ترامب وسياسة الـ"Cc": ماذا وراء النسخ الإضافية من خطاب سد النهضة؟
قضية النيل تتشابك مع خطط أوسع لإعادة توزيع الثقل الجيوسياسي في المنطقة
لعلها المرة الأولى التي تُوجَّه فيها نسخ من خطاب دبلوماسي رفيع المستوى إلى آخرين غير المُرسل إليه باستخدام خاصية Cc. لهذا السبب الشكلي وأسباب أخرى موضوعية؛ يجب التدبر في ملابسات الخطاب غير التقليدي الذي تلقاه الرئيس عبد الفتاح السيسي من نظيره الأمريكي دونالد ترامب، بل والبحث عن دوافعه، حتى وإن سبقته مناسبات أخرى أبدى ترامب خلالها اهتمامًا بقضية سد النهضة.
بدا منطقيًا أن يوجّه ترامب نسخ Cc إلى الرئيس الإثيوبي تايي أتسكي سيلاسي، ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، لعلاقتهما بأزمة سد النهضة، منذ بدأت إثيوبيا تشييده قبل 15 عامًا، مرورًا بـ إعلان المبادئ الموقع في مارس/آذار 2015 بالخرطوم، ومشاهد متناقضة بين المفاوضات والقطيعة، نهايةً بإعلان اكتمال المشروع الإثيوبي في يوليو/تموز 2025.
لكن توجيه الرسالة إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الإمارات محمد بن زايد جاء مؤشرًا على شيء أبعد يداعب خيال ترامب، فضلًا عن "Cc" أخرى ليست صريحة بل ضمنية، إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي المترصدة للملف منذ سنوات، ويُدخلها ترامب كعنصر رئيسي في المشهد بإشارته إلى ملف غزة والمرحلة الثانية من خطة السلام ذات المعالم المشوشة حتى الآن.
يمكن وصف رد السيسي على خطاب ترامب بـ "المتوازن"؛ حيث لم تسارع مصر إلى الترحيب بالانخراط في مفاوضات جديدة بوساطة أمريكية، وهذا منطقي، لأن عناصر الوساطة كما استعرضها خطاب ترامب تنتمي إلى عالم ما قبل اكتمال سد النهضة، وربما كان لها وجاهة في مرحلة المفاوضات السابقة في ولايته الأولى بإشراف وزير خزانته السابق ستيفن منوتشين، مثل الحديث عن تقاسم المياه والاستفادة المشتركة من الكهرباء.
عرض ينتمي إلى عهد مضى
ينص إعلان المبادئ في مادته الثانية على مبدأ التنمية والتكامل الإقليمية والاستدامة، باعتبار الغرض من السد توليد الطاقة والمساهمة في التنمية الاقتصادية والترويج للتعاون عبر الحدود والتكامل الإقليمي من خلال طاقة نظيفة ومستدامة ويمكن الاعتماد عليها.
وخلال مرحلة المفاوضات الأولى، وبين عامي 2018 و2020 أعلنت الدول الثلاث تدشين مشروع للربط الكهربائي، على أن يكون السودان محور المشروع في اتجاهي الشمال والجنوب، قبل أن يتراجع الزخم على وقع انسداد قنوات التفاوض وفشل لجوء مصر إلى مجلس الأمن ثم وساطة الاتحاد الإفريقي في حمل أديس أبابا على التفاوض.
نعم؛ يشير خطاب ترامب إلى الرغبة في التوصل إلى حل نهائي "مرة وإلى الأبد" لتقاسم مياه النيل، مبديًا معارضته للانفراد بإدارة أضخم مورد ماء عذب في العالم، لكن الإشارات أدنى من حساسية اللحظة الراهنة، خاصة بعد الارتباك الحاد الذي أصاب دولتي المصب بعد تصريف ما يقرب من ملياري متر مكعب من بحيرة السد الرئيسية بزيادة 80% عن المتوسط التاريخي لشهر نوفمبر/تشرين الثاني، مما دفع مصر إلى التحذير من تبعات الإدارة الأحادية والعشوائية، وعدم تبادل المعلومات بشأن التصرفات المنطلقة من السد أولًا بأول.
