رجل الإمارات وصديق ليبرمان..الوجه الآخر لـ"مندوب ترامب السامي" لإدارة غزة
عندما بدأت روميانا باتشفاروفا منصبها سفيرةً لبلغاريا لدى تل أبيب في 2019، زارت في القدس المحتلة مواطنها نيكولاي ملادينوف، الذي اصطحبها إلى جبل الزيتون المطل على البلدة القديمة، وقال لها "هذا المكان الصغير هو حجر الزاوية لجميع الصراعات هنا. لكن انظري كم هو جميل".
لا يُعد ملادينوف، القريب من الإمارات والمدير العام لأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية بها، والمبعوث الأممي السابق لعملية السلام بالشرق الأوسط، مجرد دبلوماسي عابر؛ فعلاقاته الوثيقة بسياسيين إسرائيليين، ودوره البارز في إدارة صراعات المنطقة خلال العقد الأخير، وموقفه المعلن المؤيد لاتفاقات إبراهيم، وصلاته باللوبي الصهيوني، كلها عوامل جعلت منه خيارًا "ترامبيًا" بامتياز لتولي منصب "الممثل السامي" لقطاع غزة ضمن مجلس "السلام".
الدور المعلن لملادينوف ربما رسمه قرار مجلس الأمن في 17 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الذي رحب بإنشاء مجلس "سلام" باعتباره "سلطة إدارية مؤقتة مكلفة بإعادة إعمار غزة وتنسيق تمويلها"، وذلك حتى تستكمل السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي بشكل مرضٍ.
يعيد مسمى منصب ملادينوف الجديد كـ"ممثل سامي" لقطاع غزة للأذهان فكرة "المندوب السامي" سيئة السمية المرتبطة تاريخيًا بالاستعمار، والذي لم يكن أبدًا شخصًا محايدًا أو داعية سلام، بل حاكم ينفذ ما يريده المستعمر، وربما تكون هذه مهمة ملادينوف في منصبه الجديد كممثل لترامب الذي سبق وأعلن عن رغبته في السيطرة على قطاع غزة وتحويلها إلى "ريفييرا الشرق الأوسط".
دفعت واشنطن باسم ملادينوف بعد اعتراضات عربية واسعة على ترشيح رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، بسبب إرثه المثير للجدل في حرب العراق، ليحتفظ بلير بمقعد في مجلس "السلام"، ويترك مهمة التعاطي المباشر مع القطاع لملادينوف. لكن بالنظر في إرث الدبلوماسي البلغاري، فالاختلاف قد لا يتجاوز الاسم، الذي قد يكون وصف باتشفاروفا لمواطنها بعد لقائهما في 2019 بأنه شخص "لا يتخذ الخيارات السهلة"، مدخلًا لفهمه.
ابن الحرب الباردة
ينحدر ملادينوف المولود في صوفيا عام 1972 من عائلة متجذّرة في مؤسسات بلغاريا الشيوعية خلال الحرب الباردة. عمل والده في لجنة أمن الدولة البلغاري، وشغل عمه منصبًا دبلوماسيًا في نفس الحقبة. لكن ذلك لم يمنعه من التحول الجذري مع نهاية التسعينيات نحو اليمين، تزامنًا مع تخلص بلاده من إرثها السوفييتي وسعيها للانضمام إلى أوروبا.
درس العلاقات الدولية في صوفيا ودراسات الحرب في كلية كينجز بلندن، وعمل في أواخر تسعينيات القرن الماضي مع مؤسسات المجتمع المفتوح والبنك الدولي. وعام 1999 أسس المعهد الأوروبي/EI في صوفيا للترويج للإصلاحات النيوليبرالية والدفاع عن فكرة الاندماج الأوروبي.
كان صعوده السياسي سريعًا؛ إذ انتُخب نائبًا في البرلمان البلغاري من 2001 حتى 2005، قبل أن يصبح عضوًا في البرلمان الأوروبي بين مايو/أيار 2007 إلى يونيو/حزيران 2009، ثم شغل منصب وزير الدفاع من يوليو/تموز 2009 إلى يناير/كانون الثاني 2010.
