تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
في بداية عشرينيات القرن الماضي استثار نجاح النساء في المؤديات في جذب الجمهور، القوى المحافظة الداعية لمنع الاختلاط

السلطة والرقابة والجمهور| زمن يونس القاضي

منشور الأحد 1 شباط/فبراير 2026

يعود تاريخ المصريين مع أجهزة الرقابة على الفنون إلى أكثر من قرنين من الزمن، بدايةً من لوائح للسيطرة والتنظيم فرضها الحُكّام من محمد علي إلى إسماعيل وتوفيق على فرق المسرح والغناء والرقص المحلية والأجنبية، حتى انخراط المصريين بأنفسهم في إدارة منظومة الرقابة في ظل إعلان الاستقلال النسبي عن بريطانيا في 1922 وصعود النخبة الوفدية وتشكيل أول حكومة يقودها سعد زغلول في 1924.

وفي عام 1925، أصبح الأديب والمترجم محمد مسعود أول مصري يتولَّى منصب مدير قلم المطبوعات (جهاز الرقابة). وفي عهد خليفته عبد الرحمن بك الجميعي بين عامي 1926 و1927، زيدت إلى صلاحيات القلم الرقابة المسبقة على النصوص المسرحية وكلمات الأغاني. كالعادة، سبق ذلك التوسع في صلاحيات الرقابة عواصف هجومية على الطقطوقة الغنائية وتعبيراتها، وألفاظ ومشاهد تتضمنها المسرحيات الكوميدية في شارع عماد الدين.

كانت لائحة التياترات التي صدرت في 1911 تمنع بالفعل "ما كان من المناظر والتشخيص والاجتماعات مخالفًا للنظام العام والآداب"، وتمنح البوليس الحق في ملاحقة "ما كان من هذا القبيل وإقفال التياترو عند الاقتضاء".

الفارق بين الرقابة قبل ثورة 1919 وبعدها، ارتبط بمشاركة المسؤولين المصريين في تنفيذ الأوامر الخديوية والحكمدارية البريطانية، من مصادرة مسرحيات وأسطوانات وإغلاق مسارح وصالات غناء، ورقابة المحتوى الغنائي والدرامي المقلق لتلك السلطات. من ناحية أخرى، كان على الرقابة في ذلك العصر أن تواكب تطورات الميديا الحديثة مثل الصحف والمسرح، ثم السينما والإذاعة، التي أتاحت للحركة الفنية إمكانات تعبيرية أوسع في مقاربة الثالوث المحرَّم؛ الدين والجنس والسياسة.

الدور الأخلاقي للرقابة

الموسيقار محمد عبد الوهاب                                                                                                                            

انتعشت الحركة المسرحية بنهاية الحرب العالمية الأولى التي تلاها قيام ثورة 1919 بما أحدثته من تحولات كبرى داخل المجال الفني. شارك الفنانون بملابسهم المسرحية في المظاهرات التي خرجت للشوارع؛ من الرائد المسرحي عزيز عيد للممثلة النجمة روز اليوسف وحتى الموسيقي الصغير محمد عبد الوهاب، فأصبح اشتباكهم مع معطيات المشهد الجديد منطلقًا من شعور بالدور وسعي للمكانة يأخذ شكل المُهمَّة. بهذا الانتقال الرمزي انضم المجال الفني لروافع الحركة الوطنية المنوطة باللحاق بالتفوق الغربي ومنافسته في سبيل الاستقلال الكامل.

لكن على ناحية أخرى، كان هذا الاعتراف الجزئي بالحركة الفنية بدايةً لاستقطاب هوياتي حول نوع المهمة؛ أي فن يصلح لنا؟ وأي فن يخرج عن تقاليدنا وديننا وخُلُقنا وهويتنا؟ وكذلك استقطاب حول دور الرقابة وحدود تدخلها.

اعتبر جزءٌ من الفنانين والنقاد أن الموجة الرقابية العاتية تحت شعارات حماية الدين والأخلاق لا تقصد إلا خنق التعبيرات السياسية في الأعمال المسرحية، في مواجهة الاحتلال البريطاني والعسف الخديوي. اتهم مديرو المسارح التمثيلية مدير قلم المطبوعات بقضائه "على كل مشهد حماسي أو عِظَة وطنية، وبثورته المستمرة ضد الروايات السياسية"، كما كُتب في مجلة الممثِّل عام 1926.

