تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
تغيرت دلالات كلمة "فشخ" من الفصحى إلى العامية

لا حياء في "الفشخ".. كيف صنع الشعب "الخلبوص" انحرافه اللغوي

منشور الخميس 29 كانون الثاني/يناير 2026

خَلَبُوص وخَلْبصَة، الكلمتان اللتان يستخدمهما المصريون اليوم للدلالة على الشخص الماكر ذي العلاقات المتعددة دون أن يظهر عليه أثر ذلك، سبق واستخدمها العرب القدامى بمعنى الفِرَار والهروب، ومنها الفعل "خَلْبَصَ" القريب من خَلْبَسَ بحرف السين، ويعني فتنة القلب، فتقول العرب: خَلْبَسَ قَلْبَهُ، بمعنى فَتَنَهُ وَذَهَبَ بِهِ، كما وردتْ صيغةٌ أخرى للدلالة على طائر أصغر من العصفور يُشبهه في اللون.

كل هذه المعاني العربية (فرار، افتتان، طائر) تختلف عما تُشير إليه كلمة "خَلْبُوصْ" في العامية المصرية، وهذا ما يعد انحرافًا دلاليًّا لا علاقة له بالمعنى الأصلي، بما يعكس خصوصية لغة المصريين، فالعربيةُ حين نزلت بأرض مصر، لم يستخدمها المصريون كما سُمِعَت عن العرب، بل بما يتفق مع حياتهم، وعُجنت بوجدانهم وحياتهم وملامحهم.

كائنٌ على لسان كائن

غلاف كتاب "اللغة العربية كائن حي" لجرجي زيدان                                                                        

اللغة تَتغيرُ، وتَتطورُ وتُعِيدُ تَشكيلَ نفسها ذاتيًا وفقًا للاستخدام اليومي. ليس المقصودُ هنا العربية وحدها، إنما جميع لغات العالم التي نَطقَ وسَينطقُ بها الإنسانُ. وهذه هي النظرةُ التي دفعتْ علماءُ التراثِ اللغوي لمناقشة قضية تغير/تطور اللغة باعتبارها "كائنًا حيًا" وهو التعبير الذي اختاره جُرجي زيدان في عنوان كتابه عن تاريخ اللغة العربية، فاللغة التي نَتحدثُ بها مثلها مثل أي كائن حي -إنسان، حيوان، نبات- تُولد/تنشأ، ثم تنمو وتتطور وتتغير، وتَحِلُ أنسجةٌ/كلماتٌ مَحَلَ أخرى.

إنْ استخدمَ العربُ قديمًا الفعل حَرْجَمَ لوصف اجتماع الإبل بجوار بعْضِها لتشْغَلَ مساحةً ضيقةً، كما ورد في لسان العرب، فإن المصريين استخدموه حَرْجِمْ، بكَسْرِ صوتِ حرف الجيم غير المعطش، لوصف معنيين. الأول: شخص يحاول الاقتراب من شيء بخطوات غير محسوبة، والمعنى الثاني: الاقتراب خِلسةً لهدفٍ غير مُعلن، ومنه خرجتْ صيغُ بيْحَرْجِمْ، بِيتْحَرّجِمْ، فنقول: بلاش تِحَرجِمْ على الأكل للمعنى الأول، وللمعنى الثاني: كان بيْحَرْجِمْ عايز يسرق.

كذلك ورد الفعل كَشَّمَ في لغة العرب القدماء بمعنى: القَطْع والاسْتِئْصَال والنُقْصِ، ومنه قولهم: كَشَّمَ أنفَ الناقةِ، بمعنى قطعها. ويقولون: رَجلٌ أكْشَمُ، بمعنى ناقص في الحسب والنسب والجسم على سبيل الإهانة، وهو يكاد يكون عكس المعنى الذي وضعه المصريون له، فيُقال كَشِّمْ الرجل لفلان أي عنَّفه وأظهر بشدّةٍ غضبه.

لا حَياءَ في "الفشخ"

"فَشْخْ" كلمة شبابية حديثة نسبيًا ظهرتْ مع بداية الألفية، ولا تُستخدم في الأوساط الرسمية لما اكتسبَتْهُ من دلالات مختلفة، لم تتغير دلالتُها بين الفصحى والعامية فقط، وإنما تغيرتْ في العامية ذاتها.

بعدما خرجت فشخ عن استخدامها المعجمي بمعنى اللَّطْم وَالصَّفْع، والكَذِب أو الخداع في اللعب، ومنها فِعْلا فَشَخَ يَفْشَخُ، وفقًا لمعجم لسان العرب، تبدّلت وتغيرت في أكثر من حالة، ونستخدمها لدلالات متباينة ما بين السيئ كما نقول عن شخص "قاعد فاشخ رجله"، أو "الفشخ" بأن تخرج الكلمة من السياق الجنسي إلى الاعتداء أو البهدلة "فشخني"، وبين أن نستخدم "فشيخ" و"كلام حلو فشخ" و"حاجة فشيخة" دلالةً على الجودة.

هذه الحركة المستمرة التي تُوصف بها اللغة/اللهجة نتج عنها من يسمى بظاهرة التغير/التطور الدلالي، وهو تَغَيُّر معاني أو ما تدل عليه الكلمات من زمنٍ لآخر أو من مكانٍ لآخر لتكتسب دلالات جديدة.