أما إثيوبيا فتتمسك ببراجماتية محضة. يتساءل قادتها: على أي شيء يمكن التفاوض الآن بعد انتهاء بناء السد؟! السؤال قاس ولا يخلو من وقاحة، لكنه يمس جوهر المسألة وينزع الواقعية عن كلمات ترامب، لأن أي مقاربة للملف الآن يجب أن تُبنى على أساس مراعاة الأضرار الحقيقية وليس الافتراضات، وأن تنطلق من الإشكاليات القائمة لا النظرية، على ضوء أحكام القانون الدولي وحتى إذا تطلب الأمر اللجوء إلى محكمة العدل الدولية للاستفادة من مبادئها السابقة في هذا الشأن.
مفاتيح ترامب: الأنماط وحدود الارتجال
الفجوة بين عرض ترامب والواقع تحتّم التساؤل عن استراتجيته المفضلة لتحقيق المكاسب. ولا بأس من عودة سريعة إلى كتابه فن الصفقة الذي تزيد أهميته مع الوقت لفهم ما يدور في عقل رجل ثمانيني يسعى لتغيير شكل العالم، ويحيط نفسه بمجموعة محدودة من المساعدين بأفكار وسياسات ترفض قيم المؤسسات الأمريكية التقليدية.
يزاوج عقل ترامب بين عدة مبادئ تفاوضية استراتيجية، أهمها توسيع الخيارات، والمرونة وعدم قصر الرهان على خيار واحد أو طرف بعينه أو أسلوب منفرد. ومن سرد بعض تجاربه نلحظ كيف يحرص على توسيع دائرة المنتفعين من الصفقة المرجوة، لضمان دعم أوسع من أطراف تنجذب تلقائيًا نحو ما يبديه من ثقة ونفوذ.
لا يعترف ترامب بالدراسات المطوّلة للمشاريع ويعتبرها مضيعة للوقت والمال، وإنما يثق في حدسه واستطلاعات "عشوائية" يجريها بنفسه، فهو يرى أن الخيال والمهارة مهمان لينتج النفوذ آثاره، لأنهما كفيلان بإقناع الطرف المقابل بأن إبرام الصفقة يصب في مصلحته هو.
بتطبيق هذه المفاتيح على خطابه وتصريحاته المتكررة بشأن سد النهضة، وقبلها قضية غزة والملف الإيراني، نلحظ تكرار مجموعة أنماط أبرزها: المبادرة بعرض حلول أو أنصاف حلول كانت مستبعدة إلى وقت قريب، ومحاولة توريط أكبر عدد من الأطراف ذات المصالح الراهنة أو المحتملة مستقبلًا، وإطلاق تصريحات متضاربة أو على الأقل لا تسير على وتيرة واحدة لاختبار ردود الفعل المختلفة، والسعي الحثيث لاقتناص لحظة مجيدة يكون هو بطلها. وخبرته تسمح بالتنقل بين تلك الأنماط بمهارة، متوازية أو متكاملة.
أما الجانب الاستعراضي من شخصيته، فكما يمكّنه من حسن إلقاء النكات و"الإفيهات" واختيار لحظات "السوكسيه" بمهارة أمام الجماهير، فهو ينعكس على أدائه السياسي بإجادته للارتجال داخل مسارات محددة ومُنتجة، ومن ثَمَّ مفاجأة الحلفاء والخصوم بخطوات غير متوقعة.
ربما يندرج استخدام الـ"Cc" في خطاب سد النهضة تحت مهارة الارتجال، بهدف استخدام المفاتيح سالفة الذكر، محاولة توريط واستنفار أطراف ذات مصالح حالية أو مستهدفة لاستكشاف استعداداتها وإمكاناتها وإحداث التفاعل بينها، بينما هو يراقب لاقتناص الفرصة لتحقيق مكاسب له أو لحلفائه الأقربين وعلى رأسهم نتنياهو، الشخص الوحيد القادر على تقريب وجهات النظر بين ترامب الحالم بجائزة نوبل للسلام ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الفائز بها عام 2019.
إسرائيل وخرائط التفكيك والتركيب
المطامع الإسرائيلية في مياه النيل ثابتة ومعلنة منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي حين اتفق الرئيس الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل مناحم بيجن على مشروع زمزم الجديدة لإيصال مياه النيل إلى صحراء النقب ثم القدس. فكرةٌ تصدى لها المثقفون المصريون آنذاك وغابت عن المجال العام تمامًا بعد اغتيال السادات.