إلا أن قسمًا آخر من هؤلاء الصحفيين والنقاد كان شديد الحماسة للدور الأخلاقي للرقابة. مثال على ذلك ما نشرته جريدة "مصر" في  1929/7/18 تحت عنوان حول مراقبة التمثيل والملاهي: "يذكر القُرَّاء ما كان من اهتمام حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد العزيز البشري وكيل إدارة المطبوعات حيال ما سَرَى في البلاد من مخاطر التمثيل المضرِّ بالأخلاق ومحالِّ الملاهي الأخرى كالسينما وغيرها، وقد أشرنا إلى اجتماعه بأصحاب المسارح والملاهي، وقلنا إنه أخذ منهم قرارًا بعدم عودتهم إلى تمثيل ما يُخالِف الآداب وأنذرهم أن كل مَن يجرُؤ على مخالفة التعليمات الأخيرة يُعاقَب بأشد عقاب".

أثر حضور النساء 

استثار المشهد الفني المتفجر في بداية القرن العشرين ردة فعل قوية من السلطات والأغلبية الذكورية المحافظة، خصوصًا بنجاح النساء المؤديات في جذب جمهور متزايد من المعجبين. كان اتساع نطاق اختلاط الأقليات المسيحية واليهودية والجاليات الأجنبية بالطبقات العليا والوسطى المسلمة، في وسط القاهرة وشارع عماد الدين، المزدحم بالكباريهات والمقاهي والمسارح وصالات الغناء، أحد مصادر القلق الكبير خصوصًا في الأوساط النخبوية. وكانت المؤديات مركزًا للهجوم والاتهام بنشر الفاحشة وإفساد الأجيال الشابة التي تحمل لواء معركة الاستقلال والتحرر من الاحتلال. إذ باتت الكباريهات محل إفساد أخلاق المسلمين، أبناء الطبقات العليا، الذين يشربون الخمر المحرمة دينيًّا، أو يقامرون بأموالهم في صالات القمار، ويسعون خلف العلاقات المحرّمة متأثرين بأخلاق الأجانب وتهتك النساء في الحانات.

دخول النساء لمجال التمثيل استدعى دفاعًا في مواجهة هجومٍ ضارٍ يصوّر المسارح بيوتًا للرذيلة

اختلطت في ذلك الهجوم صورة العالمة المشوهة بصورة الراقصة والعاهرة والممثلة المسرحية دون تمييز، إذ حازت الفنانات مساحةً غير مسبوقة من الاستقلالية الاقتصادية وامتلكن الصالات والمسارح والكباريهات، بالإضافة للجماهيرية والنفوذ الاجتماعي. وبرغم أن الكثيرات من العاملات بالكباريهات والصالات كن يتعرضن بطبيعة الحال للاستغلال ويعتمدن على تسليع أجسادهن؛ نجحت العديدات في تطويع المشهد لصالحهن وتحقيق نجاح ملموس كمغنيات وممثلات بارزات. لذلك عمد الكثيرون من الكتاب في تلك الفترة إلى المبالغات لتشويههن وتقديمهن بصورة تجمع سوء السمعة بالاستهلاك المفرط للكحول والكوكايين بممارسة الدعارة.

كان المعتاد مع بدايات دخول الفن المسرحي والتمثيلي لمصر خلال القرن التاسع عشر أن يقدم الرجال الأدوار النسائية ويلبسون ملابسها. لكن دخول النساء للمجال استدعى دفاعًا في مواجهة هجومٍ ضارٍ، يصوّر المسارح بيوتًا للرذيلة والتهتك الأخلاقي، ويعكس مخاوف من حضور النساء للمسرحيات "دون حجاب بملابس مكشوفة وزينة مبالغ فيها". في مذكراتها، تستهجن الممثلة الشامية مريم سماط هذا الخلط المتعمَّد الذي شاع في الصحافة بين الممثلة والعاهرة، وبين المسرح "مكانًا للترفيه البريء والنهضة الفنية والأخلاقية" وطقوس الحانات الموجودة في وسط المدينة.

