"مستقبل مصر" على قفا الفلاح.. تحالف الدولة والسوق لإعادة تشكيل قسرية للزراعة المصرية
في مايو/أيار 2022، افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع مستقبل مصر الذي بدأته القوات المسلحة عام 2017، واستمع إلى عرض سلايدشو قدّمه المقدم طيار بهاء الغنام مدير المشروع، مدعومًا بالصور الجوية والإنفوجراف.
وخلال العرض، الذي بدا أقرب إلى العروض التسويقية منه إلى نقاش سياسات زراعية عامة، تدخَّل الرئيس أكثر من مرة لشرح المفاهيم أو إعادة صياغتها للجمهور، بينما اكتفى مدير المشروع بتأكيدِ تعقيبات الرئيس بعبارات مطيعة على شاكلة "تمام يا فندم" و"حاضر يا فندم".
عَكَس ذلك المشهد صورةَ ترتيبٍ سلطويٍّ لإنتاج المعرفة الزراعية؛ سلطة سياسية تتولّى الشرح والتفسير، ومشروع يُدار بمنطق العرض والإقناع لا بمنطق النقاش العام، وشخصية عسكرية شابة تُجسّد نموذج "الضابط الاستثماري" الذي يجمع بين الانضباط الهرمي ولغة السوق، دون أن يخرج عن حدود الطاعة أو يتيح تعدّد الأصوات.
في هذا الإطار، تحوَّلت الزراعة من مجال اجتماعي واقتصادي معقّد إلى مسألة إدارية تُحسم من أعلى، وتُعرض للجمهور في صيغة مبسّطة وجاهزة وغير قابلة للاختلاف.
هذه النظرة للزراعة، واللغة المستخدمة في إنتاج المعرفة المتعلقة بها، تحكم عملية إعادة التشكيل القسرية لأنماط النفاذ إلى الأرض، والعمل الزراعي، والوصول إلى الطاقة والمياه خلال السنوات الأخيرة عبر نموذجين؛ الأول على يد الدولة في الأراضي الصحراوية، والثاني عبر آليات السوق في أراضي الدلتا والوادي القديم.
وفق وسائل الإعلام المملوكة للدولة والتابعة لها، تعيش مصر طفرةَ توسُّعٍ في المساحات المزروعة، وتُصدِّر أطنانًا من السلع الطازجة. في ذلك شيء من الحقيقة، لكنْ فيه أيضًا أثمان اجتماعية تُدفع مقابل توسع القوات المسلحة في هذا النشاط من جهة، وصعود النيوليبرالية من جهة أخرى.
هذه الأثمان التي تبدأ بلغةِ إنتاج المعرفة لتُعبِّر عن قاعدة واحدة ترى في الأرض وأدوات الإنتاج مجرد سلع، تنتهي بإقصاء الفلاحين وصغار المنتجين من العملية الزراعية برمتها.
الجيش والمستثمر الكبير
نظرة عن قرب لطريقة عمل مشروع مستقبل مصر تكشف كيف يمثل هذا الجهاز نقطةَ تحوِّلٍ كبيرةً نحو "لبرلة" الزراعة المصرية، فهو يستهدف منذ تأسيسه كبرى الشركات الزراعية والمستثمرين الأجانب بالأساس ويُهمِّش صغار المزارعين.
فبعد ثلاثة أشهر من افتتاحه؛ تحوَّل المشروع مستقبل مصر إلى جهاز تابع للقوات المسلحة بقرار جمهوري. ولاحقًا رُقِّي الغنام إلى رتبة عقيد كما نال درجة الدكتوراه في تنمية الموارد الزراعية. وتوسَّع المشروع بشكل مذهل بعدما خُصصت لحسابه ملايين الأفدنة.
في إطلالاته التليفزيونية يشير الغنَّام إلى تأسيسِه إدارةً متخصصةً للتسويق والتعاقد على الأراضي بمقر الجهاز بمحور الضبعة تكون البوابة الرئيسية للنفاذ إلى الأرض. هنا لا تُمنح الأراضي باعتبارها موردًا عامًا أو أداةَ تمكين اجتماعي، إنما تُسَوَّق وتُؤجَّر وفق معايير استثمارية محددة سلفًا: حدّ أدنى مرتفع للمساحة التي يمكن تأجيرها، قدرة على تحمّل تكاليف البنية الأساسية، واستعداد للاندماج في منظومة إنتاج موجّهة للأسواق.