عُين وزيرًا للخارجية في الفترة من فبراير/شباط 2010 إلى مارس/آذار 2013، وترك منصبه لينتقل إلى الأمم المتحدة، ممثلًا خاصًا في العراق، ثم منسقًا أمميًا لعملية السلام في الشرق الأوسط بين 2015 و2020، واكتسب سمعة بأنه "رجل إطفاء" قادر على التحدث مع الجميع.
والآن، يعود بمهمة أكثر خطورة، وهي تنفيذ خطة صممتها الولايات المتحدة تدعو صراحة إلى "نزع سلاح جميع الأفراد غير المصرح لهم في غزة"، وهو تعبير ملطف لإنهاء المقاومة والقضاء على القوة العسكرية لحماس بينما تواصل إسرائيل احتلال القطاع رغم اتفاق وقف النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ثقة مهتزة
لعب ملادينوف دورًا محوريًا في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس عام 2018، وكان حاضرًا باستمرار في المفاوضات المتعلقة بإدخال الوقود إلى القطاع والرواتب وأموال إعادة الإعمار، وأبدى موقفًا رافضًا وقتها لقرار إسرائيل وقف حركة الصادرات والواردات عبر معبر كرم أبو سالم.
لكنه حينها أيضًا، واجه انتقادات واسعه من جانب مسؤولين كبار في منظمة التحرير الفلسطينية بسبب ما اعتبروه "تهميشًا" للسلطة الفلسطينينة في رام الله عبر التفاوض المباشر مع حماس، معتبرين أن مثل هذا النهج أضفى شرعية على حكم الحركة في غزة، على حساب التمثيل الوطني الفلسطيني.
وتعمّقت هذه الانتقادات مع تأييده العلني لاتفاقات إبراهيم التي رعتها إدارة ترامب عام 2020، واعتبارها "عاملًا مُحفزًا" للاستقرار الإقليمي. لا سيما أن الجانب الفلسطيني اعتبر أن هذه الاتفاقات "خيانة" لقضيتهم، كونها "تطبيعًا بلا إنهاء للاحتلال"، ودون موافقة فلسطينية.
غير أن ملادينوف نجح سريعًا في استعادة ثقة الفلسطينيين به، ونال قدرًا كبيرة من إشادة كل الأطراف، إذ وصفه رامي حمد الله، رئيس الوزراء الأسبق للسلطة الفلسطينية، بأنه "وسيط نزيه للغاية"، ومنحه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في فبراير 2021 وسام القدس من درجة "النجمة الكبرى"، وهو من أعلى الأوسمة الفلسطينية التي تُمنح للشخصيات الدولية البارزة.
وأيضًا قال عنه القيادي في حركة حماس خليل الحية عام 2021 "نحن فخورون بمعرفته".
رجل إسرائيل والإمارات
لم تخطئ باتشفاروفا عندما أشارت إلى العلاقة العاطفية التي تربطه بالجميع، فعلى الجانب الآخر، تصفه وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني بـ"الوسيط النزيه"، ويؤكد قادة اليمين الإسرائيلي مثل أفيجدور ليبرمان وموشيه كحلون الاعتماد الكلي عليه، إذ نسج علاقات راسخة ومتينة داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، تأتي على رأسها علاقته الوثيقة بليبرمان، التي تعود إلى العام 1999، وهي علاقة استمرت لعقود، حتى خلال توليهما مناصب حكومية رفيعة.
كما يشغل ملادينوف منصب زميل أول في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى التابع للجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية "إيباك"، وعزت تقارير فكرة اختياره للمهمة الأخيرة إلى جاريد كوشنير، صهر ترامب.
وتبرز رئاسته لأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي، منذ عام 2022، وهي المؤسسة المحورية في صياغة السياسة الخارجية الإماراتية كآخر محطاته على مستوى رسم السياسات الدولية، فيما وصفه موقع "ميدل إيست آي" بأنه "رجل الإمارات في غزة"، وهو التوصيف الذي يعكس مخاوف أوسع من أن تمارس دول الخليج نفوذًا مفرطًا على أي آلية حكم دولية مقترحة لقطاع غزة.
وجوه ملادينوف المتعددة تترك مصير غزة مفتوحًا؛ هل سيمهد "الممثل السامي" فعليًا لعودة حكم فلسطيني موحد وذي سيادة، أم سيظل مديرًا دائمًا لقطاع معزول عن سياقه السياسي؟