اختباءٌ وراء الفضيلة

تُبيّن الحجج السياسية والدينية الأخلاقية التي يسوقها بعض العاملين بالمجال الفني تداخلًا مع الوظيفة الرقابية، في الهدف المشترك الذي يجمع الطرفين؛ السيطرة على وتيرة تحول الممارسة الفنية مع توسعات الحركة الفنية والميديا الحديثة، والتحولات الاجتماعية بعد ثورة 1919 من خروج النساء بشكل متزايد للحياة العامة، ونمو الطبقة الوسطى المدينية المصرية، وازدياد اختلاطها بالجاليات الأجنبية وارتيادها المسارح والسينمات في ما بعد. إذ تؤشر الخطابات المستعينة بالرقابة أو التي تهاجم دورها على وقوع منتجي الفنون تحت وطأة ضغوط من عدة أطراف؛ مستعمرين وحكَّامًا وجمهورًا محافظًا ونُخبًا متسلطة في مجالات الصحافة والنقد إضافةً لهجوم السلطات الدينية.

اعتمدت طقطوقة الحرملك على تقديم نمط من اللغة النسائية تعرض فيه العالمة ما يناسب ليلة عرس على لسان امرأة

باستثناء الظرف الاستعماري، فما كان يجري في مصر هو ما جرى في العالم كله تجاه الفن ومنتجيه مع الصناعة الإبداعية الحديثة داخل الدول الوطنية، من سن لوائح تنظيمية ورقابية تواكب كل متغير، وتسعى لتطويق التعبير الفني ورسم الخطوط الحمراء بما يتناسب مع طبيعة السلطة الحاكمة.

إلا أن الدفع بالدور الأخلاقي التهذيبي للفنون على يد الفنانين أنفسهم في مواجهة تصورات الحرمانية وقوتها الاجتماعية، كان اختباءً وراء الفضيلة، بهدف النجاة من سيوف الرقابة والمجتمع معًا. وهو دفاع قديم صاحب بدايات المسرح الغنائي في القرن التاسع عشر، الذي ظهرت عليه للمرة الأولى ممثلات شاميات يقدّمن أدوارًا نسائية.

يُظهر الجدل حول الطقطوقة الغنائية وأطوارها نموذجًا جليًّا لموقع الطبقة الفنية بين الرقابتين، السلطوية والمجتمعية، وأسلوب التفاوض الذي طورته في زخم المعارك والتحديات المتوالية.

في بداياتها، اعتمدت طقطوقة الحرملك على تقديم نمط من اللغة النسائية تعرض فيه العالمة ما يناسب ليلة عرس على لسان امرأة تصف مزاياها الجسدية لعين الرجل المقبل على الزواج منها. كانت تلك الطقطوقة متناسبةً مع جمهورها النسائي داخل الحرملك المغلق، ثم أصبحت في عالم التسجيلات والصالات، بعد تهذيبها، متناسبة كذلك مع جمهور الرجال من مرتادي الكباريهات، حيث يتم تقديمها إلى مستمعين يرغبون في المراوحة في مساحة بين السماع والإغواء.

مع دخول العوالم وكبار المطربين والملحنين عالم التسجيلات بدأت الطقطوقة بتقديم لغة تتفاعل مع جمهور أكبر وتنشغل بقضايا مثارة في ساحة الرأي العام. كان موضوع الطقطوقة الحديثة بشكل عام يتنوع بين الغناء الغرامي عن الألم والسعادة في الحب، أو الغناء الذي يتبنى موضوعات ساخرة واجتماعية وسياسية كما ظهر في الأعمال المسرحية لسيد درويش.

طقطوقة تحررية

في النصف الثاني من العشرينيات تحولت الطقطوقة إلى معبّر فني أكثر حساسية للغة الاجتماعية، بالنظر لموقع العوالم المتقاطع مع جمهورهن الأساسي من الرجال، الذي بات احتكاك النساء واطلاعهن على أنماط الحياة الغربية مقلقًا لهم. تناولت الطقاطيق صورًا عن نساء منحلّات أخلاقيًّا لأنهن يتشبهن بالغربيات اللاتي كن في الوقت ذاته موضع اشتهاء الرجال، سواء كن راقصات في فرق أجنبية تمتلئ بها المسارح أو فنانات تظهر صورهن في المجلات المتداولة.