من جهة أخرى، يُمثِّل "مستقبل مصر" نقطةَ تحوِّلٍ مهمةً أيضًا في النمط الاستثماري للقوات المسلحة، كون وظيفتَه الأساسية -خلافًا لمشروعات الجيش السابقة عليه وخصوصًا جهاز مشروعات الخدمة الوطنية- ليست الإنتاج الزراعي وإنما إدارة الأرض باعتبارها أصلًا رأسماليًا. أي أنه يجمع فائض القيمة من الإيجار وتنظيم النفاذ إلى الأرض، لا من الزراعة وعمليات إدراة الإنتاج الزراعي نفسها.
ومع التوسع الكبير للجهاز خلال السنوات الأخيرة وترسيخ هذا النموذج، أصبح نشاط الاستصلاح حكرًا على طرفين لا ثالث لهما، هما المستثمر الكبير والجيش كـ"صاحب ريع"، بعد تهميش دور جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، مع الإبقاء عليه كآلية لتسكين القيادات العسكرية وخدمة وظائف اجتماعية واقتصادية داخلية.
جنَّبت هذه الصيغة القوات المسلحة ما كانت تتعرض له من انتقادات بسبب استثمارها المباشر في مشروعات سابقة، وخلقت في الوقت نفسه تعدديةً داخل هيمنة واحدة: نموذج عسكري-ريعي منفتح على كبار المستثمرين، في مقابل نموذج أقدم للاستغلال المباشر، وكلاهما يستبعد الفلاحين الصغار.
الصعود السريع لـ"مستقبل مصر"
بتتبعٍ بسيطٍ لقرارات تخصيص الأراضي لصالح "مستقبل مصر"، نتلمَّسُ رحلة الصعود السريع لهذا الجهاز وهيمنته على الزراعة المصرية، إذ صدرت قرارات جمهورية وأخرى وزارية عن مجلس الوزراء تمنحه حق التصرف والاستخدام في مساحات واسعة من الأراضي.
يُعدّ القرار الجمهوري رقم 114 لسنة 2024 محطةً مفصليةً في هذا المسار، إذ أعاد تجميع وتخصيص مساحات كبرى في شرق القناة وشمال ووسط سيناء لصالح الجهاز، تلاه في العام نفسه القرار الجمهوري رقم 285 لسنة 2024، الذي خصّص مساحات في بني سويف/غرب المنيا وأسوان، ثم القرارات الجمهورية أرقام 338 و339 و341 لسنة 2024، التي شملت تخصيص أراضٍ في البحيرة وقنا لأغراض تنموية وخدمية.
إلى جانب ذلك، صدرت قرارات عن مجلس الوزراء بإعادة تخصيص أراضٍ داخل الوادي والدلتا لصالح الجهاز من بينها قطع بمحافظة الجيزة، وقرارات بنقل أو تغيير غرض استخدام قطع أخرى بوادي النطرون.
تكشف هذه السلسلة المتقاربة من القرارات الجمهورية والوزارية عن نمط لإعادة توزيع أراضي الدولة يُدار من أعلى، خارج المسارات المؤسسية التقليدية للهيئات المدنية المعنية بإدارة الأراضي، كما تُظهر الخرائط الرسمية المنشورة على صفحات الجهاز اتساع نطاق تدخلاته جغرافيًا ليغطي كامل الجمهورية، في مساحة مُقدّرة بنحو 4.5 مليون فدان.
تمثل هذه السياسات أحد أكبر تحولات الليبرالية الجديدة في تاريخنا المعاصر. وهو نمط مختلف من اللبرلة، يعتمد على تحالف الدولة والسوق، أو ما يمكن أن نطلق عليه "الليبرالية السلطوية"، وهو ما لا يبتعد عن توصيف أستاذة العلوم الاجتماعية فيرونيكا جاجو النيوليبراليةً نظامًا قسريًّا، حيث تستغل الدولة سلطتها السيادية في تمكين تراكم رأس المال.
