برخصة المشاع الإبداعي، حسام الحملاوي، فليكر
مظاهرة ضد الشرطة في ميدان لاظوغلي بالقاهرة، 13 يونيو 2010

2010؟ تلك أمانيكم

منشور الخميس 15 كانون الثاني/يناير 2026

هل نحن حقًا أمام لحظة شبيهة بعام 2010؟

يقارن كثيرون بين الانتخابات البرلمانية الأخيرة هذا العام بما شابها من انتهاكات، وانتخابات 2010، التي اختتمت عهد مبارك، وكانت فجاجة تزويرها، وفق كثيرين، القشة التي قضت على أي أملٍ في إحداث تغيير ديمقراطي عبر الصندوق؛ ليأتي الشارع ويكتب نهاية عصر الرئيس الممتد.

تستند هذه المقارنة على أوجه الشبه بين اللحظتين؛ من عملية انتخاب تديرها قبضة أمنية ولا تعبر عن إرادة الناخبين، واستخدام الرشاوي النقدية والعينية، وهيمنة حزب أو أحزاب السلطة على أغلبية المقاعد. كذلك يبدو الشبه واضحًا بين قدرة السلطة في المرتين على تفصيل المجلس وفق ما تريد وتوزيع مقاعده حتى قبل التصويت.

ولأن أهم ما يميز انتخابات 2010 أنها كانت المقدمة لانهيار نظام مبارك؛ فقد جاءت المقارنات، التي لم تقتصر على المعارضة بل انخرط فيها كذلك مؤيدون للسلطة ومحسوبون عليها، لتقرع أجراس إنذار للسلطة، في صورة تحذير أو نصيحة، حتى لا تلقى مصير سابقتها.

تراكم الخبرة وانتزاع الحق

لكن استدعاء لحظة مرت قبل أكثر من 15 عامًا، هو ما علينا التوقف عنده. فمثلما توجد أوجه شبه بين اللحظتين؛ هناك أوجه اختلاف أكبر. 

لذلك يجب ألا تُطلق المقارنات وفقًا للأماني. فما توافر في 2010، العام السابق على الثورة، لم يكن مجرد سلطة هيمنت على الانتخابات البرلمانية ومنعت معارضيها حتى من الفتات، ولم تترك لهم سوى "التسلية". هذا موجود طوال الوقت. الأمر المختلف كان وجود معارضة قادرة على فتح منافذ تغيير أغلقها النظام.

على صعيد الحراك السياسي والديمقراطي، كانت القوى السياسية المعارضة انتزعت بالفعل الحق في التظاهر ومارسته بانتظام على مدار سنوات، وراكمت فيه خبرات وزخمًا منذ اندلاع انتفاضة الأقصى وحتى انفجار ثورة يناير، مرورًا بغزو العراق وحركة الإصلاح الديمقراطي.

جاءت الإرهاصات الأولى من مظاهرات دعم انتفاضة الأقصى في 2000 وما بعدها، ثم احتلال المتظاهرين ضد غزو العراق ميدان التحرير في 2003، إلى تأسيس حركة كفاية في 2004، وخروج المظاهرات المناهضة لتوريث الحكم، واحتجاجات القضاة المدافعين عن استقلال القضاء والمظاهرات الداعمة لهم في 2006.

ومع تفجُّر قضية تعذيب وقتل الشاب السكندري خالد سعيد على يد الشرطة عام 2010، تعددت الوقفات الشبابية في المحافظات المختلفة وشاهدنا سلاسل شابات وشباب يرتدون الأسود ويقرأون القرآن على روحه. كما اندلعت مظاهرات أخرى تضامنية مع المسيحيين، عشية ثورة يناير، بعد تفجير كنيسة القديسين.

كل هذا حدث في ظل حالة الطوارئ الممتدة والملاحقات الأمنية وإطلاق البلطجية لمهاجمة المتظاهرين في الشوارع، وتلفيق القضايا وتشويه سمعة نشطاء الحركة السياسية. رغم كل هذا، تراكمت خبرات الاحتجاج حتى أصبحت أمرًا واقعًا.

إضافة لانتزاع الحق في الاحتجاج، انتزعت قوى المعارضة الحق في التنظيم، فظهرت الجماعات المنظمة وشبه المنظمة، سواء جبهات التغيير الديمقراطي مثل كفاية والجمعية الوطنية للتغيير وحركات شباب من أجل التغيير وشباب 6 أبريل وحركة 9 مارس لاستقلال الجامعات، أو غيرها من الحركات التي شكلت معارضة جديدة بدلًا من التقليدية الممثلة في الأحزاب القديمة.

في هذا السياق، أصبح الفعل الجماعي والممارسات الاحتجاجية ثقافة اجتماعية في أواخر عصر مبارك، سواء بين النخب أو حتى الجماهير غير المنظمة مثل احتجاجات قرى العطش وأهالي ضحايا عبارة السلام 98 وأهالي الدويقة. كان احتجاج مجموعة ما تجمعها مطالب اجتماعية أمرًا معتادًا في الحياة اليومية.