حملت الأغاني دعوات ضمنية لاحترام نموذج الأسرة وقيمها، والتحذير من الزواج بالأجنبيات وتفضيلهن على المصريات، وسخرية من تطلعات المصريات إلى نموذج منافٍ للتقاليد ومخل باستقرار المجتمع. على ناحية أخرى، كان خطابها أحيانًا يعكس تغيرات في النظر التقليدي إلى مسائل تعدد الزوجات وانتشار الطلاق الشفهي وهجر الزوجات كقيم سلبية. لكن بشكل عام، كانت مقاومة أي تغيير في بنود الأحوال الشخصية أو العادات المستقرة قسمًا ثابتًا من موضوعات الطقطوقة التحررية التي شارك الرجال مثل المطرب صالح عبد الحي والشيخ عبد اللطيف البنا في غنائها.

 على صعيد آخر، قدمت الطقطوقة الحديثة في ألحان سيد درويش المسرحية صورًا عن الصراع الاجتماعي بخصوص تعليم وعمل النساء، وأظهرت أصوات الجماعات الاجتماعية المؤيدة والمعارضة لسفورهن ومشاركتهن في الحياة الاجتماعية والسياسية، كما ظهر في أغنيات بنت اليوم ولحن السياس/اوعى يمينك.

من الممكن الربط بين القلق الاجتماعي المهووس بوضعية المرأة ومعنى الابتذال الفني الذي اتهمت الطقطوقة بالترويج له

في المجمل، عكست الطقطوقة في ذلك الوقت توترات الانتقال لمجال اجتماعي بدأ يمنح خيارات، أو تخيلات عن خيارات، بين التقليد والتحديث. وكان الجدل الفائر حول ما يمكن أن تقود إليه الخطابات النسوية وانفتاح الأعين على النموذج القيمي الغربي ومساواة النساء بالرجال قانونيًّا واجتماعيًّا إحدى الجبهات المشتعلة دائمًا في فترة العشرينيات.

ومن الممكن الربط بين القلق الاجتماعي المهووس بوضعية المرأة ومعنى الابتذال الفني الذي اتهمت الطقطوقة بأنها تروج له خصوصًا بعدما سيطرت بقوة على عالم الأسطوانات المسجّلة واقتربت من إزاحة الأدوار نهائيًا من سوق الغناء وأرباحه. إذ يلتقي هذا الخطاب النقدي الموسيقي ضد انتشار الطقطوقة الخليعة مع خطاب تيارات سياسية وثقافية محافظة انهالت بالهجوم على دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة التي تلتها خطوات الحركة النسائية وصدور مجلاتها وصحفها باللغات الأجنبية ثم العربية.

ويمكن كذلك الربط بين الهجوم النقدي على الطقطوقة وتحركات جهاز الرقابة لتوسيع صلاحياته للسيطرة على المجال الفني.

تدشين المعركة

في عام 1926 اشتعلت المعركة الصحفية ضد الشيخ محمد يونس القاضي (الكاتب الأشهر للطقطوقة) بسبب الألفاظ والتعبيرات الخلاعية التي ملأت الطقاطيق المعاصرة. وكتب الشيخ ردًّا على مهاجميه مستخدمًا عدة حجج تنوعت بين رفضه للهجوم ومحاولة التهدئة، معتبرًا أن أغنياته تعرض السلوك السيئ بغرض ملاحظته وتقويمه، وبأنها محاولة لتحذير السلطات للقيام بواجبها لتوقيف هذا التيار الذي يجتاح المجتمع.