وبينما تتعقّد علاقتها بمصر مؤخرًا، يمكن اعتبار علاقة إسرائيل بإثيوبيا في تحسن ملحوظ باطراد. لقد نفت مرارًا تقديم دعم لمشروع سد النهضة، لكنها تساهم في تطوير قدرات أديس أبابا في ملف المياه والطاقة. وفي فبراير/شباط 2025 وقّع الطرفان اتفاقية لتعزيز التعاون في مجالات تطوير البنية التحتية المائية واستخدام التكنولوجيا لتحسين استغلال الموارد، فضلًا عن تنامي الاستثمارات الإسرائيلية المباشرة في مشروعات الطاقة المتجددة والصناعة والري والأغذية.
ولا يمكن فصل هذا التعاون عن السعي الصهيوني الدائم لتوسيع النفوذ في شرق ووسط إفريقيا، والذي انتقل من صورته الناعمة والخفية إلى اجتراء أقرب إلى العدوان، بالاعتراف مؤخرًا بكيان صوماليلاند الانفصالي في مواجهة معارضة مصرية وعربية واسعة، لكن مازالت محصورة في بيانات الشجب والإدانة.
ولا يصعب الربط بين ملفي صوماليلاند وسد النهضة. كلاهما يسهم في إعادة توزيع الثقل الجيوسياسي بالمنطقة، وزيادة فرص الاستثمار والحضور العسكري لإسرائيل وأطراف إقليمية ودولية أخرى، فيما تتصاعد الرغبة المحمومة من دوائر اليمين الأمريكي لإعادة تفكيك وتركيب القرن الإفريقي بحجة قطع الطريق على الصين وتركيا، وهو ما يتطابق تمامًا مع المساعي الإسرائيلية.
كيف وصلنا إلى هنا؟!
أما الطرفان الخليجيان اللذان أراد ترامب إلحاقهما بملف سد النهضة؛ فلا مؤشرات بإمكانية تدخل أي منهما بصورة حاسمة لمصلحة مصر والسودان، خاصة مع تكريس وضع إثيوبيا الجاذب للاستثمارات مدعومًا بمشروعات تنموية كبرى أحدثها وأهمها سد النهضة.
لم تلعب الرياض دورًا يُذكر في الاتصالات والمفاوضات بمختلف مراحلها، ولها مساعٍ واضحة وخطوات جادة لتعميق العلاقات بأديس أبابا. أما الإمارات، وهي صديقة مهمة لإثيوبيا، فقد حاولت على فترات حلحلة الأزمة، كان آخرها في صيف 2023 عندما أجرى محمد بن زايد زيارات للقاهرة وأديس أبابا لإحياء المفاوضات بصورة غير مباشرة من منظور التعاون المشترك في مجال الكهرباء.
لكن أبوظبي تبدو اليوم أقل قدرة على إنجاح أي حراك، على خلفية أزمتها المتصاعدة مع السعودية بشأن جنوب اليمن، ومواقفها الملتبسة في صوماليلاند، فضلًا عن العامل الأهم وهو تورطها الكارثي في السودان بما يهدد المصالح الاستراتيجية المصرية ويحوّل طموحات الربط الكهربي والتنموي الثلاثي بواسطة سد النهضة إلى أضغاث أحلام.
على تلك الخلفيات تتناقص جديّة عرض ترامب وتتضاءل أهميته. لكن سعيَه إلى إدخال أطراف أخرى يظل خطيرًا وجديرًا بالحذر خاصة قبل ساعات من لقائه المرتقب بالسيسي في دافوس. فلا شيء يحركه إلّا إضافة نقاط إلى سجل سلامه الوهمي بإجهاض الحروب، والبحث عن صفقة حتى لو من العدم.
الخبر السيئ هو وصولنا إلى هذه النقطة بعد 11 عامًا من إعلان المبادئ ثقيل الوطأة من دون مكاسب. بات سد النهضة قدَرًا محتومًا، إن نجت مصر من تهديداته المباشرة فلن تتوقف محاولات استغلاله للضغط والابتزاز.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.