تمكنت المعارضة بشقيها من تطوير تعاونها مع بعضها البعض، فظهرت الجبهات الموحدة التي تشارك فيها تيارات وقوى متنوعة، متجاوزة خلافاتها الأيديولوجية، فتحالفت قوى اليسار والقوميين والليبراليين، وحتى الإسلاميين، في مواقف موحدة وفاعليات موحدة، وجبهات خلقت قطب معارض قوي قادر على اجتذاب جمهور أوسع.

عمال ثائرون وجماهير غاضبة

هذه الحراك لم يشمل المعارضة السياسية فقط، فقد انضمت إلى ركابه حركات اجتماعية جماهيرية قوية. فالاحتجاجات العمالية التي امتدت من نهاية عام 2006 وحتى ثورة يناير، بمشاركة قطاعات واسعة من العمال في مختلف محافظات مصر، لم تؤثر فقط في الوعي الجمعي وفي خلق مزاج احتجاجي لدى جماهير واسعة، ولكنها أثرت تنظيميًا كذلك، فدرّبت مجموعات واسعة على لعب أدوار قيادية وتفاوضية، وكانت مدرسة سياسية ممتدة لسنوات على نطاق الجمهورية.

ولكن النتيجة الأهم في تلك المرحلة هو قدرة الحركة العمالية على انتزاع نقابات مستقلة عن التنظيم الموالي للدولة. وهو ما كان يعني وقتها ليس مجرد امتلاك العمال لتنظيمات مستقلة عن هيمنة السلطة وقدرتهم على بناء حركتهم وإدارتها، ولكن الأهم هو ما شكلته تلك النقابات المستقلة من تهديد لواحد من أهم أذرع الدولة، وهو اتحاد العمال الرسمي.

لم يكن اتحاد العمال مجرد تنظيم نقابي، لكن أداة السلطة للحشد والتعبئة وصناعة تأييد وهمي، وهو المؤسسة الوحيدة التي تمكنت من الاستمرار منذ أسسها جمال عبد الناصر عام 1957، وبالتالي كان تهديد احتكار السلطة للتمثيل العمالي يعني تهديد أحد أهم أدواتها في السيطرة.

لذلك، لا يمكن اختصار لحظة 2010 في تزوير نظام مبارك للانتخابات وسيطرته على البرلمان دون أدنى مشاركة للمعارضة، فكل لحظات التاريخ المصري بها ما يكفي من التزوير والاستبداد. المتغير كان في وجود من استقبلها، في ظل نشاط ممتد لسنوات ساهم في خلق تراكم في الوعي والتنظيم، أدى إلى تفاعل واستجابة للحظة 2010.

وبخلاف المزاج الجماهيري الذي اعتاد استخدام وسائل التعبير والاحتجاج، كان نظام مبارك أقل تماسكًا من النظام الحالي. خرجت الخلافات من الغرف المغلقة إلى العلن، فلم تخف السلطة القضائية تذمرها من تغول السلطة التنفيذية عليها، ولم تتقبل مؤسسات الدولة مشروع التوريث. كانت المعارضة والحركة الجماهيرية تسير في طريق التطور والتماسك، بينما تفقد السلطة تماسكها ويتعثر تسويق مشروعها سواء في الداخل أو الخارج.

تشبه 2010 وليست 2010

لا المعارضة هي نفسها، ولا السلطة هي نفسها. ومن قبلهما الجماهير التي لا يمكن إحراز أي تغيير في غيابها؛ لم تعد هي نفس الجماهير التي اعتصمت في المصانع والشوارع والميادين لترفع مطالبها. المعادلة لم تعد تشمل جماهير مستعدة للحركة، ومعارضة متطورة ونظام متآكل.

المعارضة الجديدة الفتية التي ولدت في العقد الأول من الألفية وتجاوزت أمراض القديمة، أصبحت اليوم في حد ذاتها قديمة، ولكن للأسف لم تولد أخرى جديدة. والجماهير التي تحركت قبل 15 عامًا، لا تبدو واثقة اليوم في جدوى التحرك.

استدعاء تلك اللحظة دون توافر أيٍّ من مقوماتها سوى طريقة إجراء الانتخابات، يخفي في حقيقته عدم فهم للحظة الحالية. وللأسف، فالتعلق بالماضي ومحاولة استدعاءه لن يساعدا في فهم اللحظة الراهنة، التي تحمل بكل تأكيد إمكانياتها ومقوماتها وبذور تحسينها وحتى تغييرها، والتي ما لم تُقرأ وتُفهم جيدًا في سياقها، فلا سبيل لتغييرها ولا حتى تحسينها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.