في العام نفسه، كتب يونس القاضي سلسلةً من المقالات في مجلة "المسرح"، يشرح فيها رحلة ميلاد الطقطوقة، ورسم لنفسه صورة الفنان الذي يلعب دورًا تحديثيًّا تهذيبيًّا للتراث الغنائي الشائع، انطلاقًا من هذا التراث نفسه، الذي وصفه بأنه أكثر ابتذالًا وبذاءة بمراحل عمّا يكتبه من طقاطيق:

"بهذه السياسة نستطيع الوصول إلى تفهيم الشعب ما هو الغناء المرقِّي للمدارك، قطعة حماسية بجوارها قطعة أخلاقية، بجوارهما قطعة اجتماعية. وإن لم يقبلها اليوم فسوف يتقبلها غدًا -لا مرغمًا- بل متعشِّقًا هذه المعاني الخالدة. أما إن سلبنا ما بيده من الأغاني التي تعودها هو وآباؤه وأجداده، لنعطيه شيئًا لا يوافقه، وقف أمامنا معاندًا رافضًا. وناهيك بحكم الجمهور في قوته. والذي يصدر الحكم ويتولى إشهار القطعة هم الصبية في الحواري والأزقة. ولا قدرة لمخلوق على إرغامهم على تقبل شيء لا يوافق مزاجهم".

في أبريل/نيسان 1926، بعد ما نفدت حججه، كتب ساخرًا في مقاله الأسبوعي يدعو لتعميم الرقابة على المجتمع كله وليس فقط الأغاني إن كان هذا يحل المشكلة. ومضى يقترح في مقاله إغلاق صالات الرقص، ومراقبة أماكن لقاءات المحبين لحماية قيم العائلة، ويطالب بأن يوقف البوليس المجاهرين بالانحلال في مقاهي روض الفرج، ويؤمم العوامات النيلية، ويمنع قراءة الروايات وارتداء الفساتين.

وجاء الرد على دعوة القاضي بعدها في المجلة نفسها، عبر افتتاحية نارية لرئيس تحريرها عبد المجيد حلمي يدعو لفرض الرقابة المسبقة على الأغاني والنصوص المسرحية كما تُفرض على الصحف. وفي عام 1927 تأسست الرقابة على المطبوعات، واستقبلت مجلتا "روز اليوسف" و"المسرح" قرار رئيسها عبد الرحمن بيه الجميعي بفرض الرقابة بمقالات مديح طويلة.

كانت مقالات يونس القاضي تسعى لاحتواء مواقف دوائر السلطة وحماية دائرة عمله وكسبه المرهونة بشركات الإنتاج والفرق المسرحية، وكذلك نهمه الفني والمادي المرتبط باستمرار اللون الذي يقدمه. والأدق أنه كان يدعو لفكرة الرقابة الذاتية، ولا يثق بفرض الرقابة من قبل الدولة التي يرى أثرها عكسيًّا ومستفزًّا.

ربما كان القاضي من أوائل من صاغوا المنطق الذي تبناه عديد من الفنانين فيما بعد في مواجهاتهم مع تدخلات السلطات الرسمية والدينية والاجتماعية في عملهم وحدوده. فهو من ناحية يفهم أن المساحات الجذّابة في العمل الفني تنشأ عن تجاوز الخيال الاجتماعي السائد في اللفظ والمضمون، ولا يريد أن يتخلى عن نطاقات اكتسبها وحققت شهرته الواسعة. في الوقت نفسه، كان عليه أن يسعى لتقديم خطاب لتلك السلطات يوجد فيه أساس أخلاقي وراء كتاباته، ويضع نفسه في موقع الغيور على القيم والتقاليد في تماهٍ واضح مع أدوار الرقابة والسلطة.

هذا المنطق يتضح في فقرة أخرى من مقاله لمجلة المسرح يشرح فيها أن التحاقه بالعمل في شركة بيضافون مكَّنه من إقناع الملحنين والمطربين بتطوير المعاني فيما يتعلق بأوضاع النساء. كذلك رأى أنه جعل تعبيرات الطقطوقة أميَل للكناية عن التصريح، وقصد أن تحتوي الصياغة على تورية بحيث يتواجه ضمير المستمع مع قناعاته، ويختار من المعاني ما يود أن يفهمه.  