في حالة "مستقبل مصر"، تؤدي المؤسسة العسكرية دور الكاسحة التي تفتح الطريق أمام توسع الزراعة الرأسمالية الكبيرة، وتؤمّن السيطرة على الأرض والمياه والطاقة، بينما يُترك الإنتاج للمستثمرين الكبار ويُستبعد صغار المنتجين باعتبارهم غير قابلين للإدماج في منطق الكفاءة والتصدير.
لا يقتصر الأمر على مستقبل مصر، بل يتجسد نموذج الاستصلاح الكبير في حالات أخرى مثل مشروع "الريف المصري الجديد" الذي أُطلق عام 2021 لاستصلاح مليون ونصف المليون فدان في مناطق صحراوية متعددة في الدلتا الجديدة وغرب المنيا وتوشكى وغيرها. تبلغ مساحة أصغر قطعة مطروحة فيه إلى نحو 238 فدانًا، أي أنها في مستوى المستثمر المتوسط أو مجموعات من صغار المستثمرين، ما يجعل الإقصاء نتاجًا بنيويًا للتصميم، لا نتيجةً لفشل فردي أو نقص خبرة.
يختلف ذلك جذريًا عن النموذج الناصري الذي اعتمد مسارين للزراعة؛ أولهما الاعتماد على المزارع الكبيرة في النوبارية، الذي يشبه ظاهريًا نموذج مستقبل مصر لكن بفارق جوهري، وهو أن مشروعات النوبارية ظلت مملوكة للدولة وأولوياتها الإنتاجية تهدف لخدمة الاكتفاء الذاتي. أما المسار الثاني فركّز على إعادة توزيع الأراضي المصادَرة على صغار الفلاحين إمّا عبر عقود تمليك بحدّ أقصى خمسة أفدنة، أو من خلال إيجارات زراعية كانت آمنة.
انهيار آخر الحصون
لم تحتج سياسة دعم صغار الفلاحين في الأراضي القديمة، التي تعود جذورها للنموذج الناصري، إلى "كاسحة ألغام"؛ كان كافيًا تقليص ما تبقى من دور الدولة، وتحرير الإيجارات، ورفع الدعم عن مستلزمات الإنتاج في امتدادٍ لمسار بدأ منذ أواخر السبعينيات، وازداد حدّةً في السنوات الأخيرة.
أحد أكثر المؤشرات على تسليع الأراضي القديمة هو انخفاض أحجام المساحات التي يستأجرها الفلاحون من فدان أو نصف فدان، إلى نحو قيراط (1/24 من الفدان). وهو ما يؤدي إلى اقتسام الأرض الواحدة بين عدة مستأجرين. يعكس هذا التفتيت ارتفاع الإيجارات إلى مستويات لم يعد معها الفدان وحدةً قابلةً للاستئجار، بما يفاقم الفقر ويقوّض الاستقرار الزراعي.
يُضاف إلى ذلك سياسات مؤسسات الدولة مثل وزارات الزراعة والري والأوقاف، في التصرف بممتلكاتها الزراعية عبر آليات السوق واعتبار تعظيم العائد الهدف الأوحد عند التعامل مع هذه الأصول.
يظهر ذلك جليًا في أسعار إيجارات أراضي تلك الوزارات؛ على سبيل المثال كان إيجار فدان الأوقاف في 2014 نحو 500 جنيه، صعد إلى عدة أضعاف خلال سنوات قليلة، وثار جدل واسع نهاية العام الماضي مع صعوده في قفزة واحدة من 15 إلى 45 ألف جنيه.
وتكشف رسائل متداولة لفلاحين مستأجرين لأراضي الأوقاف كيف يعمل هذا المنطق الريعي على الأرض. ففي رسالة موجّهة إلى وزارة الأوقاف، يفكك أحد الفلاحين تكلفة زراعة الفدان بندًا بندًا، ليُظهر أن رفع إيجار أراضي الأوقاف جعل الزراعة، خصوصًا المحاصيل الغذائية من الحبوب، نشاطًا خاسرًا.
