تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
ترافق انهيار النظام العالمي مع صعود اليمين وسيطرة قادة لا يعترفون سوى بالقوة

فتوات العالم الجديد

منشور الثلاثاء 13 كانون الثاني/يناير 2026

 لسنا أمام عالم يتشكَّل؛ العالم تشكَّل فعلًا.

عالم الأمس الذي كان محكومًا بالأقوياء لكنه مغلف ببعض نصوص القوانين والاعتبارات السياسية والقرارات الأممية، أصبح من الماضي بعدما حكم العالم يمين متطرف يرى أن مساحيق التجميل تلك تضيع وقتًا وفُرصًا يجب ألا تضيع.

عالم اليوم تحكمه القوة وحدها دون أي قيود أو حدود. ما دمنا قادرين على سحق خصومنا والاستيلاء على أراضيهم وثرواتهم فلِمَ لا؟ لا نحتاج قرارًا يعطي الحرب شرعية، سنعلن الحرب على دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة ونخطف رئيسها وزوجته ونحاكمهم في بلادنا. 

لن ندَّعي أن الحرب هدفها إرساء الديمقراطية والدفاع عن المقهورين، سنقول مباشرة إننا نريد الاستيلاء على النفط. لن نخشى الملاحقات الدولية، سنقتل عشرات الآلاف ونرتكب جرائم حرب وإذا حاولت محكمة دولية أن تلاحقنا سنعاقب المحكمة والقضاة.

هذا الجنون سيحكم لفترة طويلة ما دام الأمر ينجح في كل مرة دون ثمن يذكر، تفعل أمريكا مع فنزويلا اليوم ما فعلته روسيا مع أوكرانيا بالأمس وما ستفعله غدًا الصين في تايوان، تختبر قوى أصغر قدراتها في اليمن والسودان والصومال وليبيا، يمارس الضعيف سطوته على الأضعف منه.

ماذا حدث؟

بعدما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، لم يكن العالم يحتفل بالانتصار ونهاية الحرب، بقدر ما كان يحصي الكارثة ويعاين الخسائر؛ مدن مدمرة، اقتصادات منهارة، حياة متوقفة، عشرات الملايين من القتلى، وشعور عام بأن الحضارة الإنسانية نفسها كادت أن تباد.

تعلَّم الجميع بالطريقة الصعبة أن ترك النظام الدولي لمنطق القوة وحده قاد إلى حربين عالميتين خلال جيل واحد، ولا يجب السماح بتكرار التجربة، لن يقوم النظام العالمي الجديد على إلغاء القوة، بل على تنظيمها وتقييد اندفاعها وجعل الحرب خيارًا شديد التكلفة. ببساطة نحتاج إلى مكابح.

هكذا ولدت الأمم المتحدة كإطار سياسي جامع، ومنصة لإدارة الصراعات، وظهر مجلس الأمن كتعبير عن الواقعية التي تحكم هذا النظام الجديد، حيث الاعتراف الصريح بموازين القوى بمنح الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية العضوية الدائمة وحق النقض، في صفقة قد لا تكون عادلة وأخلاقية للبعض، لكنها في رأي آخرين اضطرارية لتمرير هذا النظام من ناحية، ولاحتواء القوة داخل المؤسسة أفضل من انفجارها في الخارج من ناحية أخرى.

بالتوازي مع ذلك أعيد بناء الاقتصاد العالمي على أسس تربط الاقتصادات ببعضها، وتجعل الانهيار المحلي خطرًا جماعيًا، تجنبًا لتكرار الكساد العظيم الذي قاد إلى الفاشية والحروب، فظهر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهما من الكيانات الاقتصادية التي تخدم هذا التوجه، ونحن هنا لسنا بصدد تقييم هذا النموذج الاقتصادي، وإن كان جيدًا أو لا، بل نرصد كيف كان يفكر العالم وقتها وعلى أي أسس قام هذا النظام العالمي الجديد.

هذا النظام بكل تناقضاته، لم يهدف للوصول إلى العدالة الكاملة ولم يسعَ إليها أصلًا، بل الوصول إلى عالم تدار فيه الصراعات، وتؤجل الحروب الكبرى، وإن استمرت حروب صغيرة على الأطراف.

لكن هذا النظام الدولي الذي صمد لعقود، بدأ في التآكل مع تغيُّر موازين القوى التي بُني عليها، وتدريجيًا فقَد القانون الدولي وظيفته وتحول إلى نص يُستدعى انتقائيًا، تُمرر القرارات حين تخدم مصالح الأقوياء وتُعطَّل حين تمسهم.

