DALL·E 3
صورة متخيلة بالذكاء الاصطناعي لدونالد ترامب يطهو تاكو

"التاكو" على طريقة الشيف ترامب

منشور الثلاثاء 20 كانون الثاني/يناير 2026

احمرَّ وجه الرجل البرتقالي، عندما سأله صحفي عن رأيه في "التاكو". وصف دونالد ترامب السؤالَ بـ"المقزز"، وحذر من تكرار المصطلح الذي صكَّه كاتب الرأي في الفاينانشال تايمز روبرت أرمسترونج لوصف سياسته.

بالتأكيد هذا الصحفي محظوظ، فلم يسبه ترامب بألفاظ خارجة أو ينعته بـالخنزير، كما فعل مؤخرًا مع مراسلة صحفية، واكتفى بالقول إن من يرددون هذا المصطلح أغبياء لأنهم لا يفهمون أسلوبه في التفاوض، الذي يقوم على رفع سقف التهديدات والوعيد من أجل الحصول لاحقًا على تنازلات أكبر دون أن يضطر  لتنفيذ تهديداته التي تبدو أحيانًا صادمة وغير متوقعة.

لم يشعر ترامب بالإهانة من "التاكو"؛ الأكلة المكسيكية الشهيرة، بصفته الرجل الأبيض المتفوق الرافض أطعمةَ الأجانب في وقت يتبنى فيه سياسة متشددة وعنصرية ضد المهاجرين من أمريكا اللاتينية، إنما لأن "تاكو" في مقال أرمسترونج ما هي إلا اختصارٌ للأحرف الأولى من كلمة TACO، وكان يعني بها Trump Always Chicken Out/ترامب دائمًا ما يتراجع.

علمًا بأن تعبير chicken out ليست له صلة مباشرة بالدجاج، لكنه وصف لسلوك الطائر الجبان الذي سرعان ما يتراجع أو "بيجيب ورا" بالعامية المصرية.

قعقعة ترامب وطحينه

أفزع ترامب العالم وصَدم الأسواق المالية العالمية بإعلانه فور توليه منصبه عن قائمة التعريفات الجمركية التي طالت كل الدول المصدرة للولايات المتحدة؛ حلفاءً وخصومًا، ما لم تقدم إعفاءات للسلع الأمريكية أو تستثمر أموالًا طائلةً في اقتصاد بلاده، لكنه سرعان ما تراجع تحت ضغط ردَّ فعل الأسواق العالمية، وأجَّل التعريفات عدة مرات وخفضها بمعدلات كبيرة، بما في ذلك مع الصين هدفه الرئيسي في ضوء النمو المطرد لصادراتها لأمريكا والعالم.

وفي نهاية أبريل/نيسان 2025، كرر ترامب فعلته، وتوعد مزيدًا من الدول بسلسلة موسعة من التعريفات الجمركية، إلا أن الأسواق هذه المرة تجاهلت الأسواق تهديده، ولم تستجب بالقدر نفسه لما حدث مع تهديده الأول، لأن الرئيس الأمريكي أصبح "تاكو" يتراجع عن قراراته سريعًا.

لكنْ منذ أرسل ترامب، مطلع هذا العام، قواته لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، واصطحابهما عنوة إلى نيويورك للمثول أمام المحكمة بتهمة تهريب المخدرات للولايات المتحدة، والعالم يعيش حالة من الاضطراب والترقب تحت ضغط المزيد من التهديدات الترامبية، ليس فقط لدول أمريكا اللاتينية التي يعتبرها الفناء الخلفي لبلاده، لكن أيضًا لحلفائه الأوروبيين مع إصراره على الاستيلاء على جزيرة جرينلاند التابعة للدانمارك، الغنية بالمعادن النادرة.

إذا كان العداء بين قادة الولايات المتحدة ونظرائهم في كوبا وكولومبيا ونيكارجوا وكذلك المكسيك التي تعتبر مصدرًا رئيسيًا لتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية، مفهومًا، فما السبب لانقلاب ترامب على أوروبا؟ وإن كان فعل ذلك مع الأوروبيين فما بال منطقتنا المنكوبة بالحروب، بالأخص إيران التي تضربها الاحتجاجات الشعبية الواسعة.

تهديد الجميع

هذه الموجة من التصعيد أعادت "التاكو" إلى السطح مجددًا؛ تساءل الجميع ما إذا كان ترامب بالفعل قادرًا على فتح كل هذه الجبهات دفعةً واحدةً؛ يخطف رئيسي كوبا وكولومبيا ويعتدي على سيادة المكسيك، ثم يرسل قواته للاستيلاء على جرينلاند، فينهي التحالف القائم مع أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وينسف حلف "الناتو"، ويلحق ذلك بضربات موسعة وشاملة للنظام الإيراني بهدف إسقاطه، أم يتصرف كالدجاج ويضطر للتراجع في اللحظة الأخيرة لأنه لا يستطيع خوض هذه المواجهات في وقت واحد، وخشيةً من الضرر البالغ بالمصالح والاقتصاد الأمريكي بمواصلة الاستخفاف بالدول وبالقوانين الدولية.

فعليًا، أثمر رفع ترامب سقف التهديدات لهذه الدرجة الجنونية، فخطف مادورو وزوجته لم يؤدِ إلى حشد فنزويلا قواتها في مواجهة السفن الأمريكية التي تحاصر سواحلها وتصادر ناقلاتها البترولية. العكس صحيح، أشادت متحدثة البيت الأبيض كارولين ليفيت بسلوك ديلسي رودريجيز نائبة مادورو السابقة التي تتولى منصب الرئاسة وقالت إنها تنفّذ كل طلبات الولايات المتحدة وتتعاون بشكل كامل.