التأثير والتأثر 

يمكن اعتبار صراعات تلك المرحلة المؤسسة مؤشرًا عن الاتجاه العام الذي يحكم علاقة الفنون الحديثة بالأجهزة الرقابية والسلطات، والأدوار المتداخلة التي يجتمع فيها السياسي والديني والعُرفي الأخلاقي، وترعى فضيلة عمومية وسويَّة هوياتية، يتوحد تحتها "شعب" نتخيله على صورة مُثلى. تحت هذه الصورة، وفي سبيل ذلك الهدف، تدور الصراعات وتحدث الاستقطابات، التي تنجرف باستمرار نحو المزايدة الأخلاقية. فالمؤيد والمعترض على عمل فني لا حجة لهما إلا ادعاء أن العمل يخدم تلك الصورة المثالية، لو كان مؤيدًا، أو يشوهها ويسيء إليها لو كان معارضًا.

المفترض أن يزداد التلقي الجماهيري نضجًا مع تعمّق الممارسة الفنية التجسيدية والدرامية والموسيقية واستطالة زمنها فلا يحتاج لدفاعات

المفترض أن تلك المراحل الابتدائية في العلاقة بين منتجي الفنون الحديثة وأجهزة السلطة والرقابة، التي مرّت بها معظم البلاد في تلك الفترة، تمهّد للانتقال لمراحل أكثر تعقيدًا في تصور دور الفنون ووظائف الخيال.

فالفنون المحصورة في حمل لواءات الفضيلة وقسمات الهوية توحِّد الأذواق في نواحٍ، لتصنع تيارًا رئيسيًّا مهيمنًا، بينما تخفق في تنميط الأذواق بشكل كلي وشامل، كما تحلم السلطات. هذه الجدلية بين التيار الفني الرئيسي وما يَنشُز عنه سر من أسرار الحيوية الفنية، إذ يستحيل أن تتجدد فنونه دون التفاعل مع الجديد والمبتكر والمُعارض، بالمحاكاة والاستيعاب والتطوير.

كما يتأكد للنقاد والمثقفين مع الوقت أن الطبقات الشعبية تحتفظ لنفسها دائمًا بمساحات للمراوغة الثقافية، في مواجهة الهيمنة الشاملة على التذوق التي يسعون إليها، بحسن أو سوء نية.

هذه المراوغة التي حاول يونس القاضي ترويض ألفاظها في طقاطيقه تعيش تحت الجلد، وتُفرَز في صورة تعبيرات عامية حاذقة وأغانٍ وعادات ورقصات وأشكال فنية تتلون مع عصرها، لكنها تظل مستودعًا لا يفرغ لتعبيرات هذه الحركة الاجتماعية عن نفسها، تعيد ابتكار ما توارثته، وتتفاعل مع الميديا الحديثة، التي لم تكف عن استيعاب الشرائح المتفاوتة، مهما بلغت قوة أجهزة التضييق الرقابي.

المفترض كذلك أن يزداد التلقي الجماهيري نضجًا مع تعمّق الممارسة الفنية التجسيدية والدرامية والموسيقية واستطالة زمنها، فلا يحتاج لدفاعات متكررة توضّح الفوارق بين ما يُشخَّص على الشاشة وما يجري في الواقع، وبين الشخصية التمثيلية وأخلاق الممثلة والممثِّل، وبين المجاز الشعري الغنائي وسباب الشوارع.

ولكن تلك الافتراضات لا تنفصل عن حركة الدولة والمجتمع الأوسع من المجال الفني وجمهوره، فهي معلّقة بأطوار الحداثة الخاصة ببلد من البلدان، ومدى القدرة على التعامل مع التعقيد والتنوع ومرونة مفهوم الهوية.

في عام 1955، تُصدِر دولة المصريين المستقلة، بعد جلاء الإنجليز والملك، قانون تنظيم الرقابة على الأشرطة السينمائية ولوحات الفانوس السحري والأغاني والمسرحيات والمونولوجات والأسطوانات وأشرطة التسجيل الصوتى. وهو العماد الأساسي لقانون الرقابة على المصنفات الفنية، المستمر حتى يومنا هذا، مع تعديلات تضاف إليه عبر العصور. وهو القانون الذي ورث بشكل شبه متطابق كل اللوائح الرقابية السابقة عليه، في عهد الاستعمار، وأضاف إليها.

هذا ما نضيء عليه في المقال القادم.