تحولت المؤسسات الاقتصادية التي أُنشِئت لضمان الاستقرار إلى أدوات ضغط وعقاب وتحكّم، وحافظ العالم على بعض الطقوس الشكلية لهذا النظام الذي انتهت صلاحيته منذ سنوات، حتى جاء دونالد ترامب فأطاح بالعمود الذي استندت عليه جثة النظام لعقود، وأهال عليه التراب، مُعلنًا وفاته رسميًا.

أين نقف؟

رضينا أم لا، فقد شاء القدر لنا أن نعيش في قلب هذا العالم الجديد الذي تحكمه القوة لا القانون، والغلبة لا الشرعية، والسؤال لا يجب أن يكون: هل هذا عادل؟ بل: كيف يُمكن التعايش مع هذا الواقع؟

حين ينهار نظام عالمي، لا تُترك الدول متساوية أمام العاصفة، القوى الكبرى تعيد التموضع، القوى الصغيرة تُسحق وتقدم فروض الولاء، والدول المتوسطة ذات الموقع والثقل والتاريخ والتشابكات الإقليمية تواجه السؤال الأصعب: كيف تعيش وتتحرك في عالم فقد قواعده القديمة ولم يستقر بعد على قواعد جديدة؟

حتى الآن تتعامل مصر مع هذه التغيرات بذكاء وكفاءة مقبولة، لم تتورط بمعاداة إحدى القوى المتنازعة كما لم تُحسب على أيها، لم تفرط في محددات أمنها القومي ولم تفتح أرضها وسماءها للعابثين، اتخذت مواقف أخلاقية حين لم يفعل ذلك الكثيرون طمعًا أو خوفًا، نأت بنفسها عن المغامرات غير المحسوبة حين كانت تُدفع إلى ذلك.

لكنَّ الأمر أكبر وأعقد، فما نواجهه ليس موجة مؤقتة ولا حدثًا عارضًا، بل مرحلة محكومة باللاقواعد لفترة ستطوُل، وستشهد اختبارات أصعب من التي مرت ومواقف تتطلب قرارات أشجع من المعتاد، ولكي نعبرها بسلام، يجب أن ندرك أولًا أين نقف.

مصر ليست قوة عظمى قادرة على فرض النظام، ولا دولة هامشية يمكن تجاهلها، بل دولة تتمتع بثقل جغرافي وسياسي يجعلها في قلب التحولات ومن أكثر المتأثرين بها، وإدراك ذلك يفرض سياسة خارجية قائمة على تنويع الشراكات، وتجنب الاصطفافات الحادة التي تُحوِّل الخلافات المؤقتة إلى خصومات دائمة.

وتأسيسًا على التحولات الجديدة، لم يعُد تحصين الداخل اقتصاديًا مجرد خيار تنموي، بل هو بوضوح ملف أمن قومي، لأن دولة مثقلة بالديون، أو تعتمد على مصادر محدودة للغذاء والطاقة والتمويل، تصبح أكثر قابلية للضغط والابتزاز مهما بلغت مهارة قادتها ودبلوماسييها.

هذا الموقع الجغرافي الاستثنائي أيضًا سيكون عبئًا ولعنةً ما لم نُحسن استخدامه ونتجهز للسيناريوهات التي يفرضها، فالنقاط المشتعلة المحيطة بمصر ووجودها بين نصفي الكرة الأرضية المتصارعين الآن، مصدر تهديد وقلق، لكنها في الوقت نفسه مصدر قوة وفرص، إذا أديرت بعقل بارد ودور ناشط وقدرة على الوساطة وإدارة الخلافات. وقبل كل ذلك وبعده وفي القلب منه يجب أن تدخلها مصر بجبهة داخلية متماسكة وموحدة، يترفع فيها الجميع عن الصغائر والمطامع.

المسؤولية الكبرى تقع على السلطة، فهي المسؤولة عن إزالة آثار احتقان العقد الماضي، عليها أن تفتح حوارًا حقيقيًا مع مخالفيها، أن تصفي ملف الحبس الاحتياطي وتنقي السجون ممن ما كان يجب أن يدخلوها، أن تأتِ بحكومة قوية ومهنية تناسب المرحلة، وأن تُقوِّي المؤسسات بالقدر الذي يُمكِّنها من القيام بدورها، وأن تَقوَى بشعبها، لا عليه.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.