حتى جوستافو بيترو رئيس كولومبيا، المناضل، فبعد خطابات نارية ضد الإمبريالية الأمريكية ودعوة شعوب العالم للثورة، سارع لطلب اتصال هاتفي مع ترامب ليحثه على خفض التصعيد.

رئيسة المكسيك تعهدت هي الأخرى بالمزيد من الإجراءات لمنع تهريب المخدرات والمهاجرين إلى أمريكا مع التحذير من عواقب أي خطوات متهورة لترامب، فيما تستعد كوبا للأسوأ، خصوصًا وأن وزير الخارجية الأمريكية الحالي ماركو روبيو الذي ينحدر من أصول كوبية يعتبر التخلص من نظام هافانا الشيوعي أحد أهم طموحاته.

إيران فقط هي من ينطبق عليها وصف "التاكو" في سلوك ترامب إزاءها بعدما تراجع عن تهديده الصريح بالتدخل العسكري حال استمرت السلطات في قتل المتظاهرين، مع دعوة الشعب الإيراني إلى الاستيلاء على مؤسساته ووعدهم بأن "المساعدة قادمة في الطريق".

ثمار التلويح

لم يتضح حتى الآن ما يمكن أن يفعله الرئيس الأمريكي بعد الملاسنة الكلامية الأخيرة بينه وبين المرشد العام للثورة الإيرانية علي خامنئي، حيث وصفه الأخير بـالمجرم لتحريضه المتظاهرين الإيرانيين على القتل والتخريب، ورد ترامب بأن الوقت حان لتغيير رأس النظام الذي تقدم به العمر ولم يتسبب لشعبه سوى في الكوارث.

لكن حتى قبل تبادل تلك التصريحات النارية، فإن المسؤولين في إدارة ترامب يروجون لأن تصعيده الكلامي والتهديد بالخيار العسكري لم يثمر فقط عن دفع طهران إلى التراجع عن عمليات إعدام واسعة لنحو 800 من المحتجين، لكنه دفع وزير الخارجية عباس عراقجي إلى معاودة فتح قناة الاتصال مع صديق ترامب الصدوق ومبعوثه للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، لبحث استئناف المفاوضات بشأن البرنامج النووي، وتقديم تنازلات مهمة في هذا الصدد.

بغض النظر عن تفسير تراجع ترامب، وما إذا كان بناءً على طلب من حليفه نتنياهو، لاتخاذ المزيد من الاستعدادات، أو بعد تحذيرات من حلفائه العرب، بما في ذلك السعودية ومصر وتركيا وقطر، من أن المنطقة لا تحتمل مواجهة عسكرية مع إيران خصوصًا في ظل غياب بديل واضح للنظام.

على الجانب الآخر لا يمكن تجاهل أن النظام الإيراني المتشدد يعيش أسوأ أوقاته بعد فقدان حلفائه فيما كان يعرف بـ"محور المقاومة" وعلى رأسهم النظام السوري السابق وحزب الله اللبناني، بالتالي هو مضطر لتقديم تنازلات حتى لو تمكنت من السيطرة على موجة الاحتجاجات وتجنبت ضربة عسكرية.

حينذاك سيخرج ترامب منتشيًا سعيدًا وساخرًا من منتقديه الذين يصفونه بـ"التاكو"؛ سيقول إن تهديداته وضغوطه كانت السبب وراء دفع الإيرانيين لتقديم تنازلات، دون اللجوء بالفعل إلى الخيار العسكري.

أخلاق ترامب

في مقابلته الأسبوع الماضي مع نيويورك تايمز، التي مثلت حدثًا استثنائيًا في ضوء نظرته للصحيفة باعتبارها عدوته اللدودة واتهامه لإدارتها بالخضوع لسيطرة الديمقراطيين، قال ترامب إن القانون الدولي لا يُمثل بالنسبة له رادعًا أو مبررًا للتراجع عن القرارات التي تخدم مصالح بلاده، وأكد بكل وضوح على أن ما يردعه فقط هو "أخلاقه" وما يؤمن أنه الصواب.

بالطبع إذا كان المعيار لإدارة شؤون العالم هو أخلاق ترامب، فلنقل على الدنيا السلام ونستعد لمجموعة من العمليات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية "المبهرة" التي يعشقها الرجل البرتقالي ويراها مسلية للغاية و"كأنها برنامج تلفزيوني" مثير على حد وصفه لعملية خطف واحتجاز الرئيس الفنزويلي السابق مادورو التي تابعها عبر الشاشات من قصره الخاص في ميامي بولاية فلوريدا.

لكنه غالبًا لن يشن حروبًا واسعة على شاكلة غزو العراق وأفغانستان، لأن قاعدته المعروفة بـMAGA أو Make America Great Again، ترفض ذلك، كما أنه هو شخصيًا يرى أن الحروب مكلفة وغير ضرورية خاصة إذا كان يستطيع تحقيق أهدافه من خلال تخويف العالم بسلوكه الذي لا يمكن التنبؤ به وعدم التيقن مما إذا كان بالفعل كما وصفه المعلق البريطاني رجل "تاكو" أم أن هذا مجرد تكتيك تفاوضي يجيده للحصول على ما يريد من تنازلات. 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.