هذه الظاهرة تَحْدُثُ في كل مستويات اللغة الرسمي/الفصيح، الدارج/العامي. لكنَّ العاميات أقدر على التطور وأكثر حريةً؛ لأنها تلقائية تتغير تبعًا لتغير الظروف المحيطة بها، وهو ما تعتبره أستاذة علم اللغة بكلية الآداب جامعة الإسكندرية الدكتورة نفوسة زكريا أمرًا طبيعيًا، فالعامية تحيا على ألسنة أهلها كلَ يومٍ في المقاهي والأسواق والشركات والمنازل، ولا تبقى حبيسةَ جُدران المعاجم، ولا حراسَ لها مثل العربية الفصحى، فهل سَمِعْتَ يومًا مصطلح "حراس العامية" ولكننا نعرف "حراس الفصحى".

بَاظِتْ خَالصْ

يأتي الفعل بَاظ في الفصحى ومضارعه يَبُوظُ للدلالة على زيادة الوزن والتعرض للسمنة، فباظ الرجل بمعنى زاد وزنه، إلا أن العامية استخدمت "بَاَظ" بمعنى تَعطل الشيء أو فساده، فنقول: الأكل بَاظ، الموبايل باظ، هِدومي بَاظت، وأعده ويجز في تراكه الشهير "باظت خالص" إلى الاستخدام بين الأجيال الأحدث.

يُنطق صوتُ الباء في "باظ" مُفخمًا، وصوت الظاء ينطق بين الترقيق والتفخيم، ولا يخرج من بين الأسنان الأمامية فينطق قريبًا من مَخْرَجِ صوت الزاي. ويُمكن أن يقترن الفعل "باظ" مع كلمة "الوزن" ويعني الزيادة أيضًا ولكن لن يُفهم الفعل وحده بدلالة الوزن إلا إذا جاء: وزني باظ، بمعنى التعرض للسمنة.

تحدث ظاهرة انحراف الدلالة اللغوية لأسباب عدة، قد يكون نتيجةَ سوء الفهم أو عدم معرفة المعنى الأصلي للكلمات وفقًا لتفسير الدكتور أحمد مختار عمر، صاحب المكنز الكبير ، ثم يَستمرُ الاستخدامُ المنحرف عن الأصل مع الزمن، فتكتسب الكلمة معناها الجديد وتنتشر حتى يختفي المعنى الأصلي. ومن أشهر الأمثلة على ذلك كلمة "سيارة" وكانت تعني قديمًا القافلة. هذا الانحراف يحدث على الدوام في العامية فكلمة بُكْرَة فقد وردتْ عن العرب في لغتهم بمعنى: أول النهار إلى طلوع الشمس، ولكنها تستخدم في لهجتنا بمعنى يوم الغد/غدًا بما يوافق بعض قبائل العرب.

هذا الانحرافُ الدلالي خروجًا عن الأصلِ اللغوي لا يُعتبر عيبًا أو فسادًا أحْدَثَهُ المصريون في لغة العرب، إنما يَكْشِفُ عن خصوصية/سِمَة وهُوية لغوية تُميزُ أهلَ مصر، فاللغة بنت بيئتها، وتتشكل وفقًا لمستخدميها في التواصل اليومي نطقًا وكتابة. ودراستها تكشفُ عن ثقافة الشعب المصري، وكيفية استخدامه لها بما يعكس وعيه، ويُعبِّر عن تفاعله اليومي معها وبها. فالإنسانُ لم يُبدع اللغة منذ أقدم عصوره لتحنيطها في المعاجم مثل المومياء خلف زجاج المَتْحَف (أجازها المَجْمعُ بالفتح) وإنما للتواصل والتعبير عن أفكاره، فهي بنت الاستخدام، والاستخدام هو الذي يمنح المعاني شرعيتها.

مفهوم يا ابن "الفرطوس"

لم تعد كلمة "فَرْطُوسْ" تستخدم في العامية المعاصرة إلا في سياقات قليلة، من بينها صيغة "فرطوسة" التي ما زالتْ تُستخدم في نطاق ضيق لدى "المُبَلِّطِين"، لكنها تصلح مثالًا على الطريقة التي تتطور بها الكلمة وتتحور وتخرج من دلالاتها وتتطور مع الزمن، انحسارًا وتقادمًا واستعادة للحياة.

كنا نسمع "فَرْطُوسْ" كثيرًا في كلاسيكيات السينما المصرية، وتُستخدم سُبَّةً لإهانة شخص، فيَسُبُّ إسماعيل ياسين الشاويش عطية في فيلم إسماعيل ياسين في الأسطول بقوله: مفهوم يا ابن الفرطوس، بعد أن حَوَّرَها إلى كلمة بَرْطُوس، كما نطقها القائد، التي ذُكِرتْ بمعنى مكان إقامة جنود البحرية، وهي قريبة من Proteus إله الأنهار والبحار في الأساطير اليونانية.

تعبير ابن الفرطوس القديم ذاته الذي وردَ بوصفه إهانةً، تُشير بعض المصادر إلى أنه جاء من شخص يتصف بالدهاء والمكر في عصر محمد علي، اسمه "فلتاؤس"، وهي كذلك قريبة من تعبير الذم "يا ابن البرطوش/البرطوشة" الذي يعني الحذاء القديم البالي، وهو تعبير قديم لم يعد مُستخدمًا في العامية المعاصرة. من جانب آخر، تُستخدم فرطوس في بعض المناطق بسوريا والعراق بدلًا من كلمة "توت" لوصف الفاكهة المعروفة.

لن نعدم نماذج على ما أحدثته لغة المصريين من انحراف دلالي يعكس سماتهم الأسلوبية ودلالات معاني كلماتهم، بما يؤكد أن اللغةَ تتغيرُ وتتطور وتخضع للبيئة التي تحيا فيها، حتى إذا نشأتْ في بيئة أخرى ثم انتقلتْ إلى غيرها، فهي كائنٌ فريدٌ متطور/متغير ودراستها تكشفُ عن جوانب اجتماعية وثقافية لمن يتحدثون بها.