في المقابل يتكلم المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف بأريحية عن أن تحديد قيمة الأرض يعتمد على سعر السوق في الأراضي المجاورة، وفق ما يُعرف بطريقة المقارنة السوقية، حيث تُقدَّر القيمة استنادًا إلى معاملات وأراضٍ مماثلة في المنطقة، لا إلى تكلفة الزراعة أو عائد الفلاح الفعلي.
بهذا المنطق، تُعامَل الأرض بوصفها أصلًا ماليًّا استثماريًّا، لا وسيلة عيش وإنتاج، وهو ما يفسّر القفزات الحادة في الإيجارات واتساع الفجوة بين حسابات الدولة وحسابات من يزرعون الأرض فعليًا.
زراعة بلا فلاحين
ما يجمع بين الصحراء والوادي هو الإزاحة؛ ففي الأراضي الجديدة يُقصى صغار الفلاحين والخريجون عبر تصميم المشروعات ذاتها، فيما تُواجَه محاولات التوسع الذاتي أو وضع اليد في الظهير الصحراوي بحملات رصد وتتبع وحصار لم تعد موسمية أو قابلة للتفاوض.
وفي الأراضي القديمة، تَدفعُ الإيجاراتُ المرتفعةُ الفلاحين إلى تقليص حيازاتهم أو مغادرة الزراعة كليًا خاصة في غياب الأمان التعاقدي بعد تحرير نظام الإيجارات القديم في التسعينيات.
بين الإزاحتين، يتآكل الهامش الذي سمح في السابق بوجود ملاك صغار ومحليين في الصحراء، وباستمرار زراعة معيشية متنوعة في الوادي والدلتا.
ليست القضية إذن "نجاح" أو "فشل" مشروع بعينه، إنما في إعادة تعريف معنى التنمية الزراعة ذاتها، بحيث لا تهدف إلى إنتاج الغذاء وتأمين سبل العيش للفلاحين والسكان المحليين، وتصبح مجالًا للسيطرة على الأرض والمياه والطاقة، وإدارة المخاطر لصالح رأس المال الكبير من أجل زراعة تصديرية هادفة للربح بشكل مطلق.
لا تتوقف آثار هذه الإزاحة داخل حدود الحقول وتمتد خارجها. فلا يمكن النظر إلى عودة الهجرة إلى ليبيا، وارتفاع أعداد المصريين العابرين والمغامرين في البحر المتوسط حتى أن مصر احتلت في عام 2024 المرتبة الثانية عالميًا ضمن أعلى الدول المصدِّرة للهجرة غير النظامية إلى أوروبا، بمعزل عن هذا العنف البنيوي؛ حيث تُترجم الإزاحة الزراعية إلى إزاحة اجتماعية واقتصادية، وأحيانًا جغرافية، تدفع فئات واسعة إلى البحث عن سبل بقاء خارج الزراعة، وخارج الحدود، في مسارات محفوفة بالمخاطر.
تمتد الإزاحة أيضًا إلى النظم الغذائية الزراعية نفسها، حيث تُستبعد محاصيل غذائية كانت تُنتَج للاستهلاك المحلي والعائلي، ويُستعاض عنها بمحاصيل موجّهة للتصدير، لا بوصفها خيارًا إنتاجيًا حرًا، بل آلية اضطرارية لتمويل القدرة على الاستمرار في ظل شروط سوقية خانقة.
هذه التحولات التي تُقدم بوصفها تحديثًا وكفاءة، وتُغلَّف بصور اخضرار وخطابات إنجاز، ما هي إلا نزعٌ بطيء لقدرة الريف على إعادة إنتاج حياته، وتحويل الزراعة إلى أداة ضمن مشروع أوسع لإعادة ترتيب المجتمع والاقتصاد. هذا هو جوهر إعادة التشكيل القسري للزراعة المصرية؛ قسرٌ تتعدد أدواته وتتقاطع نتائجه عند إقصاء من يزرعون الأرض فعليًا.