراكمة في تقديم الدعم النفسي بما يسهم فى تدريب الأخصائيين النفسيين على أساليب تقديم هذا الدعم بموارده البشرية المتاحة". 

نحو عدالة تعويضية

يتعرض 83% من الأطفال لأساليب عنيفة بدعوى تقويم وضبط السلوك، حسب الأرقام الرسمية في مصر

بناءً على ذلك، تبرز أهمية تبنّي ما يُعرف بـ"العدالة التعويضية" داخل المدارس. والمقصود بها نهج لا يكتفي بمعاقبة المعتدي، بل يضع احتياجات الضحية في المركز، ويسعى إلى جبر الضرر الذي وقع عليها نفسيًا واجتماعيًا. فهي عدالة تهتم بالتعافي بقدر اهتمامها بالمحاسبة، من خلال توفير دعم نفسي متخصص، ومساحات آمنة للحديث، وبرامج علاج بالفنون، وأنشطة مدرسية تعيد بناء شعور الطفل بالأمان والثقة.

بهذا المعنى، لا تكون الاستجابة للعنف مجرد إجراء إداري بعد وقوعه، لكن عملية متكاملة تحاول معالجة آثاره ومنع تكراره. ومهما بدت الأدوات المتاحة في المدارس المصرية محدودة أو أقل من المأمول، فإن الاعتراف بها كنقطة بداية، مهما كانت بسيطة، يظل المدخل الأكثر واقعية للتغيير، عبر تطويرها وإعادة توظيفها، بدل الاكتفاء بالتسليم بقصورها، بداية من الأدوار المعطلة؛ كدور الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين وأدوار معلمي الأنشطة الفنية والرياضية فضلًا عن أدوار وزارات قادرة على الإسهام في تطوير البنية الفكرية والسلوكية كوزارة الثقافة والصحة والتضامن الاجتماعي ووزارة الشباب والرياضة إلى جانب المؤسسات التي تعمل تحت مظلتها.

مرورًا بدمج الفنون داخل برامج الدعم النفسي المدرسي، وهذا لا يمثل رفاهية بل ضرورة علاجية وسلوكية. حسب فريدة إيهاب الطبيبة النفسية،  يستخدم العلاج بالفن لعلاج طيف واسع من الحالات والأمراض النفسية لا سيما الأطفال والبالغين الذين لا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم بالكلمات.

وتضيف فريدة لـ المنصة "دمج الفنون في التعليم يساعد أيضًا في علاج الاكتئاب والصدمات النفسية واضطرابات الأكل والقلق والحزن والاختلافات العصبية والاضطرابات السلوكية والاضطرابات الذهانية والخرف، وغيرها الكثير".

منح هذه المؤسسات صلاحيات فعلية تمكنها من استقبال الأمهات والآباء والأطفال الراغبين طوعًا دون إلزام في الحصول على تقييمات داخل وحدات الدعم النفسي التابعة لها

ويُنظر إلى الأنشطة الفنية والرياضية أداة علاجية وتربوية ضرورية خاصة في البيئات التي يفقد فيها الأطفال الدعم النفسي وتدخلات العلاج السلوكي. وتدعم الدراسات الدولية ذلك التوجه فهذه الأنشطة تسهم فى تحسين الصحة النفسية وتقلل من حدة السلوكيات العنيفة ما يجعلها مدخلًا وقائيًا وعلاجيًا في آن واحد.  

وترى هبة النمر، من مؤسسي براح آمن لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي في المجال الخاص، دور المجتمع المدني متمثلًا في إعداد بروتوكولات لحماية الأطفال في المدارس وتطوير مواد منهجية حول العنف الأسري والتربية الإيجابية على أن تكون الوزارة هي الشريك التنفيذي لجهودها.

وتوضح لـ المنصة أنه في حال إبرام مثل هذه الشراكات وسعي الدولة للاستعانة بالمجتمع المدني، فإن ذلك يستلزم منح هذه المؤسسات صلاحيات فعلية تمكنها من استقبال الأمهات والآباء والأطفال الراغبين طوعًا، دون إلزام، في الحصول على تقييمات داخل وحدات الدعم النفسي التابعة لها.

كما تشدد هبة على أهمية تمكين الأخصائيين من الإبلاغ عن حالات الإساءة الجسيمة عبر خط نجدة الطفل، مع توفير حماية قانونية ونفسية فورية لهم عند تعرضهم لأي ضغوط إدارية من المدارس أو أولياء الأمور. وتشاركها الرؤية منى عزت مؤكدة على أهمية وضع "برامج منهجية" يستطيع من خلالها الأخصائي متابعة كل العاملين داخل المدارس. 

تقترح شيماء حمدي، المعلمة بالتعليم التأسيسي الخاص، الاستعانة بخريجي العلوم الاجتماعية في تصميم ذلك البرنامج، بحيث يدرب هؤلاء المتخصصون المعلمات والمعلمين قبل احتكاكهم المباشر بالطلاب، فيصبح مرجعًا واضحًا للتعاملات النفسية والسلوكية مع الأطفال، مع عقد اجتماعات دورية لتقييم مدى تحقيق أهدافه وتطويره بشكل مستمر.

وحين تصبح المدرسة مساحة آمنة للدعم النفسي والاجتماعى يمكن أن تتحول من موقع لإعادة إنتاج العنف إلى جسر مجتمعي أقل قسوة وأكثر رحمة، تضع كرامة الطفل وحقوقه في صدارة الأولويات كما تحلم شيماء. فلا ترث النساء الخوف، ولا يرث الأطفال العنف. 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.